الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أعود لربي دون انتكاس؟

السؤال

السلام عليكم.

لقد تقلبت بي الحياة حتى أصبحت أشعر بأن حياتي مملة وكئيبة، وليست ذات معنى، حاولت كثيرًا التقرب إلى الله، ولكني أفرِط في العبادات، وفي كل مرة أنتكس، وما زلت أنتكس حتى أصبح طريق القرب من الله بالنسبة لي شيئًا صعبًا، ويكاد يكون محالاً بالنسبة لي، فأشعر بالضيق والهم.

أريد التخلص من ذلك، وخاصةً أنني في هذه الفترة أقوم بمعالجة المرضى، وقد بدأ الناس يبتعدون وينفرون مني، وبدأت أشعر وكأني أعيش في ضلال، فلن تنفعني الدنيا، أو السعي فيها، بل وأصبحت لا أطيق السعي فيها، ولا أريد ذلك، فكل ما أحب هو الأكل والنوم.

فبماذا تنصحونني؟ وكيف أسير إلى الله بطريقة تجعلني أثبت، ولا يكون الأمر صعبًا، أو مجهدًا، أو شاقًا فأجزع وأنتكس مثل كل مرة؟

مع التوضيح: أني محافظ على الصلوات كلها، ولكني بصراحة أحارب ذنبًا كبيرًا، وهو الإباحية، وأحاول التوبة منها، ولكني أفشل في كل مرة، ولكني ما زلت أحاول.

بارك الله فيكم، وجزاكم الله خيرًا على جهودكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارة إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

نشعر بما تعاني منه -أخي الفاضل- من لحظات التخبط والضياع التي تعيشها، ونسأل الله أن يأخذ بيديك إلى الخير والهداية.

أخي العزيز: لا بد أن يكون لديك يقين أنه ما من نتيجة إلا ولها سبب، فكل ما تجده -أخي الكريم- لا يمكن أن يكون دون أي أسباب، لكن ربما قد تخفى عليك نتيجةً لضغط تلك المشاعر التي تعيشها، فلا تعرف من أين جاء الخلل، لكن اعلم بأن الله رحيم عليم، لا يخلق الخلق ثم يتركهم هملاً –حاشاه سبحانه- أو يتركهم فلا يُبين لهم سبيل الهداية وطريق النجاة، قال تعالى: (وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتىٰ يبين لهم ما يتقون ۚ إن الله بكل شيء عليم).

أخي العزيز: إن أغلب ما ذكرت من معاناة في سؤالك ما هي إلا نتيجة واضحة لأسباب كثيرة؛ فحالة الضعف، والتراجع، وصعوبة الهداية، والشعور بالضياع، والشعور بعدم التوفيق في الحياة، كذلك ضعف الاستقامة، وقسوة القلب، ووحشة بين الإنسان وبين الله، كل ذلك ما هو إلا نتيجة لضعف التغذية الإيمانية، حتى أظلم القلب وضعف، ونتج عن ذلك ضعف الهمة في سائر الطاعات، يقول تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى).

اعلم أخي الفاضل -وفقك الله- أن أول طريق التغيير لحياتك يبدأ باليقين بقول الله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، فهذا التغيير يحتاج منك إلى سعي واجتهاد، وهذه سنة الله في أي تغيير أو انتقال من حال إلى حال، فلا بد أن يكون لديك دافع حقيقي، واستعداد لبذل الجهد والوسع لتغيير من ذاتك، والبحث عن مواطن الزلل التي تسببت في كل ما تمر به، فكن على يقين بأن مجرد الشعور بالألم، والرغبة في التغيير، والخروج من المعاناة دون بذل الجهد، والسعي نحو صلاح النفس، لن يحقق لك ما تريد.

أخي الفاضل: اعلم أن من أعظم ما يضعف القلب، ويسبب الانتكاسة، وصعوبة الثبات على الخير، هو الإصرار على الذنب، وخصوصًا الذنوب التي تضعف القلب: كالنظرة المحرمة، وعدم التوبة منها، ولعل ذنب الإباحيات هو أساس المشكلة وما تعاني منه، فربما تستهين بمجرد نظرة محرمة، لكن ما يترتب على القلب من هذه النظرة كبير جدًا، لأن إطلاق البصر في الحرام يضعف نور القلب، ويحجب الخير عنه، وإذا ضعف القلب تكاسلت الجوارح عن الخير، وشعر الإنسان بضيق وهمّ يلازمه في كل حال، فعليك أولاً بالتوبة من هذا الذنب، توبةً تحقق فيها شروط التوبة الثلاثة: من الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والحرص على عدم الرجوع إليه.

ثم -اعلم أخي الفاضل- أن طريق الهداية والاستقامة سهل ويسير، لكنه يحتاج منك إلى إصرار، ومجاهدة، وتدرج، وأنت حريص على الصلاة -بفضل الله-، ولكن هذه الصلاة التي تؤديها لا بد أن ترتقي بها، لتتحول إلى وسيلة بناء وتزكية؛ لتنهاك عن الفحشاء والمنكر، فالصلاة التي تؤديها، وفي نفس الوقت لا تتوقف عن مشاهدة الإباحيات، هي صلاة مفرغة من مقاصدها وحقيقتها العظيمة، قال تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، فعليك بتحسينها واستحضار مراقبة الله فيها، ولا يخدعنك الشيطان فيقول لك: لا فائدة من الصلاة، فها أنت تصلي وتعصي، والحل في تركها! هذا مزلق خطير يريد الشيطان إيصالك إليه، الحل في الخشوع والخوف من الله، في حسن العمل بعد الصلاة، لذلك ننصحك -أخي الفاضل- بمجموعة نصائح، نسأل الله أن يجعلها سببًا في ثباتك على الخير، ومعينةً في سيرك إلى الله تعالى:

أولاً: عليك بتغذية قلبك بالإكثار من أعمال القلوب، ومن ذلك التوبة النصوح، والاستغفار، والدعاء بتضرع وخشوع، والإكثار من تلاوة القرآن بتدبر، ومداومة الذكر في كل وقت وحال؛ فهو طريق لطمأنينة القلب، يقول تعالى: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

ثانيًا: ابتعد عن كل ما يُضعف قلبك من النظرة المحرمة، ومثيرات الشهوات، كالاختلاط المحرم، والمسلسلات، والأفلام، ومواقع التواصل التي لا فائدة ترجع عليك من متابعتها؛ لأنك بحاجة لتقوية قلبك وحمايته عن أي مفسدات.

ثالثًا: أكثر من النوافل، وصيام التطوع، وحاول أن تصلي قيام الليل، ولو يسيرًا في أوله، أو وسطه، أو آخره؛ فإنه من أعظم العبادات الجامعة التي تعين على الخير، والثبات على الطاعات.

رابعًا: اجعل لك هدفًا عمليًا في الحياة، واجعل لتحقيق هذا الهدف أهدافًا مرحليةً تشغل بها وقتك، وتنمي في سبيلها مهاراتك؛ فوجود الأهداف، والانشغال في السعي لتحقيقها، يجعل لحياتك معنىً، ولوقتك أهميةً، وهذا يشعرك بالإنجاز والعطاء.

خامسًا: ابحث لك عن رفقة صالحة تذكرك بالله تعالى، وتتعاون معها على أعمال البر والخير، وتشد من همتك عند التكاسل أو الضعف، فالرفقة الصالحة خير معين على طاعة الله.

أخيرًا -أخي العزيز-: ستحتاج لمجاهدة نفسك في البداية، لكنك ستجد ثمرةً عظيمةً بعد ذلك، يقول تعالى: (والذين جاهدوا فينا لندينهم سبلنا ۚ وإن الله لمع المحسنين).

أسأل الله أن يثبتك على الخير، وأن يذهب عنك الهم والحزن.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً