الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        إذا تحالفا ، فالصحيح المنصوص : أنه لا ينفسخ العقد بمجرد التحالف . وفي وجه : ينفسخ ، حكي ذلك عن أبي بكر الفارسي ، فإن قلنا : ينفسخ ، فتصادقا بعده ، لم يعد البيع ، بل لا بد من تجديد عقد . وهل ينفسخ في الحال ، أو نتبين ارتفاعه من أصله ؟ وجهان .

                                                                                                                                                                        أصحهما الأول لنفوذ تصرفات المشتري قبل الاختلاف . وإن قلنا : لا ينفسخ دعاهما الحاكم بعد التحالف إلى الموافقة ، فإن دفع المشتري ما طلبه البائع ، أجبر عليه البائع ، وإلا فإن قنع بما قاله المشتري فذاك ، وإلا فيفسخ العقد . وفي من يفسخ وجهان . أحدهما : الحاكم . وأصحهما للعاقدين أيضا أن يفسخا ، ولأحدهما أن ينفرد به كالفسخ بالعيب . قال الإمام : وإذا قلنا : الحاكم هو الذي يفسخ ، فذاك إذا استمرا على النزاع ولم يفسخا ، [ ص: 584 ] أو التمسا الفسخ . أما إذا أعرضا عن الخصومة ، ولم يتفقا على شيء ، ولا فسخا ، ففيه تردد . ثم إذا فسخ العقد ارتفع في الظاهر . وفي ارتفاعه في الباطن ثلاثة أوجه . ثالثها : إن كان البائع صادقا ارتفع ؛ لتعذر وصوله إلى حقه . كما لو فسخ بإفلاسه . وإن كان كاذبا فلا ؛ لتمكنه بالصدق من حقه . وهل يجري مثل هذا الخلاف إذا قلنا : ينفسخ بمجرد التحالف ، أم يقطع بالارتفاع باطنا ؟ وجهان . فإذا قلنا : يرتفع باطنا ، ترادا ، وتصرف كل واحد فيما عاد إليه . وإن منعناه ، لم يجز لهما التصرف ، لكن إن كان البائع صادقا ، فقد ظفر بمال من ظلمه ، وهو المبيع الذي استرده ، فله بيعه بالحاكم على وجه ، وبنفسه على الأصح ، ويستوفي حقه من ثمنه .

                                                                                                                                                                        وقال الإمام : إن صدر الفسخ من المحق ، فالوجه تنفيذه باطنا . وإن صدر من المبطل ، فالوجه منعه . وإن صدر منهما ، فلا شك في الانفساخ باطنا ، وليس ذلك موضع الخلاف ، ويكون كما لو تقابلا . وإذا صدر من المبطل ، ولم ينفذه باطنا فطريق الصادق إنشاء الفسخ إن أراد الملك فيما عاد إليه . وإن صدر من القاضي فالظاهر : الانفساخ باطنا لينتفع به المحق .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إذا انفسخ البيع بالتحالف أو فسخ لزم المشتري رد المبيع إن كان باقيا بحاله ، ويبقى له الولد والثمرة والكسب والمهر . وإن كان تالفا لزمه قيمته ، سواء كانت أكثر من الثمن الذي يدعيه البائع ، أم لا .

                                                                                                                                                                        قلت : وفي وجه ضعيف لابن خيران : لا يستحق البائع زيادة على ما ادعاه . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        وفي القيمة المعتبرة أوجه . وقال الإمام : أقوال . أصحها : قيمة يوم التلف . والثاني : يوم القبض . والثالث : أقلها . والرابع : أكثر القيم من القبض إلى [ ص: 585 ] التلف . ولو اشترى عبدين ، فتلف أحدهما ، ثم اختلفا وتحالفا ، فهل يرد العبد الباقي ؟ فيه الخلاف المذكور في مثله إذا وجد الباقي معيبا . إن قلنا : يرد ، فيضم قيمة التالف إليه . وفي القيمة المعتبرة هذه الأوجه . ولو كان المبيع باقيا ، لكن حدث به عيب ، رده مع الأرش ، وهو قدر ما نقص من القيمة ; لأن الكل مضمون عليه بجميع القيمة ، فبعضه ببعضها ، بخلاف ما لو تعيب المبيع في يد البائع ، واقتضى الحال الأرش ، يجب جزء من الثمن ; لأن الكل مضمون على البائع بجميع الثمن ، فبعضه ببعضه . قال الشيخ أبو علي : هذا أصل مطرد في المسائل : أن ما ضمن كله بالقيمة ، فبعضه ببعضها كالمغصوب وغيره ، إلا في صورة ، وهي لو عجل زكاة ماله ، فتلف قبل الحول ، وكان ما عجله تالفا ، يغرم القابض القيمة . ولو كان معيبا ، ففي الأرش وجهان . وقد ذكرنا هذه المسألة في الزكاة وميل الشيخ إلى طرد الأصل فيها .

                                                                                                                                                                        ثم التلف قد يكون حكميا ، بأن وقف المبيع ، أو أعتقه ، أو باعه ، أو وهبه وأقبضه ، فتجب القيمة ، وهذه التصرفات ماضية على الصحة . وقال أبو بكر الفارسي : نتبين بالتحالف فسادها ، وترد العين ، والصحيح الأول .

                                                                                                                                                                        والتعيب أيضا قد يكون حقيقيا ، وقد يكون حكميا ، بأن زوج الأمة ، فعليه ما بين قيمتها مزوجة وخلية ، وتعود إلى البائع ، والنكاح صحيح . وعن الفارسي : أنه يبطل النكاح . ومهما اختلفا في القيمة أو الأرش ، فالقول قول المشتري . ولو كان العبد المبيع قد أبق من يد المشتري حين تحالفا ، لم يمتنع الفسخ ، فإن الإباق لا يزيد على التلف ، ويغرم المشتري قيمته ، لتعذر حصوله . وكذا لو كاتبه كتابة صحيحة . وإن رهنه فالبائع بالخيار ، إن شاء صبر إلى فكاكه ، وإن شاء أخذ القيمة . وإن آجره ، بني على جواز بيع المستأجر . إن منعناه ، فهو كما لو رهنه ، وإن جوزناه فللبائع أخذه ، لكنه يترك عند المستأجر إلى انقضاء المدة ، والأجرة المسماة للمشتري ، وعليه للبائع أجرة [ ص: 586 ] المثل للمدة الباقية . وإن كان آجره للبائع ، فله أخذه قطعا .

                                                                                                                                                                        وفي انفساخ الإجارة وجهان ، كما لو باع الدار لمستأجرها . إن قلنا : لا تنفسخ ، فعلى البائع الأجرة المسماة للمشتري ، وعلى المشتري أجرة مثل المدة الباقية للبائع . وإذا غرم القيمة في هذه الصور ، ثم ارتفع السبب الحائل ، وأمكن الرد ، فهل يرد العين ويسترد القيمة ؟ يبنى ذلك على أنه قبل ارتفاع الحائل ملك لمن ؟ أما الآبق ، ففيه وجهان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : أنه ملك للمشتري ، ولا يرد عليه الفسخ ، كما لا يباع ، وإنما هو وارد على القيمة .

                                                                                                                                                                        وأصحهما : أنه في إباقه ملك البائع ، والفسخ وارد عليه .

                                                                                                                                                                        وإنما وجبت القيمة للحيلولة . وأما المرهون والمكاتب ، ففيهما طريقان

                                                                                                                                                                        أحدهما : طرد الوجهين ، وأصحهما : القطع ببقاء الملك للمشتري ، وبه قال الشيخ أبو محمد .

                                                                                                                                                                        كما إذا أفلس والمبيع آبق ، يجوز للبائع الفسخ والرجوع إليه . ولو كان مكاتبا أو مرهونا ، لم يكن له ذلك . وأما المستأجر ، فإن منعنا بيعه ، فهل هو كالمرهون ، أم كالآبق ؟ فيه احتمالان للإمام . فإن قلنا ببقاء الملك للمشتري ، فالفسخ وارد على القيمة كما لو تلف ، فلا رد ولا استرداد . وإن قلنا بانقلابه إلى البائع ، ثبت الرد والاسترداد عند زوال الحيلولة .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية