الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سلوكيات زوجي تضعف إيماني وتجعلني ما بين الفتور والجهاد!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا امرأة متزوجة منذ 5 سنوات، رأيت خلالها تأثير زوجي الواضح في تديني، وذلك في فترة تساهلتُ فيها بالحجاب والاختلاط، مع منعي من الخروج ومن بيئات الإيمان.

والآن أنا في جهاد، والحمد لله الذي رزقني القرآن، لكنني دائماً في حالة فتور وجهاد؛ وذلك بسبب أن زوجي منعني من الخروج ومن الصديقات، وأنا أتواصل معهن بالهاتف لكنهن منشغلات.

أخاف على ديني، ولا أرى في زوجي قدوة لي ولا لولدي؛ فقد كان لا يصلي ثم أصبح يصلي، لكنني أعاني من سماعه الأغاني ومجالسه للغيبة، أشعر بالضياع وأخاف على ديني، وأشعر أن همومنا مختلفة، وكذلك أفكارنا واهتماماتنا، وأنا في غربة محاطة ببيئة كلها غفلة، وليس لي رفيق إلا هو، لكني أعاني معه في مسائل الحلال والحرام، وأشعر بأنني في صراع يستنزف قواي كلها.

لا أنكر أنه طيب، ويساعدني في البيت، ويتحملني، لكنني أخاف على ديني عندما أرى نفسي وجهادي وسقوطي، وأخاف؛ إذ أشعر بأنني أهاجر إلى الله وأقطع طريق السير إليه حاملةً على كتفي وظهري حملاً ثقيلاً، وأشعر بأنه قيدٌ لسيري إلى الله.

كنت سابقاً أرتاد مراكز التحفيظ والدروس، لكنني الآن أشعر بأن إيماني منخفض -والله المستعان-، وأخاف على أولادي؛ فقد أصبحتُ أُضيّع صلاة الفجر، وأشعر بأنني في غفلة، فكيف السبيل؟ وما هو الحل؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ رنا حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، كما نشكر لكِ أيضًا حرصكِ على الحفاظ على المستوى الذي وصلتِ إليه من التدين، والحفاظ على الطاعات، والحرص على الاستمرار على ما أنتِ عليه من الخير، وهذا من توفيق الله تعالى لكِ، فهذه الرغبة هي فضلٌ من الله تعالى ونعمةٌ عظيمة، وهي المحرك الحقيقي لهذا الإنسان، فرغباته وميوله هي الدافع له نحو اختيار الطريق الذي يسلكه.

فنوصيكِ أولًا بشكر الله تعالى الذي غرس في قلبكِ هذه الرغبة في الخير، والحرص على الطاعات، فاشكري هذه النعمة باستغلال هذه الرغبة ما أمكنكِ ذلك، واحرصي على شغل أوقاتكِ بما تتمكنين منه من الطاعات، بما سنبيِّنُه لكِ -إن شاء الله تعالى-.

وبدايةً نقول -أيتها الكريمة-: إن زوجكِ فيه جوانب إيجابية كثيرة من خلال الوصف الذي توليتِ أنتِ سرده وبيانه، ولا نبالغ إن قلنا لكِ ينبغي أن تشكري نعمة الله تعالى عليكِ، وتعرفي قدر إحسان الله إليكِ حين ساق إليكِ زوجًا من هذا النوع، رغم ما فيه من المعايب والنقائص والأمور والجوانب السلبية، إلَّا أن فيه خيرًا كثيرًا، فإنه قد استجاب لجهدكِ وتعبكِ، فأصبح محافظًا على الصلاة كما قلتِ، وهو كذلك مُتخلِّقٌ بأخلاق طيبة في التعامل معكِ، كما وصفتِه أنتِ بأنه طيب في معاملته معكِ، وأنه يساعدكِ ويتحمَّلُكِ، وهذه الصفات يفتقدها كثير من الرجال.

وما أكثر النساء اللاتي تعاني من أزواجهنَّ الذين يحولون الحياة إلى نوع من الشقاء والتعاسة، فاشكري نعمة الله تعالى عليكِ فيما وهبكِ من هذا الزوج، واعلمي أن شكركِ لهذه النعمة سيهيئ لكِ استغلالها، ولعل الله تعالى يجري الخير على يديكِ حينما تفكرين بصدر منشرح ونفس هادئة.

حينما تملئين قلبكِ بالنظر في الجانب الإيجابي في هذا الزوج، فإنكِ ستبذلين أقصى ما لديكِ من الجهد في سبيل تعزيز هذه الجوانب الإيجابية من جهة، وفي سبيل إعانته على اكتساب جوانب إيجابية أخرى، وباللجوء إلى الله تعالى والاستعانة به ستصلين -بإذن الله تعالى- إلى أهدافكِ وتتحقق أمانيكِ.

واعلمي -أيتها البنت الكريمة- أن «كُلّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»، وأنه لا يسلم إنسان من ذنوب وخطايا، ومنهم زوجكِ، فتعاملي معه بهدوء، وأحسني أداء الواجب الذي عليكِ تجاهه، من ذلك المبالغة في التحبُّب إليه، والتجمل له، وإظهار المودة له، والحرص عليه، واعلمي أنكِ إذا كسبتِ قلبه فإنه لن يتأخر أبدًا عن الاستجابة لأي توجيه يأتي منكِ، لاسيما وأنتِ تحرصين على الخير له.

فإذا تأمَّل بعد ذلك هو وتفكر فيما تطلبينه منه وأنه في مصلحته الدنيوية والأخروية، مع ما يُدركه ويراه منكِ من الحب؛ فإنه لن يتمالك نفسه عن الاستجابة لهذه الرغبات، ويمشي معكِ في هذا الطريق، وبذلك ستكسبين زوجكِ وتصلحين دنياكِ، وستكسبين أخراكِ أيضًا بأنكِ تسبَّبتِ في صلاح هذا الرجل وإصلاح دينه وآخرته، وستجدين السعادة تغمركِ من كل جانب، وسيُصبح قدوةً حسنةً لولدكِ.

فلا تيأسي من رحمة الله تعالى، واعلمي أن «قُلُوب العِبَادِ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ»، فالهداية قريبة، اسألي الله تعالى أن يهدي زوجكِ وأن يهديكِ وأن يشرح صدركِ.

وأمَّا ما تعانينه من غربة وعدم اختلاط بالناس بسبب طلب زوجكِ ذلك، وأنه يمنعكِ من الخروج، فتيقني -أيتها البنت الكريمة- أن منعكِ من الخروج من البيت ومن التواصل مع كثير من الصديقات ربما يكون هو الخير لكِ، وربما كان زوجكِ ينظر إلى محاذير أنتِ لا تُدركينها، أو يتخوَّف من أشياء يتوقع حصولها أنتِ لا تتوقعينها، فلا ينبغي أن تجعلي من هذا سببًا لضيق صدركِ.

والأمور -الحمد لله- مُتيسِّرة في هذا الزمان، يمكنكِ أن تتعلمي أشياء كثيرة وأنتِ في بيتكِ، ويمكن أن تنشغلي بأنواع من الطاعات وأنتِ جالسة في مكانكِ عن طريق التعلُّم والتواصل عن طريق هذه الأدوات التي قربت البعيد وسهلت العسير، وبإمكانكِ أن تحولي بيتكِ إلى بيئة مشغولة بذكر الله تعالى والاشتغال بطاعاته عن طريق التواصل مع الجهات التي تُفيدكِ وتُعينكِ على طاعة الله وتعلُّم دينكِ.

رأس الأمر -أيتها البنت الكريمة- هو انشراح صدركِ، وانشراح الصدر يُسبِّبه التفكر والتأمل في نعم الله تعالى عليكِ الكثيرة، فأنتِ آمنة في بيتكِ، متزوجة، ولكِ أسرة مكوَّنة، ولكِ من يقوم بشؤونكِ الدنيوية ويتولى رعايتكِ، وهذا تفتقده مئات الآلاف من النساء، فتفكُّركِ في هذا كله يبعث في قلبكِ الطمأنينة وحب الله تعالى والشكر له، ومن ثمَّ ستسهل عليكِ الخطوات التالية في اشتغالكِ بطاعة الله تعالى.

نسأل الله تعالى أن يوفقكِ لكل خير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً