الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الخوف من التحدث أمام الناس يربكني ويشتت تركيزي، فما الحل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إلى الدكتور/ محمد عبد العليم، حفظه الله ورعاه.

أعاني منذ عدة سنوات من مشكلة تشبه الرهاب الاجتماعي، والخوف من التحدث أمام الناس، وأرغب في معرفة التشخيص الصحيح والحل المناسب.

بداية المشكلة كانت عندما بدأتُ ألاحظ نفسي أثناء القراءة أو الكلام أمام الآخرين، فأصبحتُ أراقب طريقة نطقي وحركة لساني بشكلٍ مبالغ فيه، ومع الوقت تحوّل الأمر إلى خوفٍ من الوقوع في الخطأ أو التلعثم أمام الناس.

عندما أقرأ القرآن وحدي أو أتكلم بشكل طبيعي لا أتعثّر أو لا أتلعثم إطلاقًا، لكن عندما أشعر أن هناك من يراقبني أو ينتبه إليّ أثناء القراءة أو الكلام يبدأ التوتر، وأحيانًا أشعر أنني أفكر في طريقة النطق نفسها بدل التركيز على المعنى، ممَّا يجعل القراءة والكلام أكثر صعوبة!

لا أعتقد أن لدي لثغة خلقية أو مشكلة نطق واضحة؛ لأنني في كثير من الأوقات أتكلم بصورة طبيعية، لكن المشكلة تظهر مع التوتر والتركيز الزائد على مخارج الحروف وطريقة الكلام.

أصبحت كثير التفكير في هذه المشكلة، وأبحث باستمرار عن أسبابها وحلولها، حتى صار التفكير فيها يسبب لي إرهاقًا نفسيًا، وأشعر أحيانًا أنني أدخل في دائرة من مراقبة الذات، ثم القلق، ثم زيادة الأعراض.

أرغب في معرفة التالي:
١- هل ما أعانيه يُعد رهابًا اجتماعيًا، أم قلق أداء، أم وسواسًا متعلقًا بالكلام والقراءة؟
٢- هل يمكن أن تسبب المراقبة المستمرة للنفس هذه الأعراض؟
٣- ما أفضل طريقة للعلاج: العلاج السلوكي المعرفي، أم التعرض التدريجي، أم توجد أدوية قد تساعد عند الحاجة؟
٣- كيف يمكنني التوقف عن التركيز المفرط على طريقة النطق أثناء القراءة والكلام؟

في المرحلة الابتدائية، أذكر أنني لم أكن أعاني من أي تلعثم يُذكر حتى الصف الرابع الابتدائي، حيث بدأت الأعراض بالظهور على شكل رجفة في اليدين، يصاحبها تسارع شديد في ضربات القلب، وبعد ذلك بدأت أتجنب أي نشاط اجتماعي في المدرسة أو في حلقات التحفيظ.

تطورت المشكلة حتى أصبحت أتعثر أحيانًا في نطق اسمي، وأخشى المواقف التي تتطلب تعاملًا رسميًا، مثل تقديم البيانات الشخصية كاسم ورقم الهاتف وغيرها، وفي الجامعة، أثناء مناقشة أحد التكليفات أمام الطلاب -وفقهم الله-، زادت رجفة اليدين والقدمين، مع رجفة أسفل الظهر، وألم في أعلى المعدة، وتسارع شديد في ضربات القلب، مع شعور بأنني لست في كامل وعيي، وكأن عقلي في مكان آخر، وهذا الشعور مزعج جدًّا!

فهل توجد أدوية قد تساعد في هذه الحالة؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سليمان .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، أسأل الله لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد.

لا شك أن وصفك لحالتك هو وصف دقيق جدًّا، فقد أحسنت، وعبرت عن ذاتك بما هو مطلوب، وعلى ضوء ذلك أقول لك -أيها الفاضل الكريم-: الذي تعاني منه هو ما يعرف بـ (قلق الأداء المرتبط بالمخاوف الوسواسية)، هنالك قلق أداء ولا شك في ذلك، وهنالك عدم قدرة على التكيف، وهنالك مخاوف، وكذلك وسوسة حول الأمر.

لا تنزعج لهذه المسميات، هي مسميات متعددة، لكنها كلها تأتي في بوتقة واحدة، وإن شئت أن تسميه نوعًا من (الرهاب الاجتماعي) فلا بأس في ذلك؛ لأن الرهاب الاجتماعي في الأصل ليس نوعًا من الجبن، أو ضعفًا في الشخصية، لا؛ حيث إن الإنسان يمكن أن يكون مصابًا بالرهاب الاجتماعي، وهذا الإنسان نفسه يستطيع أن يروض الأسد، لكنه يخاف من القطة، وهكذا.

هذا هو بيان حالتك، لكن المهم جدًّا في علاج حالتك هو تجاهلها، وتحقيرها، وعدم التدقيق حولها، أعرفُ أن ذلك ليس بالسهل، لكن إذا تناولت أحد الأدوية المضادة لقلق المخاوف الوسواسي والرهاب الاجتماعي، قطعًا ذلك سوف يفكك القلق، لدرجة يجعلك أنك لا تعيره أي اهتمام، وسوف تنطلق في الحياة.

الدواء مهم، ومن أفضل الأدوية التي يمكنك أن تتناولها عقار الـ "سيبرالكس - Cipralex"، والذي يسمى "إسيتالوبرام - Escitalopram"، دواء رائع، بسيط، سليم، غير إدماني، استعمله باستمرار، وبالجرعة المطلوبة، وللمدة المحددة، حتى يتم البناء الكيميائي التام وتتخلص من هذه المشكلة.

جرعة "سيبرالكس" هي أن تبدأ بـ (5 ملغ)، أي نصف حبة من الحبة التي تحتوي على (10 ملغ)، تستمر على هذه الجرعة لمدة عشرة أيام، ثم تجعلها حبة كاملة يوميًا، أي (10 ملغ) لمدة شهر، ثم ترفعها إلى (20 ملغ) يوميًا لمدة شهرين، ثم تخفض الجرعة وتجعلها (10 ملغ) يوميًا لمدة ثلاثة أشهر، وهذه ليست مدة طويلة، وهي المدة الوقائية، بعد انقضاء الثلاثة أشهر خفض الجرعة إلى (5 ملغ) يوميًا لمدة شهر، ثم (5 ملغ) يومًا بعد يوم لمدة شهر آخر، ثم توقف عن تناول الدواء.

الـ "سيبرالكس" دواء رائع، دواء جميل، دواء غير إدماني، وغير تعودي، وسوف تحس بفائدته تمامًا أخي الكريم.

بالنسبة لأسئلتك؛ فقد أجبنا على السؤال الأول، وطبعًا المراقبة المستمرة للنفس هي أصلًا ناتجة من القلق، ولا شك في ذلك، وهذا القلق تحوَّل إلى قلق توقعي ومخاوف، ومراقبة النفس باستمرار تؤدي إلى هذه الأعراض، فالإنسان أصلًا يجب ألَّا يراقب نفسه، فقط يراقب نفسه في طاعة الله، خوفًا من أن يقع فيما يُغضب الله تعالى.

إذًا اترك الأمور كما هي أخي الكريم، ومارس الرياضة بانتظام وبكثافة، ومارس تمارين الاسترخاء، وستجد برامج ممتازة جدًّا على اليوتيوب، تشرح كيفية تطبيق هذه التمارين، مثل تمارين التنفس المتدرج، وتمارين قبض العضلات وشدها ثم إرخائها.

كما أن تنظيم الوقت، وتجنب السهر، والتقليل من الشاي والقهوة، كلها عوامل تساعدك كثيرًا على أن تكون أكثر استرخاءً جسديًا ونفسيًا، وتُقلل -بإذن الله تعالى- من الرقابة الذاتية المفرطة.

هذا نوع من العلاج السلوكي، يضاف إليه التعرُّض التدريجي، والتحقير، والتجاهل، وصرف الانتباه من خلال الانخرط في الأعمال المفيدة والجيدة، والتي سوف تحس -إن شاء الله تعالى- بنتائجها الإيجابية، وفي هذه المرحلة طبعًا التركيز على دراستك، والسعي للتخرج بدرجة متقدمة ومتميزة.

أخي الكريم: من المهم قراءة القرآن الكريم بتؤدة، ونوع من التحقيق والترتيل الجيد، وهذا قد تحتاج فيه لتجالس أحد المشايخ، هذا يحسن التركيز، ويقلل من مراقبة الذات، خاصةً فيما يتعلق بطريقة النطق، ويا حبذا لو قمت بتسجيل ما تُرتله من القرآن الكريم، ثم تستمع إلى نفسك، ويا حبذا أيضًا لو قرأت بعض الموضوعات القصيرة ببطء، وبإتقان، وتحقيق للحروف، ثم قمت بتسجيلها والاستماع لما تسجله، وسوف تجد نفسك -إن شاء الله- في أفضل ما يكون.

ويمكنك أيضًا أن تقوم ببعض السيناريوهات الخيالية، مثلًا تتصور أنك تخاطب شخصًا ما، قابلته، سلمت عليه، ثم سألته عن أشياء معينة، وهكذا، قم أيضًا بإجراء هذه الحوارات مع نفسك بصورة منضبطة، وتجنب فيها الاستعجال، وطبقها وأنت جالس في مكان هادئ، واعتبرها جلسة علاجية بالنسبة لك.

ما ذكرتَه عن حالتك طبعًا في الابتدائية -وما حدث بعد ذلك- هو تدعيم لتشخيص حالتك، وإن شاء الله الحالة بسيطة، وبحول الله وقوته تتخلص منها تمامًا، ويتحول هذا القلق السلبي إلى قلق إيجابي يساعدك على النجاح في حياتك.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً