الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل أرفض الخاطب المناسب الذي تقدم لي لأجل إكمال الدراسة؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لديَّ سؤالان:

الأول: تقدَّم لخطبتي رجل صاحب دين وخلق، لكنني أدرس في كلية الصيدلة، والدراسة فيها ليست سهلة، فهل أكون مخطئة إذا رفضته لهذا السبب فقط، رغم أنه يعجبني وأراه مناسبًا جدًا؟

الثاني: هل تنصحونني بدورات أو محاضرات معينة للتفقّه، والاستعداد لأكون زوجةً وأمًّا صالحة؟ فأنا منذ صغري شخصية عنيدة، ولا أحب أن يأمرني أحد، وليس من السهل عليَّ تغيير آرائي أو قراراتي، وغالبًا ما أتمسك بما أراه صحيحًا، ولا أستمع كثيرًا إلى آراء الآخرين.

وبالطبع أشعر أن هذا الأمر قد لا يكون مناسبًا للحياة الزوجية، وأخشى ألَّا أستطيع تغيير هذه الصفة، لذلك أرغب فعلًا في تعديل سلوكي في هذا الجانب.

أشكركم على إتاحة هذا الموقع لمثل هذه الأسئلة، وأرجو الإجابة في أسرع وقت.

جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ملك حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أسأل الله أن يسددك للخير دائماً.

أختي الكريمة: الذي يحدد مسار أفعالنا عند تعارض بعضها ببعض، هو درجة الأولوية التي نعطيها لهذه الأفعال من جهة؛ ونظرنا إلى إمكانية التعويض المستقبلي لأي شيء يتم تأخيره، وبالنظر إلى "التعارض المفترض" الذي تفضلتِ به بين الزواج والدراسة؛ فإن الأولوية من حيث الأهمية هي ولا شك للزوج الصالح من جهة، ولكن بالمقابل وبالنظر إلى عدم إمكانية تعويض الدراسة مستقبلاً، فإن الأولوية في هذا الجانب تحديداً تكون للجانب الدراسي.

وبناءً على هذا التعارض دعيني أطرح عليكِ النقاط التالية:

1. الجمع بين الخيارات أفضل من استبعاد أحدها، ولكن هذا سيتطلب منا قدراً من التقريب، والتنازل في كل خيار؛ فو افترضنا أن هذا الزوج بالفعل -كما تفضلت- مناسب جداً في دينه وخلقه، فمن الممكن وبالتفاهم معه أن يتم العقد خلال الفترة الحالية؛ مع تأخير الزواج إلى ما بعد سنة تقريباً، وبذلك تكونين قد انتهيتِ من ثلاث سنوات تقريباً من دراستك الجامعية، وذلك باعتبار أن عمرك 20 سنة، مما يعني أنك الآن في السنة الثانية في الصيدلة على الأغلب.

2. كما يتم التفاهم معه قبل الزواج بأولوية الدراسة لديكِ، وحرصك على أن لا يكون هناك حمل في أول سنتين للزواج؛ مما يعني أنك ستكونين قد انتهيتِ من غالب فترة دراستك قبل وجود الأبناء.

3. لا شك أن هذا الجمع بين الخيارات، سيوجد ضغطاً مشتركاً عليكِ وعلى "زوجك" إن تم الأمر، ولكنه في المقابل يحقق المصالح المجتمعة؛ وهو أفضل من خيار خسارة أحد الجانبين.

4. من المهم التأكد عند طرح مثل هذا الخيار الجامع بين الجانبين؛ مدى قناعة الشخص المتقدم بإكمالك للدراسة؛ ذلك أنه إن لم يكن على قناعة جيدة بهذا الموضوع، فإنه قد يوافق على هذا المقترح من باب الحرص على الزواج منك، لا من باب القناعة المشتركة بأهمية دراستك؛ وهذا يعني أن درجة حماسته للموضوع ستنخفض بعد زواجكما، وقد يحصل بعض التعثرات في تنفيذ الاتفاق والالتزام به مستقبلاً، وخاصة عند المحكات والتي من المتوقع حدوثها بطبيعة الحال.

5. وعلى جميع الأحوال؛ فإن درجة أولوية الاقتران بالزوج المناسب والصالح، والذي ترضين دينه وخلقه؛ هي في تقديري الشخصي أعلى من أولوية إكمال دراستك الجامعية عند التعارض بينهما؛ ولعلك تلاحظين ما في المجتمع من تفشٍ للعنوسة، والتي من بين أسبابها رفض الكثير من الفتيات الزواج في بواكير أعمارهم بحجج مختلفة، ومنها الدراسة، مما يجعل الفتاة بعد الانتهاء من مشوارها الدراسي، قد قاربت السن الأقل رغبة عند الكثير من الشباب.

6. من المهم أن يكون حكمك على الرجل بكونه خياراً رائعاً للزواج هو حكم دقيق قدر الإمكان؛ وأهمية ذلك تنبع من عدم شعورك بالندم على تضييعك للدراسة لأجل شخص عادي وغير مميز، في حال عدم قدرتك على الجمع بين الزواج والدراسة بسبب رفضه، أو بسبب صعوبة ذلك.

أما في حال اتفق أهلك والعارفون بالرجل على أنه خيار مميز؛ فاستعيني بالله واقترني به؛ فإن الزوج الصالح نعمة عظيمة، وهو المسار الطبيعي الذي ينبغي أن تسعى له أي فتاة، ولن يفوتك بالطبع أهمية اللجوء إلى الله بالاستخارة والتضرع؛ لأن يشرح صدرك لما هو خير لك.

7. من المهم أيضاً عندما تقررين أي خيار أن لا تلتفتي إلى الوراء؛ وأن لا تعيشي حالة الندم لأي عارض مستقبلي، إلا في حدود الاستفادة والعبرة، لا الندم والحسرة؛ فالمقارنات في مثل هذه الأحوال لا تكون دقيقة؛ لأنها بين واقع وبين متوهم.

8. أما بالنسبة لما تفضلتِ به من العناد في شخصيتك، وخوفك من تأثيره المستقبلي على حياتك الزوجية، فإني ولا شك أوافقك هذه المخاوف، فإن العناد عند المرأة من أكثر ما يكرهه الرجل في زوجته، ومن أكثر ما يهدد حياتها الزوجية، وهو يفقدها صفتها الأنثوية المحببة عند زوجها، وإدراكك لهذا الأمر هو وعي جيد منك، وفاتحة خير وأمل على قدرتك على علاج ما تعترفين بوجوده وخطره.

9. أما العلاج لهذا الأمر فهو على مسارين اثنين؛ مسار نظري على مستوى القناعات، ومسار على مستوى المهارات على النحو التالي:

مسار القناعات: مراجعة قناعاتك المتعلقة بالثقة والاستقلالية والقوة، وحتى بعض القناعات المتعلقة بالعلاقة بين الرجل والمرأة وما شابه ذلك؛ حيث قد شاب هذه المفاهيم الكثير من الخلل، بسبب بعض الدعوات النسوية التي أفسدت فطرة المرأة تحت دعاوى براقة، فجعلت منها رجلاً آخر، وسلبت منها أنوثتها، وعاد ذلك على حياتها الزوجية بالبوار والخسار.

مسار المهارات: وهي تقوية إمكانياتك في ضبط انفعالاتك، والتحكم بردات فعلك المختلفة؛ وهذا مسار يحتاج إلى مزيج من الإرادة والقناعة والتدريب والصبر، ومعرفة بعض التقنيات المبثوثة في العديد من الدورات، والكتب، والمقالات المختلفة، وقد يفيدك في ذلك بعض الكورسات التربوية التي تقدمها بعض الأكاديميات التربوية الخاصة بالمرأة، والتي أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر " أكاديمية هندسة الأجيال" وغيرها من الجهات المختلفة.

أسأل الله أن يسددك لكل خير، وأن يرضيكِ بما كتب لك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً