الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 604 ] ( فصل )

ويكفيه أن يلبي لهذه الأسباب مرة واحدة ; بحيث يكون دعاؤه عقيب تلك المرة .

قال - في رواية الأثرم - : كان ابن عمر يزيد في التلبية : لبيك ذا المعارج ، ولا أدري من أين جاءت به العامة ؛ يلبون في دبر الصلوات ثلاث مرات، قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله : ما شيء تفعله العامة يلبون في دبر الصلوات ثلاث مرات ؟ فتبسم وقال : ما أدري من أين جاءوا به ، قلت : أليس تجزئه مرة واحدة ؟ قال : بلى .

وكذلك - أيضا - إذا لبى لغير سبب فإن المرة الواحدة تحصل بها سنة التلبية ; بحيث يدعو بعدها إن أحب ; وذلك لأن الصحابة ذكروا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ركب راحلته أهل بهؤلاء الكلمات ، ثم لما علا البيداء أهل بهن ، ولم يذكروا أنه كررهن في حالته تلك ، ولو كان ذلك لبينوه ؛ فإن مثل هذا لم يكونوا ليغفلوه ويهملوه ، بل ظاهر حديث ابن عمر حين قال : " أهل بهؤلاء الكلمات " وقوله : " فلما استوت به راحلته قائمة قال : لبيك اللهم ، لبيك لا شريك لك ، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك " وكان ابن عمر يزيد فيها ما يزيد : كالنص في أنه إنما لبى بهذا واحدة . وقد قال : " أربعا تلقنتهن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

[ ص: 605 ] أفتراه يعد كلمات التلبية ، ولا يعد مراتها ؟ وذكر عددها أهم ؛ لأنه لا يعلم [ إلا بذكره بخلاف كلمات التلبية ] فإن ذكرها يغني عن عدها ، وكذلك المأثور عن السلف ليس فيه أمر بتكرير ؛ ولذلك أنكر أحمد هذا ، وبين أنه لا أصل له عن السلف ، وقال : لا أدري من أين جاءوا به .

وأيضا : فإن كلمات التلبية مبنية على تكرارها ، فإنها متضمنة الثلاث مرات .

فإن كررها ثلاثا ، أو أكثر من ذلك على نسق واحد ، فقال أبو الخطاب وطائفة معه : لا يستحب تكرارها في حال واحدة .

وقال ابن عقيل : لا يستحب تكرارها ثلاثا .

وقال القاضي : لا يستحب تكرارها ثلاثا عقيب الصلاة ، بل يأتي بها عقيب الصلوات كما يأتي بها مفردة عن الصلاة .

وقالوا : يستحب استدامتها على كل حال .

وقال أبو محمد : لا بأس بالزيادة على مرة ، وتكراره ثلاثا حسن ، فإن الله تعالى وتر يحب الوتر .

وقال القاضي في الخلاف : يسن تكرارها بعد تمامها ; لأجل تلبسه بالعبادة ، وإن لم تستحب الزيادة عليها .

[ ص: 606 ] وفرق بين الزيادة والتكرار : بأن هذا الذكر شعار هذه العبادة ، كالأذان وتكبيرة الإحرام ، فلم تستحب الزيادة عليه مثلهما بخلاف التكرار ، فإنما ذلك لأجل تلبسه بالعبادة ، وهذا المعنى موجود ما لم يحل ، وهذا يقتضي استحباب تكرارها في الموضع الذي اختلف في استحباب الزيادة - وهو عقيب التلبية سواء .

وحقيقة المذهب : أن استدامتها ، وتكرارها على كل حال حسن مستحب من غير تقييد بعدد ، كما في التكبير في العشر وأيام التشريق ، لكن التقييد بعدد مخصوص لا أصل له ، وكذلك الأمر به وإلزام المأمورين .

التالي السابق


الخدمات العلمية