الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

انفصال عن الواقع وخوف وقلق عند رؤية أي شيء يذكرني بمرض نفسي!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الإخوة الكرام، تحياتي لكم.

أنا رجل أبلغ من العمر ستة وعشرين عامًا، متزوّج، وفي حين وقوع الموقف المذكور أدناه كانت زوجتي على وشك الولادة خلال أسبوع.

منذ شهرين ونصف انتقلت إليّ عدوى برد من صديقي، فأصابتني على إثرها سخونة شديدة جدًّا، وصداع، ودوخة قوية، واحتقان حاد في الحلق، ورشح، وبلغم، والتهاب في الرئة، وتكسير في العظام، وبمعنى أدق: تمكّن الفيروس مني تمكّنًا شديدًا حتى إنّ الطبيب قال لي: "أنت حالة مثالية للفيروس".

في الليلة الرابعة، وبعد أخذي جلسة بخار وقد أكثرت من الفاركولين (Farcolin) بشراهة، استيقظت لأجد نفسي في حالة توتر شديد، وكانت دقات قلبي مرتفعة جدًّا، فأصابتني نوبة هلع شديدة وخوف وقلق وتوتر، حتى إنني كنت أتخيّل أنني أخبط رأسي بشيء ثقيل لأموت وأريح نفسي من هذا الشعور.

في الساعات والأيام التالية مررت بأسوأ فترات حياتي: خوف رهيب من النوم، ونوبات بكاء شديدة، وقلق دائم، وشعور بالموت القريب، وانفصال عن الواقع، ورعشة مستمرة، وغصّة شديدة في أعلى بطني منعتني من الأكل، فخسرت ثمانية كيلوغرامات في أسبوع واحد.

لقد مررت بأسوأ فترات حياتي، إذ كنت أخاف من كل شيء حتى صرت أختلق أمورًا لأخاف منها، مثل الخوف من النظر إلى أنفي.

لاحقًا أصبحت أفضل بكثير، حيث تخلّصت من نوبات الهلع وعدم القدرة على النوم والخوف المفرط، لكن بقيت لديّ المشاعر التالية: انفصال تام عن الواقع كأنني أرى نفسي من جهة بعيدة، وخوف من أشياء كثيرة حتى من الأدوية التي وصفها لي الطبيب لعلاج حالتي النفسية، إضافة إلى اكتئاب وفقدان للشغف وعدم فهمي لنفسي إطلاقًا.

في كل دقيقة أعيشها لا يفارقني شعور أنني مريض ولست بخير؛ وذلك يبعث الخوف في نفسي. وفي كل لحظة أشعر أنني أعاني، ولو أنني تخلّصت من ثمانين بالمئة من تلك المشاعر، إلا أنّ الأفكار والأعراض ما زالت تراودني وتشعرني بأنني لست بخير وأن هناك خللًا بي.

وفي كل لحظة قبل نومي وعند استيقاظي أشعر بأن هناك شيئًا ما أتذكّره ولا أعلم ما هو، غير أنه يبعث في الحزن والقلق منذ تلك اللحظة التي مرضت فيها، لقد صرت مهووسًا بما حلّ بي ومهووسًا بالتحدّث عنه مع الجميع.

يأتي الخوف والقلق عند رؤيتي لأي شيء يتعلّق بمرض نفسي، فعندما تذكّرت جدتي المريضة بالزهايمر صرت قلقًا من أن يصيبني المرض، وأشكّ بأنّه قد أصابني بالفعل، وإذا رأيت شخصًا مختلًّا، خفت أن أكون مصابًا بما هو مصاب به.

ولا أفهم نفسي إطلاقًا، مع أنني ملتزم دينيًّا، بل أصبحت أكثر التزامًا وتقيدًا بأحكام الله عز وجل، وراضيًا بما أصابني، لكنني أتمنى العودة إلى الخلف والرجوع إلى شخصيتي القديمة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ إبراهيم .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك -أخي الفاضل- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال.

نعم -أخي الفاضل- الإنسان مخلوق من جوانب متعددة من المشاعر والعواطف، ويمكن للكثير من مظاهر أو مواقف الحياة أن تؤثر فينا بأشكال مختلفة، وذلك بحسب الشخصية وتجارب الطفولة والظروف المعيشية التي يعيشها الإنسان، فهو كتلة من العواطف والمشاعر، تشتد أحيانًا وتخفت أحيانًا أخرى.

أخي الفاضل: إن ما ذكرت من هذه الظاهرة، حيث شعرت بانفصال تام عن الواقع، وكأنك ترى نفسك من جهة خارجية، وما يرافق هذا من مشاعر الخوف والتوتر، هذه ظاهرة معروفة، وتشير إلى حالة من القلق أو الاكتئاب أحيانًا.

كنت أحب لو ذكرت لنا ما التشخيص الذي وضعه لك الطبيب الذي عالج نفسيتك، ولعله طبيب نفسي، كنت أحب لو ذكرت لنا التشخيص؛ هل هو اكتئاب، أم قلق ونوبات هلع فقط، أم أشياء أخرى؟ وكنت أحب لو ذكرت لنا الأدوية التي وصفها لك ليكون ردُّنا على استشارتك متكاملًا مغطيًا لكل الجوانب.

ولكن على كلٍّ: يبدو أنك حساس شديد التأثر بما يجري من حولك، وربما تلتفت إلى الأمور كلها صغيرها وكبيرها، وربما هذا ليس غريباً عليك طالما أنك تعمل كمترجم، وطبيعة عمل المترجم أنه يوجه انتباهه لكل صغيرةٍ، ولكل حرفٍ ولكل كلمة.

الآن السؤال -أخي الفاضل- كيف تخرج ممَّا أنت فيه وكما ذكرت تعود لشخصيتك القديمة؟

أولًا: الاستمرار بالمتابعة مع هذا الطبيب ومتابعة العلاج الدوائي؛ فلعل هذا يساعدك كثيرًا.

ثانيًا: محاولة تطمين نفسك بأن هذه المخاوف إنما هي مخاوف، نعم هي مزعجة، إلَّا أنها ليست واقعًا، وبالتالي ستعتاد على التفكير في هذه الأمور من دون مشاعر الخوف والتوتر والقلق.

ثالثًا: أنصحك وخاصة أنك في هذا العمر من الشباب (26 عامًا) أن تتأكد من أن نمط حياتك نمط صحي من ناحية النشاط البدني، وساعات النوم الكافية، والتغذية المتوازنة.

رابعًا: كنت سأنصحك أيضًا بالحرص على المواظبة على عبادتك لله عز وجل، ولكنك ذكرت لنا -ولله الحمد- أنك ملتزم دينيًا، وهذا فضل عظيم من الله عز وجل.

أدعو الله تعالى لك بتمام الصحة والعافية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً