الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              3510 [ 1361 ] وعن أنس: أن فتى من أسلم قال: يا رسول الله، إني أريد الغزو ، وليس معي ما أتجهز. قال: "ائت فلانا، فإنه قد كان تجهز فمرض". فأتاه فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرئك السلام ، ويقول: أعطني الذي تجهزت به، قال: يا فلانة، أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسي عنه شيئا، فوالله لا تحبسن منه شيئا فيبارك الله لك فيه .

                                                                                              رواه مسلم (1894)، وأبو داود (2780).

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              وقوله : ( إني أبدع بي ) ; أي : أهلكت راحلتي ، وانقطع بي ، وهو رباعي ، مبني لما لم يسم فاعله . وقد وقع لبعض الرواة : (بدع) على فعل مشدد العين . وليس بمعروف في اللغة .

                                                                                              وقوله : ( احملني ) ; أي : أعطني ما أتحمل عليه ، أي : أحمل رحلي ، وأرتحل عليه .

                                                                                              وقوله : ( من دل على خير فله مثل أجر فاعله ) ; ظاهر هذا اللفظ : أن للدال من الأجر ما يساوي أجر الفاعل المنفق . وقد ورد مثل هذا في الشرع كثيرا ; [ ص: 728 ] كقوله : (من قال مثل ما يقول المؤذن كان له مثل أجره) ، وكقوله فيمن توضأ وخرج إلى الصلاة فوجد الناس قد صلوا : (أعطاه الله من الأجر مثل أجر من حضرها ، وصلاها) . وهو ظاهر قوله تعالى : ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله [النساء: 100] وهذا المعنى يمكن أن يقال فيه ، ويصار إليه بدليل : أن الثواب على الأعمال إنما هو تفضل من الله تعالى ، فيهبه لمن يشاء على أي شيء صدر عنه ، وبدليل : أن النية هي أصل الأعمال، فإذا صحت في فعل طاعة فعجز عنها لمانع منع منها فلا بعد في مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر الفاعل ، أو يزيد عليه ، وقد دل على هذا : قوله -صلى الله عليه وسلم- : (نية المؤمن خير من عمله) ، ولقوله : (إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ، حبسهم العذر) . وأنص ما في هذا الباب حديث أبي كبشة الأنماري ; الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- : (إنما الدنيا لأربعة نفر : رجل آتاه الله تعالى مالا وعلما ، فهو يتقي فيه ربه ، ويصل به رحمه ، ويعلم لله فيه حقا ، فهذا بأفضل المنازل . ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا ، فهو يقول : لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان ، فهو بنيته ، فأجرهما سواء ، ورجل آتاه الله مالا ، ولم يؤته علما ; [ ص: 729 ] فهو لا يتقي فيه ربه ، ولا يصل فيه رحمه ، ولا يعلم لله فيه حقا ، فهذا بأخبث المنازل . ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما ; فهو يقول : لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان ، فهو بنيته ، ووزرهما سواء) .

                                                                                              وقد ذهب بعض الأئمة إلى أن المثل المذكور في هذه الأحاديث إنما هو بغير تضعيف . قال : لأنه يجتمع في تلك الأشياء أفعال أخر ، وأعمال كثيرة من البر ، لا يفعلها الدال الذي ليس عنده إلا مجرد النية الحسنة . وقد قال - صلى الله عليه وسلم- للقاعد : (أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير فله مثل نصف أجر الخارج) ، وقال : (لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما) .

                                                                                              قلت : ولا حجة في هذا الحديث لوجهين :

                                                                                              أحدهما : إنا نقول بموجبه ، وذلك أنه لم يتناول محل النزاع ، فإن المطلوب إنما هو : أن الناوي للخير المعوق عنه ، له مثل أجر الفاعل من غير تضعيف . وهذا الحديث إنما اقتضى مشاركة ومشاطرة في المضاعف ، فانفصلا .

                                                                                              وثانيهما : أن القائم على مال الغازي ، وعلى أهله نائب عن الغازي في عمل لا يتأتى للغازي غزوه إلا بأن يكفى ذلك العمل ، فصار كأنه يباشر معه الغزو ، [ ص: 730 ] فليس مقتصرا على النية فقط ، بل هو عامل في الغزو ، ولما كان كذلك كان له مثل أجر الغازي كاملا ، وافرا ، مضاعفا ، بحيث إذا أضيف ونسب إلى أجر الغازي كان نصفا له ، وبهذا يجتمع معنى قوله -صلى الله عليه وسلم- : (من خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا) ، وبين معنى قوله في اللفظ الأول : (فله مثل نصف أجره) ، والله تعالى أعلم .

                                                                                              وعلى هذا يحمل قوله : (والأجر بينهما) لا أن النائب يأخذ نصف أجر الغازي ، ويبقى للغازي النصف ، فإن الغازي لم يطرأ عليه ما يوجب تنقيصا لثوابه ، وإنما هذا كما قال : (من فطر صائما كان له مثل أجر الصائم ، لا ينقصه من أجره شيء) . والله تعالى أعلم .

                                                                                              وعلى هذا فقد صارت كلمة (نصف) مقحمة هنا بين (مثل) و (أجر) وكأنها زيادة ممن تسامح في إيراد اللفظ ، بدليل قوله : (والأجر بينهما) ، ويشهد له ما ذكرناه ، فليتنبه له ، فإنه حسن . وأما من تحقق عجزه ، وصدقت نيته ، فلا ينبغي أن يختلف في : أن أجره مضاعف كأجر العامل المباشر ; لما تقدم ، ولما خرجه النسائي من حديث أبي الدرداء قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (من أتى فراشه ، وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى يصبح ; كان له ما نوى ، وكان نومه صدقة عليه) .




                                                                                              الخدمات العلمية