الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوسواس القهري في الصلاة والوضوء أفسد علي أيام عيدي!

السؤال

السلام عليكم.

السادة الأفاضل، نفع الله بكم وشفى جميع المسلمين.

أنا مغترب وأعاني من الوحدة، وأعاني كذلك من الوسواس القهري في الصلاة والوضوء والطهارة منذ تسعة أشهر أو أكثر، وأعاني من جميع الأعراض المرتبطة به، تغاضيتُ كثيراً بعد القراءة والبحث في الموضوع، وفي رمضان الماضي منَّ الله عليَّ فبدأتُ بالتوقف عن إعادة الصلاة والوضوء، ولكن حتى الآن لا تزال تأتيني الشكوك، وبنسبة كبيرة أتغاضى عنها مع تأنيب ضمير مرعب، وأفكار لا تنتهي بأن الله لا يحبني وأنه غير راضٍ عني.

مع نهاية رمضان الماضي، وكان العيد يوافق يوم الجمعة، صليتُ الفجر ودخلتُ لأقضي حاجتي، وأنا جالس شعرتُ أن هناك رذاذاً ارتدَّ على جسدي، فمسحتُ جسدي ولم أجد شيئاً، فقررتُ ألا أعود للمسح أو تغيير ملابسي كما كنتُ أفعل عادةً، وذهبتُ فصليتُ العيد وصلاة الجمعة، وأكملتُ يومي وأنا أشعر أنني كاذب ومنافق، وأنني أصلي على نجاسة وصلاتي لن تُقبل.

أصبح تأنيب الضمير يأكلني طوال اليوم وبقية الأيام، وراودني شعور غريب: لماذا ينبسط الناس ويفرحون بالعيد وأنا غارق في هذه الأفكار المؤذية لنفسي؟ وقد صَعُبَ عليَّ حالي، وكان عيداً لم أسعد فيه، هل الله يعاقبني وأنا أسعى لمقابلته ولقاء وجهه الكريم؟

استمرت الأيام، وبعد عدة أيام ذهبتُ لأصلي العشاء، فشعرتُ بخروج شيء من "القُبل"، فأعرضتُ أيضاً وقلتُ: "هذا فعلاً من الشيطان، سأعرض عنه"، وبالفعل أعرضتُ وصليتُ، ولكنني أشعر في كل ركعة أن صلاتي لا تُقبل، وأن الله لن يتقبلها بسبب وجود بول في ملابسي، هل من المنطقي أن أناساً في مثل عمري يتزوجون ويعيشون حياتهم سعيدين -حتى لو للحظات- وأنا غارق في الحزن على نفسي؟

إنني أعاني بشدة وحزين، حتى إنني أتمنى أن يتوفاني الله إليه بدلاً من عدم الشعور بمعاني الحياة والآخرة المتمثلة في الصلاة والوضوء والدين بشكل عام.

شاكر لكم ومقدر مجهودات الجميع.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يجعل ما تعانيه رفعةً لك لا عذابًا، وأن يفتح لك باب الطمأنينة بعد طول قلقٍ وبعد:

1- إن ما تعيشه اليوم ليس دليلاً على بعدك عن الله، بل في كثيرٍ من حالاته يكون دليلاً على حرصك عليه وخوفك منه، ولكن الشيطان يدخل من هذا الباب فيقلب الحرص عذابًا، ويجعل التدين ساحة صراعٍ بدل أن يكون ساحة سكينةٍ، حيث إن الله سبحانه لا يريد لعباده هذا العنت {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}؛ فدين الله مبناه على اليسر، لا على التعذيب ولا الإغراق في الشكوك.

وعليه فما تعانيه من هذه الأفكار ليس نفاقًا ولا كذبًا، بل هو نوعٌ من الوسوسة التي أخبر عنها النبي ﷺ، حتى قال الصحابة: «إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ»، فقال ﷺ: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»، لأن القلب الحي هو الذي يتألم ويخاف، لا الذي يستهين، والقاعدة العظيمة التي يجب أن تبني عليها دينك هي: أن اليقين لا يزول بالشك، فما دمت لم ترَ نجاسةً بعينك يقينًا، فأنت طاهرٌ، وصلاتك صحيحةٌ، ولا يجوز لك أن تهدم اليقين بشعورٍ أو وهمٍ.

وما فعلته يوم العيد هو الصواب، بل هو عين الفقه؛ لأنك لم تجد شيئًا، فأعرضت، وهذا هو العلاج الصحيح، ولو عدت للتفتيش والغسل لكنت فتحت بابًا لا ينغلق.

2- إن شعورك بأن صلاتك لا تُقبل ليس دليلاً، بل هو من الشيطان؛ لأن الله لا يطلب منك إلا ما تستطيع، وقد قال النبي ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، وأنت فعلت ما تستطيع، فلا تلتفت لما بعد ذلك.

3- إن تأنيب الضمير الشديد في هذه الحالة ليس علامة تقصيرٍ، بل هو علامة خللٍ في التعامل مع الوسوسة؛ لأن الشيطان يريد أن يجعلك تكره العبادة، ويشعرك أنك مهما فعلت فلن تُقبل، حتى يقطعك عن الطريق.

4- إن المقارنة بالناس الآخرين تظلم نفسك؛ لأن كل إنسانٍ له ابتلاؤه، وابتلاؤك في هذا الباب قد يكون سببًا لرفعةٍ عظيمةٍ لك إذا صبرت وجاهدت، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

5- إن تمني الموت بسبب هذا الألم خطرٌ؛ لأن الحل ليس في الهروب، بل في الفهم الصحيح والتدرج في العلاج، وأنت بالفعل بدأت الطريق الصحيح حين توقفت عن الإعادة، وهذا إنجازٌ كبيرٌ يجب أن تراه لا أن تهمله.

6- إن العلاج الذي أنت عليه هو الصحيح، ويتلخص في الإعراض التام عن الشك، مع عدم الفحص، وعدم إعادة الوضوء أو الصلاة مهما اشتدت الفكرة، والاستمرار على ذلك، ومع الوقت ستضعف حتى تختفي بإذن الله، فهذه الوسوسة تعيش على الاستجابة، وتموت بالإهمال.

7- اعلم يقينًا أن الله لا يعذبك بهذا، ولا يكرهك، بل هو أرحم بك من نفسك، قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، فكيف يضيق عليك، وهو الذي وسعت رحمته كل شيءٍ؟!

ونصيحتنا لك هي: أن تبتعد عن الفراغ، وتملأ يومك بما ينفعك، وتقترب من صحبةٍ طيبةٍ إن استطعت؛ لأن الوحدة تزيد من حضور الوسواس، مع كثرة الدعاء، والاستمرار على هذه الخطوات، وسيزول ما تجد بأمر الله.

نسأل الله أن يرزق قلبك السكينةً، وأن يصرف عنه الوساوس، وأن يجعل عبادتك راحةً له لا عناءً، وأن يرزقك طمأنينةً لا صراعًا، وأن يهديك لما يحب ويرضى، إنه على كل شيءٍ قديرٌ، والله ولي التوفيق.
_________________
انتهت إجابة د. أحمد المحمدي -استشاري الشؤون الأسرية والتربوية-
وتليها إجابة د. محمد عبد العليم -استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان-.
______________

نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لك العافية والشفاء.

لقد اطلعت على رسالتك بكل تفاصيلها، وحالتك واضحة -أخي الكريم-، فبالفعل الذي لديك هو نوع من الوساوس القهرية ذات الطابع الديني، والحمد لله هي ليست مزمنة وليست مطبقة، وهذا أمر جميل جدًّا، فأنت خلال شهر رمضان تحسَّنت وتوقفت عن إعادة الصلاة والوضوء.

الآن الذي أراه أن جانب الأفكار الوسواسية هو الذي يهيمن عليك أكثر من جانب الأفعال، ومن الواضح أنك تسترسل وتتعمق في تحليل الوساوس، وهذا أحد الإشكالات الكبيرة في الوساوس؛ أنها تجر الإنسان للتفكير الدقيق، وغير المنطقي، ويلجأ الإنسان إلى تحليلات كثيرة، ويحاول أن يجد تفسيرات، وهكذا يدخل الإنسان في هذه الحلقة الفكرية المفرغة.

إذًا بناء على ذلك أقول لك: أهم وسيلة للعلاج هي ألَّا تحلل الوسواس، وألَّا تتبعه أبدًا؛ حين تُلحَّ عليك الفكرة لا تجب عليها، ولا تحللها، إنما تخاطبها مباشرة قائلًا: "أنت فكرة حقيرة، أنا لن أناقشك، أنا لن أهتم بك، أنا أتجاهلك تمامًا، أنت تحت قدمي"، وهكذا، يجب أن تُفعِّل هذا الجانب الذي نسميه بجانب التحقير والتجاهل، فهو جانب مهم جدًّا.

أخي الكريم، أنا أعتقد أن الذي تحتاجه هو العلاج الدوائي؛ لأن الوساوس الفكرية مما نعرفه تمامًا أن الجانب الدوائي فيها مهم جدًّا، والجانب الدوائي حتى وإن بدأت هذه الوساوس كوساوس خنَّاسية، إلَّا أنها تنتهي في نهاية الأمر لتُصبح وساوس طبية، والعلماء اكتشفوا أن هنالك تغيُّرًا يحدث في مناطق مُعيَّنة من الدماغ، وهذا التغيُّر يتمركز حول مادة تسمى السيروتونين، وهي إحدى الموصلات العصبية الرئيسية، والحمد لله تعالى قيض الله للعلماء اكتشاف الأدوية التي تُرجع السيروتونين إلى وضعه الطبيعي، ومن ثم يتم علاج الوسواس.

والحمد لله لدينا الآن أدوية سليمة جدًّا، فـ -يا أخي الكريم- إن استطعت أن تذهب إلى مختبر الطبيب النفسي ليصف لك الطبيب الدواء، فهذا أمر جيد، وإن لم تستطع فأنا سأصف لك دواءً ممتازًا وسليمًا، وفي بعض الدول يعطى بدون وصفة طبية، ولكن في دول أخرى لا بد أن تكتب وصفة طبية؛ الدواء يسمى (الفلوكسيتين - Fluoxetine)، وله اسم تجاري (بروزاك - Prozac)، وهو الاسم المشهور، ولكن بما أن الدواء أصبح يصنع بواسطة شركات كثيرة بعد أن فقدت الشركة الأم براءة الاختراع؛ فقد تجده تحت مسمى آخر غير بروزاك، المهم تسأل عنه تحت اسمه العلمي والتجاري.

تبدأ في تناول البروزاك بجرعة كبسولة واحدة (20 ملغ) يوميًّا لمدة عشرة أيام، ثم تجعلها كبسولتين يوميًّا، وهذه الجرعة العلاجية أي (40 ملغ) يوميًّا، علمًا بأن الجرعة القصوى هي (80 ملغ) يوميًّا، لكن لا تحتاج لهذه الجرعة، فاستمر على جرعة (40 ملغ) لمدة ثلاثة أشهر، ثم بعد ذلك خفضها إلى كبسولة واحدة (20 ملغ) لمدة ثلاثة أشهر أخرى، وهذه جرعة وقائية، ثم اجعلها كبسولة يومًا بعد يوم لمدة شهر، ثم توقف عن تناولها.

يتميز البروزاك بأنه سليم وفاعل وغير إدماني، ولا يؤدي إلى تغييرات في الهرمونات الجسدية، كما أنه لا يؤدي إلى زيادة في الوزن.

إذًا أخي الكريم: هذا هو الذي أنصحك به، وأسأل الله لك العافية، ويمكنك مراسلتي بعد شهرين من تناول الدواء؛ لنعرف المردود العلاجي الإيجابي، وإن احتجنا لأي تعديلات سوف نُسدي لك النصيحة المطلوبة، وأود أن أضيف أن الشيخ الدكتور أحمد المحمدي -حفظه الله- وجَّه لك إرشادات قيمة جدًّا، خاصة من الناحية الشرعية السلوكية في كيفية التعامل مع الوساوس، فأرجو الأخذ بما نصحك به، وبارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً