الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قصر والدي في حقي بعد طلاق أمي والآن يطلب مني المال ويريد بره!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طلب أبي أمي وأنا أبلغ من العمر ثلاث سنوات، ولا توجد صلة بيني وبين والدي؛ لأنه تزوج بعد طلاق أمي، وكوّن أسرة أخرى وانشغل بها.

وبعد مرور السنوات، وعندما ذهبت لطلب بعض الأوراق الخاصة بالكلية، لم أجد منه أي عاطفة أو حنان، بل واجهني بالتعنت، ورفض حضور زفاف أختي، وهي ابنته في الأصل، وبعد فترة طويلة عُدت للتواصل معه مرة أخرى؛ حرصًا على عدم قطع الأرحام، بعدما علمت أن قطعها من الكبائر، لكنني وجدته يتواصل معي فقط عند حاجته للمساعدة المادية، ويطلب مني المال كل فترة، بل حتى إن لم يكن لدي، يطلب مني أن أستدين له بحجة أن ظروف بيته صعبة، رغم أنه لم يسأل عن ظروف أولاده في أي وقت.

هو موظف، وزوجته تعمل، فلا تبدو هناك ظروف قاسية كما يذكر، وعندما ساعدته أكثر من مرة، استغل ذلك، ثم أصبح يقطع الاتصال عندما علم أنني لم أعد أرسل له المال، فهل عليَّ ذنب في هذه الحالة؟

أنا شاب في مقتبل حياتي، وأسعى بكل الطرق لأبني نفسي وأستعد للزواج، لكنه لا يشعر بي إطلاقًا، وبدل أن يكون الأب سندًا، أصبح عبئًا عليّ.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ علاء الدين .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكَ -أخي الكريم- في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يجبر كسركَ، وأن يعوضكَ خيرًا عما فقدتَ، وأن يرزقكَ بر الوالدين من غير ظلمٍ لكَ، وأن يصلح حال أبيكَ، وأن يوفقكَ لبناء مستقبلكَ على الوجه الذي يرضيه.

وقبل النظر في تفاصيل ما جرى، من المهم أن نميز بين أمرين يختلطان على كثيرٍ من الأبناء في مثل حالتكَ: بر الوالدين من جهةٍ، وتحمل ما لا قدرة للمرء عليه من جهة أخرى، فليس كل من أحسن إلى والده وجب عليه أن يلغي نفسه، وليس كل من امتنع عن بعض الطلبات يعد عاقًا أو قاطعًا للرحم.

ولعل الجواب يتضح من خلال الأمور الآتية:

أولًا: لا شك أن ما مررتَ به مؤلمٌ، فالطفل بطبيعته يحتاج إلى أبيه، لا إلى نفقةٍ فحسب، بل إلى الحنان والتوجيه والرعاية والشعور بالأمان، ومن الطبيعي أن يبقى في النفس شيءٌ من الألم حين يرى الإنسان أن أباه انشغل عنه سنواتٍ طويلةً، أو لم يقم بحقه كما ينبغي، لكن هذا الألم لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعةٍ أو كراهيةٍ تفسد عليكَ دينكَ ودنياكَ.

ثانيًا: من المهم أن تعلم أن تقصير الأب في حق أولاده لا يسقط حقه، فكما أن حق الأب لا يبيح له ظلم أولاده أو استغلالهم، فالشرع أعطى كل ذي حقٍّ حقه، ولم يجعل ظلم أحد الطرفين مبررًا لظلم الطرف الآخر.

ثالثًا: الذي يظهر من رسالتكَ أنكَ لم تقطعه ابتداءً، بل حاولتَ التواصل معه بعد سنواتٍ رغم ما كان في نفسكَ، وحرصتَ على ذلك خوفًا من الوقوع في قطيعة الرحم، وهذا في حد ذاته خلقٌ طيبٌ تؤجر عليه إن شاء الله تعالى.

رابعًا: أمَّا ما ذكرتَه من أنه لا يكاد يتواصل معكَ إلَّا عند الحاجة إلى المال، وأنه يطلب منكَ أحيانًا الاستدانة لأجله؛ فهذا أمرٌ قد يكون مرهقًا عليكَ وخاصةً وأنتَ في بداية حياتكَ وتريد أن تؤسس نفسك للزواج والعمل، لكن ينبغي أن تعلم أن بر الوالد شأنه عظيمٌ عند الله عز وجل، وكم من ولدٍ أعان والده ففتح الله له من أبواب الخير ما لا علم له به، ثم هذا يرضي ربكَ، فقد علمتَ أن بركَ به حتى مع تقصيره واجبٌ عليكَ، لكن هذا لا يعني أن تستجيب لكل طلبٍ ماليٍّ يطلبه خاصةً إذا كان في ذلك ضررٌ عليكَ، أو كان المال الذي يطلبه ليس لحاجةٍ حقيقيةٍ، أو كان يؤدي إلى تعطيل مصالحك الأساسية، فالله تعالى لم يكلفكَ ما لا تطيق؛ فإذا كان معكَ مالٌ زائدٌ وتستطيع مساعدته من غير ضررٍ عليكَ، فإعانته من البر والإحسان، وهو بابٌ عظيمٌ من أبواب الأجر.

أمَّا إذا كنتَ تحتاج هذا المال لنفقتكَ أو دراستكَ أو تأسيس مستقبلكَ، أو كان يطلب منكَ الاستدانة وأنتَ لا تستطيع تحمل ذلك، فلا يلزمكَ أن توقع نفسك في الحرج والديون من أجل هذا، بل أعنه بقدر ما تقدر عليه وإن عجزتَ فلا حرج عليكَ، وهذا ليس من العقوق؛ فالعقوق شيءٌ، وعدم القدرة أو عدم تحمل بعض الطلبات شيءٌ آخر، وقد قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة:286).

وكما أن أباكَ لم يقم بواجباته كاملةً تجاهكَ، هذا لا يعطيكَ الحق في معاقبته أو الانتقام منه، لكنه في الوقت نفسه لا يجعلكَ مسؤولًا عن تعويض كل ما ينقص في حياته أو حياة أسرته الجديدة إذا لم تكن قادرًا عليه.

وأرى أن من الحكمة في حالتكَ أن تحافظ على الحد الأقصى من الصلة والبر: سلامٌ، وسؤالٌ بين فترةٍ وأخرى، ودعاءٌ له، وإحسانٌ عند القدرة، دون أن تجعل العلاقة قائمةً على الاستنزاف المالي أو الشعور بالذنب المستمر.

خامسًا: أحب أن أنبهكَ إلى أن الشيطان قد يدخل عليكَ من بابين متقابلين: فإمَّا أن يدفعكَ إلى القطيعة الكاملة بحجة ما لقيتَه من أذىً، وإمَّا أن يدفعكَ إلى استنزاف نفسك واستنزاف مالكَ وشعورك بالذنب كلما رفضتَ طلبًا لا تقدر عليه، والهدى بين هذين الطرفين: برٌّ وإحسانٌ بالمعروف، مع حفظ حقوقكَ وعدم تحميل نفسك ما لا تطيق.

وأخيرًا: لا تجعل قصة أبيكَ تتحول إلى عقدةٍ تلازمكَ في حياتكَ كلها؛ فربما حرمكَ الله شيئًا من حنان الأب لتتعلم الاعتماد عليه سبحانه، وربما كتب لكَ من التجارب ما يجعلكَ مستقبلًا أَبًا أكثر رحمةً وعدلًا واحتواءً لأولادكَ.

نسأل الله أن يُصلح أباكَ، وأن يُؤلِّف بين القلوب، وأن يرزقكَ الاستقرار والنجاح والزواج الصالح، وأن يبارك لكَ في مستقبلكَ، وأن يعوضكَ عن كل ألمٍ مررتَ به خيرًا في الدنيا والآخرة، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً