الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

جواز التراضي على إسقاط الخيار إلى بدل

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( فإن تراضيا على دفع الأرش لأسقاط الخيار ففيه وجهان ( أحدهما ) يجوز وهو قول أبي العباس ; لأن خيار الرد يجوز أن يسقطها إلى المال ، وهو إذا حدث عند المشتري عيب فجاز إسقاطه إلى المال بالتراضي ، كالخيار في القصاص ( والثاني ) لا يجوز وهو المذهب ; لأنه خيار فسخ فلم يجز إسقاطه بمال كخيار الشرط وخيار الشفعة ، فإن تراضيا على ذلك وقلنا : إنه لا يجوز فهل يسقط خياره ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) أنه يسقط ; لأنه رضي بإمساك العين مع العيب ( والثاني ) لا يسقط وهو المذهب ; لأنه رضي بإسقاط الخيار بعوض ولم يسلم له العوض فبقي الخيار ) .

التالي السابق


( الشرح ) الوجهان في جواز التراضي على إسقاط الخيار إلى بدل ، سواء أكان ذلك البدل جزءا من الثمن أم غيره ، اتفقت الطرق على حكايتها . والجواب منسوب إلى أبي العباس بن سريج وعنه أنه حكاه عن القديم ، وبه قال أبو حنيفة ومالك ، والمنع قال القاضي حسين : إنه المنصوص ، وقال الإمام : إنه ظاهر النص والمصنف في قوله : إنه المذهب تابع للشيخ أبي حامد وقال القاضي أبو الطيب : إنه ظاهر المذهب ، والماوردي وهو الذي صححه البغوي والرافعي [ ص: 363 ] وغيرهما وفيه نظر ، فإنهم قاسوه على خيار الشرط والشفعة . والفرق بينه وبين خيار الشرط والشفعة أن ههنا يأخذ الأرش في مقابلة ما فات من المال ، ويسقط إلى مال ، كما قال المصنف رحمه الله تعالى فهذان معنيان ليسا في خيار الشفعة والشرط ، والمعنى الأول أحسن . وصورة المسألة إذا لم يكن مانع من الرد ، ولا تأخر مسقط ، إما بأن يجهلا فورية الخيار ، أو يكون في خيار المصراة على القول بامتداده ، أو أن التشاغل بالاتفاق على الأرش لا يعد إعراضا عن الرد . ونظر القاضي حسين وغيره هذه المسألة بحق الشفعة لا تصح المصالحة عنه على أصح الوجهين ، خلافا لأبي إسحاق المروزي ، وقد عرفت ما فيه . قال القاضي حسين : وقال أبو إسحاق : ثلاث مسائل أخالف فيها أصحابي ، حد القذف ، وحق الشفعة ، ومقاعد الأسواق ، أجوز الصلح عنها ، ومنعها سائر الأصحاب لأنها ليست بمال وإنما يصح الاعتياض عما هو مال ، فأما إذا كان حقا مجردا فلا . انتهى .

وقد عرفت أن جواز المصالحة هنا أولى من جوازها في المسائل الثلاث للفرق المذكور . ولذلك ابن سريج لم ينقل عنه موافقة أبي إسحاق إذا خالف في المسائل الثلاث يخالف في حق الرد بالعيب ، فإنه لا فرق بينهما ، أو الرد بالعيب أولى كما تقدم . واكتفوا بنسبة الخلاف هنا إلى ابن سريج . وإنما قلت : إن المصالحة هنا أولى بالصحة من المسائل الثلاث ، لما أشار إليه المصنف من أن خيار الرد يجوز أن يسقط إلى المال في حال ، ولا كذلك الحقوق الثلاثة . ولأن الأرش مأخوذ في مقابلة حال نائب ولا جرم . قال القاضي أبو الطيب هنا : إنه لا يصح المصالحة عن الشفعة قولا واحدا . ولم يحك خلاف أبي إسحاق مع حكايته للخلاف هنا . وهو مقتضى كلام المصنف رحمه الله تعالى هنا ، فإنه جعل الشفعة أصلا مقيسا . وقول المصنف في تعليل الثاني خيار فسخ يحترز بالفسخ عن القصاص والوصف حاصل في الأصل ، وهو خيار الشرط والشفعة فإن فيهما فسخ وإبطال حق المشتري للتنقص . لكن هذا القياس لا يكفي بدون إلغاء الفرق المتقدم . والأصحاب يقولون : الأرض جزء من الثمن في مقابلة الجزء الثابت كما سيأتي ومقتضى ذلك [ ص: 364 ] أن يجوز والمصالحة عنه كما قال ابن سريج ، فإنه ليس في مقابلة حق مجرد ولا سلطة الرد ولذلك اتفقوا على جوازه عند حدوث عيب جديد .

( التفريع ) وهو مذكور في الكتاب ( إن قلنا ) بالصحيح ، وهو أنه لا يجوز فتراضيا على ذلك ، فإن كان المشتري عالما ببطلان المصالحة بطل حقه قطعا ، وإن ظن صحتها ، وعليه يحمل كلام المصنف ( فوجهان ) حكاهما الإمام عن نقل العراقيين ، وتعليلهما ما ذكره المصنف والمذهب عدم السقوط كما قال وممن صححه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والقاضي حسين والبغوي والرافعي ومن التفريع أيضا أنا ( إن قلنا ) بجواز المصالحة سقط الخيار ، ويثبت الأرش أو ما اتفقا عليه على البائع ، وإلا فلا ، فإن كان أخذه وجب عليه رده ، ولو صالح عن العيب على مال وجوزنا فزال العيب لا يجب رد المال لأنه أخذ على جهة المعاوضة ، قاله البغوي ، ولا فرق في جواز المصالحة بين أن يكون الثمن ذهبا فيصطلحان على ذهب أو فضة أو حالا أو مؤجلا ، قاله الجوري .

( فائدة ) الأرش في اللغة أصله الهرش أبدلت الهاء همزة ، وأرش الجراحة ديتها ، وذلك لما يكون فيه من المنازعة ، وأرشت الجرب والنار إذا أرثتهما ، والنار من بين القوم الإفساد بينهم ، وأما في الشرع فقال بعضهم : هو عبارة عن الشيء المقدر الذي يحصل به الجبر عن الفائت وقال الرافعي : هو جزء من الثمن نسبته إليه نسبة ما ينقص العيب من قيمة المبيع لو كان سليما إلى تمام القيمة .

( فرع ) لنا صورة يرضى المشتري فيها بالعيب ، ولا يكون له مانع من الرد إذا اطلع على ذلك في مرض موته ، ولا تنقطع مطالبة الورثة عن البائع على أحد الوجهين . وسنذكره عند الكلام في الأرش .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث