الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما الفرق بين قلة الكرامة والرحمة والتسامح؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أريد أن أعرف الفرق بين قلة الكرامة، والرحمة، والتسامح في ديننا، فقد كانت لي صديقة منذ مرحلة الروضة، لكنها في الفترة الأخيرة من صداقتنا كانت تؤذيني كثيرًا؛ إذ كانت شخصية مزاجية جدًّا وتنفعِل عليّ باستمرار، وفي النهاية حدث موقف بيني وبينها أظهرتْ فيه مدى كرهها لي، وبطريقة مباشرة قطعت علاقتها بي (دون الدخول في تفاصيل الموقف).

الجميع أخبرني بألَّا أعود إليها مرة أخرى أو أكلمها، وأنه لن تكون لي كرامة إن رجعت إليها، فاكتفيت بإلقاء السلام عليها عند رؤيتها لأنها جارتي، ثم اكتشفت أن الله صرف عني أذًى كبيرًا، إذ إنها ارتكبت أفعالًا سيئة بعد ذلك، وصاحبت صحبة سيئة شجعتها على ذلك.

مرت سنوات على الأمر، وفي نفسي أن أسامحها، وما زلت أذكر العِشرة التي كانت بيننا، رغم ما لحقني من الأذى منها، فكنت أفكر: لماذا لا نعود أصدقاء، وأطرح عليها فكرة الذهاب إلى دار تعليم القرآن معًا، ولعلّي أكون سببًا في هدايتها، ونعود أصدقاء صالحين، ولعلّي أكوّن صحبة تصلحها.

وفي الوقت نفسه أفكر: هل لو حدث ذلك سيكون قلة كرامة وتعلّقًا مني؟ لأنها تبدو غير راغبة في صداقتي أو غير مهتمة، علمًا بأنني أكدت للجميع أننا لن نعود أصدقاء مرة أخرى، كما أنني لا أعرف ما ستكون عليه ردّة فعلها، فقد تفعل أي شيء، سواء أذًى أو غيره.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ إيمان .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يبارك فيكِ وأن يحفظكِ من كل مكروه وسوء.

أولًا: الفرق بين قلة الكرامة والرحمة والتسامح في ميزان الدين فرق دقيق لكنه حاسم، فقلة الكرامة في الإسلام ليست في العفو، ولا في السلام، ولا في تمني الخير لمن أساء، بل قلة الكرامة الحقيقية هي أن يسمح الإنسان بتكرار الأذى عليه بلا حاجة أسمى، أو أن يعود إلى علاقة ثبت بالتجربة أنها تهدر نفسه وتؤلمه وتكسره، دون وجود تغيير حقيقي في الطرف الآخر، ودون حماية لنفسه.

أمَّا الرحمة فهي شعور قلبي نبيل يدفع صاحبه إلى عدم الحقد أو الشماتة، والدعاء للآخر بالخير وتمني الهداية له، وهذه الرحمة لا تشترط القرب ولا الصحبة ولا إعادة العلاقة، بل قد تكون رحمة من بعيد.

وأمَّا التسامح فهو قرار واعٍ بترك الانتقام والضغينة والانشغال بالأذى الماضي، لكنه لا يعني إعادة الثقة أو فتح الأبواب التي أُغلقت لحكمة، فالعفو عن الذنب شيء، واستئناف العلاقة شيء آخر.

ثانيًا: ما فعلتِه حتى الآن هو تصرف حكيم ومتزن وليس قلة كرامة، فقطعكِ للعلاقة بعد أن أظهرت صديقتكِ كرهها وأذاها، ثم اكتفاؤكِ بإلقاء السلام عند رؤيتها دون قطيعة فظة ولا مودة زائدة، هو تصرف متوازن، لا ضعف فيه ولا قسوة، بل ضبط للنفس وحفظ للحدود، واكتشافكِ لاحقًا أن الله صرف عنكِ أذى أكبر، وأنها انزلقت إلى تصرفات سيئة وصحبة فاسدة، هو رسالة رحمة من الله، ومعناه أن البعد كان حماية لا خسارة.

ثالثًا: نيتكِ في هدايتها نية طيبة، لكن النية وحدها لا تكفي لاتخاذ القرار، فرغبتكِ في أن تكوني سببًا في هدايتها أو أن تصحبيها إلى دار القرآن، نية يؤجر عليها الإنسان إن شاء الله، لكن تحويل النية إلى فعل يحتاج ميزانًا دقيقًا؛ لأن الدعوة مسؤولية وحكمة، وليست مجرد اندفاع عاطفي.

والسؤال المهم هنا: هل هذه الرغبة نابعة من قوة داخلية واستقرار وقطع كامل للتعلق، أم أن جزءًا منكِ ما زال مشدودًا للعِشرة القديمة والحنين؟ الدعوة لا تنجح غالبًا مع شخص لا يريدكِ ولا يحترمكِ؛ لأن الدعوة تحتاج أرضًا قابلة، وإلَّا تحولت الرحمة إلى استنزاف، والنية الطيبة إلى ألم متجدد.

رابعًا: إعلانكِ للناس أنكِ لن تعودي صديقة لها لا يلزمكِ شرعًا، فقولكِ ذلك ليس عهدًا مع الله ولا قيدًا شرعيًا، لكنه أيضًا لا يعني أن تنقضي كلامكِ لمجرد رقّة قلب أو شفقة، الميزان الحقيقي ليس كلام الناس ولا صورتكِ أمامهم، بل مصلحتكِ النفسية والدينية، وقدرتكِ على البقاء سليمة دون كسر أو أذى.

خامسًا: الميزان الفاصل بين الرحمة وقلة الكرامة، يمكن تلخيصه في سؤال واحد: لو بادرتِ بدعوتها أو بكلمة طيبة، فقوبلت ببرود أو تجاهل أو إساءة أخرى، هل تستطيعين الانسحاب بهدوء دون ألم أو إحباط أو شعور بالكسر؟

إن كان الجواب نعم، فحينها يمكن التفكير في خطوة محسوبة ومحايدة جدًا، لا تعيد صداقة ولا تفتح باب تعلق، أما إن كان الجواب لا، فأخشى أن تتأذي أو تُرفضي، فحينها تكون الرحمة الحقيقية أن يبقى الخير في قلبكِ لا في علاقتكِ، وأن يكون الدعاء من بعيد أصدق وآمن لكِ، ويمكنكِ أيضًا -إن شئتِ- أن تستعيني بصديقة مقربة وصادقة لكِ ولها، لفهم أبعادها النفسية إن طلبتِ ذلك.

سادسًا: التصرف الأكثر اتزانًا إن أردتِ الجمع بين الرحمة والكرامة، أن تفعلي شيئًا دون أن تخاطري بنفسكِ، فليكن الأمر في أضيق الحدود وأوضحها، كالسلام فقط، والدعاء لها بظهر الغيب، وإن جاء وقت مناسب، كلمة عامة غير شخصية وغير ضاغطة، مثل اقتراح عام مفتوح دون انتظار رد أو تعلق بالنتيجة، دون إلحاح، ودون فتح ملفات قديمة، ودون محاولة استعادة صداقة، ودون تعليق قلبكِ على قبولها أو رفضها، فإن تجاوبت باحترام وهدوء فذلك خير، وإن تجاهلت أو رفضت، تنسحبين بكرامة كاملة دون تفسير ولا تبرير ولا ألم.

نسأل الله أن يحفظكِ ويرعاكِ، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً