الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أريد استعادة ثقة أبنائي بي بعد سنوات من الشدة، فما نصيحتكم لي؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حياكم الله، ووفقنا الله وإياكم لخيري الدنيا والآخرة.

لديَّ بنت وثلاثة أولاد، أعمارهم على التوالي: 19 سنة (في الجامعة)، و16، و13، و9 سنوات، وكانت معاملتي لهم في السابق فيها قسوة عند الخطأ، والآن أريد أن أتقرب إليهم؛ حتى يثقوا بي، ويتحدثوا معي، ويشعروا بالأمان دون خوف.

الذي عمره 16 سنة ظهرت عليه علامات البلوغ، مثل تغير صوته، فكيف أكسب ثقتهم، وأمنحهم الأمان للتحدث معي براحة واطمئنان؟ وكيف أتحدث معهم عن البلوغ والتغيرات التي تظهر عليهم؟

علمًا بأنني أشعر أنهم يتحدثون مع والدتهم بأمان أكثر، ووالدتهم كانت قد تحدثت مع البنت في مرحلة بلوغها قبل أعوام، وأضيف أنني أعمل الآن في دولة أخرى غير الدولة التي يقيمون فيها، ويأتون إليَّ في الإجازات، وأذهب إليهم أنا في إجازاتي.

وشكرًا لاهتمامكم، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أبو أحمد، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بداية نسأل الله أن ييسر أمرك، ويجمعك مع عائلتك، بأن يسهل لك أمر استقدام أهلك إلى البلد الذي تعمل فيه، خاصة إذا كانت إقامتك في إحدى بلاد المسلمين، فالعلاج الحقيقي لتصحيح العلاقة بين الأب وعياله أن يعيش معهم، لأن الأصل أن يعيش الرجل مع زوجته وأولاده، أمَّا ابتعاد الأب عن عائلته لطلب الرزق فهو أمر استثنائي، وعليك الحرص على تصحيح الوضع في أقرب وقت ممكن، ولك أن تنظر في الفتوى رقم: 110784، بمركز الفتوى بموقعنا.

أمَّا نصيحتنا لك بخصوص التقرب من أولادك في ظل وضع حياة الغربة والبعد الجسدي عن أسرتك، فرغم أنه تحدٍ كبير، خاصة عندما يكون الأبناء في مرحلة المراهقة والبلوغ (من عمر 9 إلى 19 سنة)، فهي مرحلة تشهد تغيرات نفسية وجسدية سريعة، وتحتاج إلى بناء "جسر ثقة ومحبة" بينك كأب وبينهم، وتفعيل دورك التربوي والأسري رغم بعد المسافات المكانية، لذلك ننصحك باتباع الخطوات والأساليب العملية التالية:

• تحويل التواصل من "واجب ثقيل" إلى "روتين ممتع"، وتتفق مع أولادك على مواعيد محددة للاتصال تناسب جدول دراستهم ونومهم، بحيث يصبح هذا الموعد جزءًا من نظامهم الأسبوعي أو اليومي، وينتظرونه.

على أن تكون الاتصالات قصيرة وخفيفة، واجعل التواصل أحيانًا برسالة صوتية صباحية أو مسائية، أو إرسال صورة لطيفة ليومك في الغربة، فتلك الرسائل تصنع فارقًا كبيرًا، وتُشعرهم بوجودك المستمر.

• كن ذكيًا في إدارة الحوار:
- ابتعد عن التحقيق، وتجنب صيغة الاستجواب، فالمراهق ينفر من الأسئلة الروتينية الجافة مثل: "هل درست؟"، "كم أخذت في الامتحان؟"، "لماذا لم تسمع كلام والدتك؟"، هذه الأسئلة تجعل المكالمة تبدو كتحقيق شرطي.
- استعمل بدائل ذكية للحوار.
- استبدل الأسئلة الجافة بأخرى تفتح مجالًا للفضفضة، مثل: "ما هو أجمل شيء حدث معكم اليوم؟".
- شاركهم تفاصيل يومك أنت أولًا (ماذا طبخت، موقفًا مضحكًا في العمل)، لكي يتشجعوا على مشاركتك تفاصيلهم.
- واجعل وسائل التواصل مكانًا للمزاح، وتبادل الصور، والقصص اللطيفة، وليس فقط للأوامر والتعليمات.

• وبما أن الأبناء في سن المراهقة (حتى 16 سنة) يمرون بمرحلة إثبات الذات وبناء الشخصية، ننصحك أن تستشيرهم بطلب رأيهم في بعض أمورك، مثلًا: "ما رأيكم في شراء هذا الهاتف؟"، أو "أريد شراء هدية لوالدتكم، ما مقترحكم؟"، أو "ماذا سنفعل في الإجازة المقبلة؟"، فالاستشارة ترفع تقديرهم لذواتهم، وتشعرهم بأنهم رجال يعتمد عليهم.

• أحسن فن الإنصات قبل إصدار أحكام سريعة، إذا أخطأ أحدهم أو أخبرك بمشكلة، اضبط انفعالك، ولا تبادر باللوم والعقاب فورًا، دعهم يشعرون أنك "الملجأ الآمن" الذي يستمع ويوجه بحكمة، وليس القاضي الذي يعاقب.

• الدعم التربوي: بما أن بعدك الجغرافي عن أولادك قد يضعف دورك التربوي، إذا لم يكن هناك تنسيق كامل بينك وبين أمهم، لذلك يجب أن يرى الأبناء أنك وأمهم جبهة واحدة، فعليك التنسيق ابتداءً مع أمهم، بالتواصل المستمر لفهم أدق تفاصيل التغيرات المؤثرة على شخصيات الأبناء، حتى تكون على علم ودراية بما يمرون به من ضغوط دراسية أو نفسية.

وفي الخلاصة نقول إن الأبناء في هذا السن لا يحتاجون إلى "مدير" يتابعهم عن بعد، بل يحتاجون إلى "صديق حكيم وسند آمن" ينتظرون مكالمته بشوق ليفخروا بإنجازاتهم أمامك، ويفضفضوا لك عن همومهم، فلا تبخل عليهم بوقتك، فقليلٌ دائم ومستمر من الحب والاهتمام، يختصر آلاف الأميال.

حفظك الله لعائلتك، وحفظهم لكم، وجعلهم قرة عين لكم في الدنيا والآخرة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً