الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 3 ] قال المصنف رحمه الله تعالى ( باب الأحداث التي تنقض الوضوء ) ( الأحداث التي تنقض الوضوء خمسة : الخارج من السبيلين ، والنوم ، والغلبة على العقل بغير النوم ، ولمس النساء ، ومس الفرج . فأما الخارج من السبيلين فإنه ينقض الوضوء لقوله تعالى : { أو جاء أحد منكم من الغائط } ولقوله صلى الله عليه وسلم " { : لا وضوء إلا من صوت أو ريح } " ) .

التالي السابق


( الشرح ) قال الله تعالى { : وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا } اختلف العلماء في ( أو ) هذه فقال الأزهري : هي بمعنى الواو . قال : وهي واو الحال ، وأنشد فيه أبياتا . قال : ولا يجوز في الآية غير معنى الواو حتى يستقيم التأويل على ما أجمع عليه الفقهاء . وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه في مسألة ملامسة المرأة : في الآية تقديم وتأخير ذكره الشافعي عن زيد بن أسلم ، تقديرها : إذا قمتم إلى الصلاة من النوم ، أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلكم ، وإن كنتم جنبا فاطهروا ، وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا . قال : وزيد بن أسلم من العالمين بالقرآن .

والظاهر أنه قدر الآية توقيفا مع أن التقدير في الآية لا بد منه ، فإن نظمها يقتضي أن المرض والسفر حدثان يوجبان الوضوء ، ولا يقوله أحد . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " { لا وضوء إلا من صوت أو ريح } " فحديث صحيح . رواه الترمذي وغيره بهذا اللفظ بأسانيد صحيحة من رواية [ ص: 4 ] أبي هريرة رضي الله عنه ورواه مسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه بقريب من معناه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا ؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا } " . وثبت عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال : { شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة . فقال : لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا } " رواه البخاري ومسلم . ومعنى " يجد ريحا " يعلمه ويتحقق خروجه ، وليس المراد يشمه ، والأحاديث في الدلالة على الذي ذكره كثيرة مشهورة .

( أما حكم المسألة ) فالخارج من قبل الرجل أو المرأة أو دبرهما ينقض الوضوء ، سواء كان غائطا أو بولا أو ريحا أو دودا أو قيحا أو دما أو حصاة أو غير ذلك ولا فرق في ذلك بين النادر والمعتاد ، ولا فرق في خروج الريح بين قبل المرأة والرجل ودبرهما . نص عليه الشافعي رحمه الله في الأم ، واتفق عليه الأصحاب .

قال أصحابنا : ويتصور خروج الريح من قبل الرجل إذا كان آدر - وهو عظيم الخصيين - وكل هذا متفق عليه في مذهبنا . ولا يستثنى من الخارج إلا شيء واحد وهو المني ، فإنه لا ينقض الوضوء على المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور . قالوا : لأن الخارج الواحد لا يوجب طهارتين ، وهذا قد أوجب الجنابة فيكون جنبا لا محدثا . قال الرافعي : لأن الشيء مهما أوجب أعظم الأثرين بخصوصه لا يوجب أوهنهما بعمومه ، كزنا المحصن يوجب أعظم الحدين دون أخفهما . وحكى جماعة منهم صاحب البيان عن القاضي أبي الطيب أنه ينقض الوضوء فيكون جنبا محدثا . وقد وافق القاضي أبو الطيب الجمهور في تعليقه فقال ( في مسألة من وجب عليه وضوء وغسل ) : أنه يكون جنبا لا محدثا ، وهناك ذكر عن الجمهور المسألة . [ ص: 5 ] وأما قول الغزالي رحمه الله : الخارج من السبيلين ينقض الوضوء ، طاهرا كان أو نجسا ، فمراده بالطاهر الدود والحصا وشبههما مما هو طاهر العين ، وإنما ينجس بالمجاورة . قال الرافعي : ولا يغتر بتعميم الأئمة القول في أن الخارج من السبيلين ينقض الوضوء ، فإن هذا ظاهر يعارضه تصريحهم في تصوير الجنابة المفردة عن الحدث على أن من أنزل بمجرد النظر فهو جنب غير محدث . وأما أدلة الانتقاض بكل خارج من السبيلين غير المني فكلها صحيحة ظاهرة . أما الغائط فبنص الكتاب والسنة والإجماع . وأما البول فبالسنة المستفيضة ، والإجماع ، والقياس على الغائط . وأما الريح فبالأحاديث الصحيحة التي قدمناها وهي صريحة تتناول الريح من قبلي الرجل والمرأة ودبرهما ، وأما المذي والودي والدود وغيرها من النادرات فسنذكر دليلها في فرع مذاهب العلماء والله أعلم .

( فرع ) ذكر المصنف أن نواقض الوضوء خمسة ، وهكذا ذكرها جمهور الأصحاب ، وبقي من النواقض ثلاثة أشياء : أحدها متفق عليه ، والآخران مختلف فيهما فالمتفق عليه انقطاع الحدث الدائم كدم الاستحاضة وسلس البول والمذي ونحو ذلك ، فإن صاحبه إذا توضأ حكم بصحة وضوئه ، فلو انقطع حدثه وشفي انتقض وضوءه ووجب وضوء جديد ، كما سنوضحه في باب الحيض إن شاء الله . والمختلف فيه نزع الخف ، وفيه خلاف تقدم واضحا . والأصح أن مسح الخف يرفع الحدث ، فإذا نزعه عاد الحدث . وهل يعود إلى الأعضاء كلها أم إلى الرجلين فقط ؟ فيه القولان . والثالث : الردة وفيها ثلاثة أوجه ، أصحها أنها تبطل التيمم دون الوضوء . والثاني تبطلهما . والثالث لا تبطل واحدا منهما . حكاها البندنيجي في آخر باب التيمم - وآخرون . وممن ذكر مسألة الخف وانقطاع الحدث الدائم من النواقض في هذا الباب المحاملي في ( اللباب ) ولعل الأصحاب لم يذكروهما هنا ; لكونهما موضحتين في بابيهما . وأما مسألة الردة فالنقض في الوضوء وجه ضعيف لم [ ص: 6 ] يعرجوا عليه هنا ، وقد قطع المصنف ببطلان التيمم بالردة ذكره في باب التيمم . واحتج لإبطال الوضوء والتيمم بأن الطهارة عبادة لا تصح مع الردة ابتداء ، فلا تبقى معها دواما كالصلاة إذا ارتد في أثنائها . ولعدم الإبطال بأنها ردة بعد فراغ العبادة فلم تبطلها كالصوم والصلاة بعد الفراغ منهما . وللفرق بين الوضوء والتيمم بقوة الوضوء وضعف التيمم .

وأما إذا اغتسل ثم ارتد ثم أسلم فالمذهب أنه لا يجب إعادة الغسل ، وبه قطع الأصحاب ، وفيه وجه أنه يجب ، حكاه الرافعي ، وهو شاذ ضعيف . ولو ارتد في أثناء وضوئه ثم أسلم فإن أتى بشيء منه في حال الردة لم يصح ما أتى به في الردة ، كذا قطع به إمام الحرمين وغيره ، ويجيء فيه الوجه الشاذ الذي سبق في باب نية الوضوء عن حكاية المحاملي أنه يصح من كل كافر كل طهارة ، وإن لم يأت بشيء فقد انقطعت النية ، فإن لم تجدد نية لم يصح وضوءه ، وإن جددها بعد الإسلام - وقلنا : لا يبطل الوضوء بالردة - انبنى على الخلاف في تفريق النية ، والأصح أنه لا يضر كما سبق بيانه في باب نية الوضوء . فإن قلنا : يضر ، استأنف الوضوء ، وإلا فإن كان الفصل قريبا بنى ، وإلا ففيه القولان في الموالاة ، والله أعلم .

( فرع ) في مذاهب العلماء في الخارج من السبيلين قد سبق أن مذهبنا أن الخارج من أحد السبيلين ينقض ، سواء كان نادرا أو معتادا وبه قال الجمهور . قال ابن المنذر : أجمعوا أنه ينتقض بخروج الغائط من الدبر ، والبول والمذي من القبل ، والريح من الدبر . قال : ودم الاستحاضة ينقض في قول عامة العلماء إلا ربيعة . [ ص: 7 ] قال : واختلفوا في الدود يخرج من الدبر ، فكان عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وحماد بن أبي سليمان وأبو مجلز والحكم وسفيان الثوري والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يرون منه الوضوء ، وقال : قتادة ومالك : لا وضوء فيه .

وروي ذلك عن النخعي وقال مالك : لا وضوء في الدم يخرج من الدبر . هذا كلام ابن المنذر . ونقل أصحابنا عن مالك أن النادر لا ينقض ، والنادر عنده كالمذي يدوم لا بشهوة ، فإن كان بشهوة فليس بنادر . وقال داود : لا ينقض النادر وإن دام إلا المذي للحديث . واحتج لمن قال لا ينقض النادر بقوله صلى الله عليه وسلم : " { لا وضوء إلا من صوت أو ريح } " وهو حديث صحيح كما سبق ، وبحديث صفوان بن عسال المتقدم في أول باب مسح الخف . وقوله : لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة ، لكن من غائط وبول ونوم ولأنه نادر فلم ينقض ، كالقيء ، وكالمذي الخارج من سلس المذي . واحتج أصحابنا بحديث علي رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المذي : يغسل ذكره ويتوضأ } " وفي رواية " الوضوء فيه " وفي رواية : " يتوضأ وضوءه للصلاة " رواه البخاري ومسلم . وعن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم قالا : " في الودي الوضوء " رواه البيهقي ، ولأنه خارج من السبيل فنقض كالريح والغائط ، ولأنه إذا وجب الوضوء بالمعتاد الذي تعم به البلوى فغيره أولى . وأما الجواب عن حديثهم الأول فهو أنا أجمعنا على أنه ليس المراد به حصر ناقض الوضوء في الصوت والريح ، بل المراد نفي وجوب الوضوء بالشك في خروج الريح ، كما قدمناه . وأما حديث صفوان فبين فيه جواز المسح وبعض ما يمسح بسببه ، ولم يقصد بيان جميع النواقض ; ولهذا لم يستوفها . ألا تراه لم يذكر الريح [ ص: 8 ] وزوال العقل ، وهما مما ينقض بالإجماع ، وأما القيء فلأنه من غير السبيل فلم ينقض كالدمع ، وأما سلس المذي فللضرورة ; ولهذا نقول هو محدث ، ولا يجمع بين فريضتين ولا يتوضأ قبل الوقت فهذا ما نعتمده في المسألة دليلا وجوابا . وأما ما احتج به بعض أصحابنا " { الوضوء مما خرج } " فقد رواه البيهقي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم ، قال : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يثبت ، والله أعلم .

. ( فرع ) قد ذكرنا أن خروج الريح من قبلي الرجل والمرأة ينقض الوضوء ، وبه قال أحمد ومحمد بن الحسن ، وقال أبو حنيفة : لا ينقض .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث