الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( فإن ابتاع شيئا ولا عيب فيه ثم حدث به عيب في ملكه نظرت فإن كان حدث قبل القبض ثبت له الرد ; لأن المبيع مضمون على البائع ، فثبت له الرد بما يحدث فيه من العيب كما قبل العقد ، وإن حدث العيب بعد القبض نظرت فإن لم يستند [ ص: 314 ] إلى سبب قبل القبض لم يثبت له الرد لأنه دخل المبيع في ضمانه فلم يرد بالعيب الحادث ، وإن استند إلى ما قبل القبض بأن كان عبدا فسرق أو قطع يدا قبل القبض ، فقطعت يده بعد القبض ، ففيه وجهان : ( أحدهما ) أنه يرد ، وهو قول أبي إسحاق لأنه قطع بسبب كان قبل القبض فصار كما لو قطع قبل القبض . ( والثاني ) أنه لا يرد ، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة ، لأن القطع وجد في يد المشتري ، فلم يرد كما لو لم يستند إلى سبب قبله ) .

التالي السابق


( الشرح ) الكلام الذي تقدم في إثبات الخيار في العيب الموجود عند البيع والكلام الآن في العيب الحادث بعده ، وقد قسمه المصنف رحمه الله إلى ثلاثة أقسام : ( القسم الأول ) الحادث قبل القبض ، فحكمه حكم المقارن للعقد ، لأن المبيع مضمون قبل القبض على البائع بجملته ، فكذا أجزاؤه ، وضمان الجزء الذي لا يقابله قسط من الثمن لا يقتضي الانفساخ ، فأثبت الخيار ، والمصنف رضي الله عنه استغنى عن هذه الزيادة بجعله ما قبل القبض كما قبل العقد لاشتراكهما في كون المبيع فيهما مضمونا على البائع ، بمعنى أنه إذا تلف ; تلف من كسبه ، وقد اتفق الأصحاب على هذا الحكم ، وأن العيب الطارئ قبل القبض كالمقارن للعقد ، وذلك منهم تفريع على ما هو متفق عليه في المذهب وهو أن البيع قبل القبض من ضمان البائع ، وأنه إذا تلف قبل القبض انفسخ البيع ، ونص عليه الشافعي رحمه الله في مواضع ، واستنبطه من بطلان عقد الصرف بالتفرق قبل التقابض كما تقدم التنبيه عليه في باب الربا ، وذكره المصنف في آخر باب اختلاف المتبايعين وهلاك المبيع ، وسنشرحه هناك إن شاء الله تعالى أما على مذهب من قال : إن المبيع في يد البائع أمانة ، كما هو مذهب مالك ولا خيار له ، وممن صرح به المتولي وصورة المسألة المجزوم بها هنا إذا كان حدوث العيب بآفة سماوية .

( أما ) إذا حصل ذلك من جهة المشتري أو البائع أو الأجنبي ، فقد ذكر المصنف رحمه الله الأقسام كلها في باب اختلاف المتبايعين [ ص: 315 ] عند تقسيم تلف المبيع إلى الأقسام المذكورة . وهناك أستوعب الكلام على ذلك بعون الله وتيسيره إن شاء الله تعالى وملخص ما هناك ما يتعلق بهذا المكان أنه متى حصل العيب بآفة سماوية أو من البائع أو من الأجنبي فللمشتري الخيار جزما ولكن يختلف أثره على تفصيل مذكور هناك ، ومن جملته ما إذا كان القاطع ابن المشتري ثم مات المشتري وورثه الابن ذكره صاحب البحر هناك ، وهناك أذكره إن شاء الله . ومتى حصل العيب من جهة المشتري فلا خيار له على الصحيح ، تفريعا على أن إتلافه قبض وهو الصحيح المشهور . ( وأما ) من يقول من العلماء بأن المبيع قبل القبض من ضمان المشتري كما يقوله أبو ثور مطلقا ومالك في المبيع جزافا ، فقياسه أن العيب الحادث قبل القبض لا أثر له . ومذهب أبي حنيفة رحمه الله في تلف المبيع قبل القبض كمذهبنا .

( واعلم ) أن هذا الحكم من كون العيب الحادث قبل القبض كالعيب المقارن للعقد هو المشهور الذي لا يكاد لا يعرف ، بل لا يعرف فيه خلاف بين الأصحاب ووراء ذلك أمران غريبان ( أحدهما ) أن الشافعي رحمه الله قال في الأم في الرهن الكبير في جناية العبد المرهون على الأجنبيين . ولو بيع العبد المرهون ولم يتفرق البائع والمشتري حتى جنى كان للمشتري رده ، لأن هذا عيب حدث به وله رده بلا عيب ، ولو جنى ثم بيع فعلم المشتري قبل التفرق أو بعده بجنايته كان له رده ; لأن هذا عيب دلسه ، ولو بيع وتفرق المتبايعان أو أخبر أحدهما صاحبه بعد البيع ، فاختار إمضاء البيع ثم جنى ، كان من المشتري ولم يرد البيع ، لأن هذا حادث في ملكه بعدم تمام البيع بكل حال له . قال ابن الرفعة : وهذا إن لم يحمل على ما بعد القبض فهو يقتضي بإطلاقه أنه لا فرق فيه بين ما بعد القبض وقبله ، والعلة ترشد إليه ، لأنه في الحالين ملكه عليه تام وإن لم يستقر إلا بالقبض . قال : وهذا إن صح يقتضي أن الجناية عمدا أو خطأ في يد البائع بعد تمام الملك لا يثبت بها للمشتري خيار ، وإن أثبت على نفسه ، ولكن الأصحاب لا يوافقون على ذلك .

[ ص: 316 ] الأمر الثاني ) أن في مختصر البويطي قال أبو يعقوب : وإن اشترى رجل من رجل عبدا أو ثوبا ولم يقبضه فجنى عليه البائع أو غيره جناية حرق أو غيره أو ما دون النفس أو النفس ، فهو مخير في العبد إن شاء أخذ الثوب وأخذ الجاني بجنايته ، وإن شاء ترك ، فإن كان ذلك بأمر من السماء كان مخيرا أن يأخذه أو يدعه ، وليس له النقص إذا كان من السماء كما لو مات . وقد قيل : يأخذه ويسقط عنه ما نقصه بحصته من الثمن ، وإن كان ذلك بهزال في يديه أو ما أشبهه كان مخيرا وقد قيل : إذا كان البائع الذي جنى عليه في النفس فالبيع منفسخ . انتهى . وهذه الأقوال الثلاثة التي نقلها البويطي الأول والثالث معروفان في المذهب والغريب الثاني ، وهو أنه يأخذه ويسقط عنه حصته من الثمن . وكلامه المذكور يقتضي أن ذلك فيما يمكن التقسيط عليه كاليد ونحوها لا كالهزال وشبهه ، ولكن هذا القول لم أعلم أحدا من الأصحاب ذكره على أنه ليس في كلام البويطي نسبته إلى الشافعي رحمه الله . ولا شيء من الكلام المذكور من حكاية كلام الشافعي رحمه الله ، وإنما الأقوال الثلاثة من حكاية البويطي ، والمسألة كلها كما يدل عليه أول كلامه ونسبته إلى أبي يعقوب ، فلعله حكاه عن بعض العلماء غير الشافعي رحمه الله تعالى .

( فرع ) إذا وجد العيب قبل القبض ولكن بسبب متقدم رضي به المشتري كما لو اشترى من وجب عليه القطع عالما به فقطع قبل القبض ، أو بكرا مزوجة فأزال الزوج بكارتها قبل القبض ، فهل تكون كعيب حدث فيرد بها ، كما أنه إذا اشترى مرتدا فقتل قبل القبض ينفسخ العقد أو لا ، لأن رضاه لسببه رضا به والخيار لا يثبت مع الرضا بخلاف الانفساخ بالتلف ولم أر في ذلك نقلا . والأقرب القطع بأنه لا يوجب الرد للرضا بسببه ، ولكن القاضي حسين رحمه الله أطلق أن زوال البكارة في يد البائع يثبت الخيار . ومثل هذا الإطلاق لا يوجد منه نقل في خصوص المزوجة ووطء الزوج بها .



( القسم الثاني ) إذا حدث العيب بعد القبض ولم يستند [ ص: 317 ] إلى سبب قبل القبض فإنه لا يثبت به الرد ، وهذا إذا كان بعد القبض والتفرق . أما لو قبضه في المجلس وحدث به عيب قبل التفرق والتخاير ، فالوجه في ذلك بناؤه على تلف المبيع في يد المشتري في مدة الخيار . وفيه طرق : ( إحداها ) وهي التي أوردها الغزالي وارتضاها الإمام ، واقتضى إيراد الرافعي ترجيحها . أما إن قلنا : الملك للبائع انفسخ ، وإلا فوجهان ( أصحهما ) عدم الانفساخ . وإذا تم العقد لزم الثمن ، لأن القبض وجد إلا أنه بقيت علقة فصار كما لو اشترى مكايلة فقبض جزافا ، أو غصب المبيع من يد البائع وتلف في يده ، قال هذا التعليل صاحب التتمة ( والثاني ) ينفسخ لأن العقد لم يستقر كما بعد الخيار وقبل القبض . ( والطريقة الثانية ) القطع بعدم الانفساخ وأنه إذا حصلت الإجازة يلزم المشتري الثمن ( وإن قلنا ) الملك للبائع . وهذه منسوبة للشيخ أبي حامد . ( الطريقة الثالثة ) إلا أنا إذا قلنا : الملك للبائع وحصل إمضاء البائع ضمنه المشتري بالقيمة . وهذه حكاهاالإمام عن العراقيين وبعض أصحاب القفال ، وهو مقتضى كلام المصنف حيث ذكر المسألة في أول كتاب البيوع ، ولذلك نسبها العمراني إليه . ( الطريقة الرابعة ) طريقة الماوردي إن كان التلف في خيار المجلس انفسخ على الأقوال كلها ، وإن كان في خيار الشرط ، فإن كان لهما أو للبائع وحده فكذلك ، وإن كان للمشتري وحده ( فإن قلنا ) يملك بانقضاء الخيار أو موقوف ضمنه بالقيمة ( وإن قلنا ) يملكه بنفس العقد فعلى وجهين ( أحدهما ) وهو ظاهر نصه في البيوع أنه ضامن بالقيمة دون الثمن ( والثاني ) وقد أشار إليه في الصداق أنه ضامن له بالثمن المسمى .

( الطريقة الخامسة ) ما دل عليها كلام أبي الطيب أنه إن كان الخيار لهما أو للبائع وحده انفسخ قولا واحدا ، وإن كان للمشتري [ ص: 318 ] وحده ، فإن قلنا : الملك له فوجهان وإلا لم ينفسخ وقال القاضي أبو الطيب : إن الذي نص عليه الشافعي رحمه الله في كتبه أن البيع ينفسخ ويجب على المشتري قيمته . قال القاضي أبو حامد وقال الشافعي في كتاب الصداق : يلزمه الثمن . واختلف أصحابنا فمنهم من قال : يلزمه القيمة ، والذي قال من الثمن ليس بثابت ، قال أبو الطيب : ويحتمل أن يكون أراد بالثمن ; لأن الشافعي يعبر عن القيمة بالثمن في مواضع كثيرة . ومنهم من قال ما تقدم ، وادعى ابن الرفعة أن أكثر نصوص الشافعي على الانفساخ ، وذكر نصوصا تدل على ذلك من الجزء الثامن والعاشر من باب الدعوى في المبيع ، ومن باب دعوى الولد فيه . وقد رأيت أنا في الجزء الخامس عشر أيضا أنه إذا باع العبد بالخيار ثلاثا أو أقل ، وقبضه فمات في يد المشتري فهو ضامن لقيمته ، وإن منعنا أن نضمنه ثمنه أن البيع لم يتم فيه .

قال الشافعي : وسواء في ذلك كان الخيار للبائع أو للمشتري لأن البيع لم يتم فيه حتى مات . وقد حكى عن نصه في الصداق أن المبيع إذا تلف في يده زمن الخيار يلزمه الثمن ، وبذلك قال المتولي ، وحصل قولان في المسألة ، وهو في ذلك تابع للقاضي حسين ، والنص المتقدم يدل على أن الانفساخ في الأحوال الثلاثة إذا كان الخيار للمبتاع أو للبائع أو لهما ، فهذه خمس طرق ، والطريقة الأولى أفقه ، ولكن تصحيح عدم الانفساخ من الوجهين فيها فيه نظر والنصوص التي للشافعي ليس فيما وقفت عليه منها ما فيه تصريح بالانفساخ ولا بعدمه ، بل الأكثر الذي تمسك به ابن الرفعة ، والذي رأيته في الأم فيه إيجاب القيمة ، والنص المعارض له فيه إيجاب الثمن ، فأكثر النصوص تدل لأحد أمرين : إما القول بالانفساخ الذي هو أحد الوجهين من الطريقة الأولى ، كما ادعاه ابن الرفعة ، وإما الطريقة التي نقلها الإمام عن العراقيين ( وقلت ) إن مقتضى كلام المصنف في أول البيع ، فالتمسك بذلك للانفساخ عيبا كما ادعى ابن الرفعة غير متعين . وترجيح عدم الانفساخ ولزوم الثمن موافق للنص المقتضي لوجوب الثمن ومخالف لأكثر النصوص .

لكن إذا ثبت ما قاله القاضي أبو الطيب من إطلاق الشافعي رحمه الله الثمن على القيمة وما نقله من النصوص في [ ص: 319 ] كتبه يترجح القول بالانفساخ لا سيما مع ما أشعر به كلام القاضي أبي حامد أن ذكر الثمن ليس بثابت . إذا عرف بالعيب الحادث بعد القبض وقبل لزوم العقد يتعين بناؤه على هذا الخلاف . فحيث نقول بالانفساخ إما على أن الملك للبائع ، أو مطلقا على أحد وجهي الطريقة الأولى ، وظاهر أكثر النصوص ، أو على طريقة الماوردي والقاضي أبي الطيب على ما فيها من التفصيل والبناء ، فحدوث العيب حينئذ كحدوثه قبل القبض ، وبذلك صرح الماوردي عند الكلام في وضع الجوائح . قال عن ابن أبي هريرة : إن المقبوض في خيار الثلاث يستحق رده بما حدث من العيوب في زمان الخيار ، وإن كان القبض تاما وجب القول بعدم الانفساخ ، أما على الأصح عند الرافعي من وجهي الطريقة الأولى ، وعلى طريقة الشيخ أبي حامد أو على طريقة المصنف رحمه الله أو في بعض الأحوال على طريقتي الماوردي والقاضي أبي الطيب على التفصيل المذكور . أو على مقتضى النص المحكي في ذلك . فحينئذ لا يكون لحدوث العيب في ذلك الوقت أثر في إثبات الخيار . ولا جرم والله أعلم أطلق المصنف رحمه الله أن حدوث العيب بعد القبض إذا لم يستند إلى سبب قبل القبض لا يثبت الرد ; لأن اختياره أن القبض ناقل للضمان ، وإن كان في زمن الخيار كما تقدم ، وهو مستمر على الأصح عند الرافعي . وقد تقدمت الإشارة إلى ما في ذلك من النصوص . ( فرع ) لا فرق بين يد المشتري ويد نائبه ، ولو كانت يد البائع كما لو قبض المبيع ، وأودعه إياه بعد القبض ، ونص عليه الشافعي رحمه الله والأصحاب . ولو أودع البائع المبيع عند المشتري وقلنا : لا يسقط حق الحبس بإيداع فتلف ، كما لو تلف في يد البائع على مقتضى ذلك . وعن القاضي أبي الطيب أنه صرح به في أواخر كتاب الشفعة ، وعبارة المصنف رحمه الله سالمة عن ذلك في الطرفين لاعتباره القبض ، وهو موجود في الأول مفقود في الثاني .

( فرع ) هذا الذي تقدم من أن العيب الحادث بعد القبض [ ص: 320 ] الذي لا يستند إلى سبب قبله لا يرد به هو مذهبنا ومذهب جمهور العلماء . وقال مالك بذلك إلا في الرقيق فإنه قال : ما أصاب الرقيق في ثلاثة أيام بعد البيع من إباق أو عيب أو موت أو غير ذلك فمن ضمان البائع ، فإذا انقضت الثلاثة الأيام برئ البائع إلا من الجنون والجذام والبرص ، فإن هذه الأدواء الثلاثة إن أصاب شيء منها المبيع قبل انقضاء سنة من حين البيع ، كان له الرد بذلك ، قال : ولا يقضى بذلك إلا في البلاد التي جرت عادة أهلها بالحكم بها فيها . وأما البلاد التي لم تجر عادة أهلها بالحكم بذلك فيها ، فلا نحكم عليهم بذلك ، قال : ومن باع بالبراءة بطل عنه حكم العهدة ، وكذلك يسقط حكم العهدة عنده فيما إذا باع السلطان لغريم أو من مال يتيم ، ولا عهدة فيه إلا أن يكون علم عيبا فكتمه . وقال قتادة : إن رأى عيبا في ثلاث ليال رده بغير بينة ، وإن رأى عيبا بعد ثلاث لم يستطع أن يرده إلا ببينة . واحتج المالكيون بما رواه أبو داود من حديث الحسن البصري عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " { عهدة الرقيق ثلاث ليال } " وفي رواية أخرى أربع ليال ، رواه أحمد في مسنده ، وفي رواية أربعة أيام ، قال قتادة : وأهل المدينة يقولون ثلاثا . قال سعيد : قلت لعبادة : كيف يكون هذا ؟ قال : إذا وجد المشتري عيبا بالسلعة فإنه يردها في تلك الأيام ولا يسأل البينة ، وإذا مضت عليه أيام فليس له أن يردها إلا ببينة أنه اشتراها ، وذلك العيب بها ، وإلا فيمين البائع أنه لم يبعه ويرد . وعن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { عهدة الرقيق ثلاث } " رواه ابن أبي شيبة ، وقال هؤلاء : إنما قضى بعهدة الثلاث لأجل حمى الربع فإنها لا تظهر في أقل من ثلاثة أيام ، هو عن عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل بن هشام يذكران في خطبتهما [ ص: 321 ] عهدة الرقيق في الأيام الثلاثة ، من حين يشتري العبدان الوليدة وعهدة السنة ويأمران بذلك . وعن عمر بن عبد العزيز أنه قضى في عبد اشتري فمات في الثلاثة الأيام ، فجعله عمر من الذي باعه ، وعن ابن شهاب قال : القضاة منذ أدركنا يقضون في الجنون والجذام والبرص سنة . قال ابن شهاب : وسمعت ابن المسيب يقول : العهدة من كل داء عضال نحو الجذام والجنون والبرص ، وعن يحيى بن سعيد الأنصاري رضي الله عنه قال : لم تزل الولاة بالمدينة في الزمان الأول يقضون في الرقيق بعهدة السنة من الجنون والجذام والبرص ، إن ظهر بالمملوك شيء من ذلك قبل أن يحول عليه الحول فهو رد عليه ، ويقضون في عهدة الرقيق بثلاث ليال . وقد أجاب أصحابنا وغيرهم عن الحديثين بأن الحسن لم يسمع من عقبة شيئا ولا سمع من سمرة إلا حديث العقيقة عند أكثر الحفاظ ، فروايته في هذا منقطعة لا يحتج بها . قال علي بن المديني : لم يسمع الحسن من عقبة بن عامر شيئا وكذلك قال أبو حاتم ، وقال البيهقي في روايته عن سمرة في ذلك : إنه غير محفوظ . ( قلت ) وقد حفظت من طريق ابن أبي شيبة ، فليس فيها إلا النظر في سماع الحسن من سمرة ، وأيضا ففيه عنعنة قتادة عن الحسن وهو مدلس ، وفي حديث عقبة مع الانقطاع والاضطراب . ومن جملة ما أعل به أنه ورد عن الحسن على الشك بين عقبة وسمرة ، وهما وإن كانا صحابيين فهو اضطراب ، وقد سأل الأثرم أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن العهدة فقال : ليس في العهدة حديث نتثبته . وقال الحاكم في حديث عقبة : إنه صحيح الإسناد غير أنه على الإرسال ، لأن الحسن لم يسمع من عقبة ، والرواية عن عمر بن عبد العزيز في قضائه بذلك ضعيفة ، وكذلك الرواية المذكورة عن يحيى بن سعيد الأنصاري وبقية ما ذكروه مع كونه ليس بحجة معارض بقول عطاء : [ ص: 322 ] أنه لم يكن فيما مضى عهدة في الأرض لا من هيام ولا من جذام ولا شيء . وبما روي من طريق الشافعي رضي الله عنه عن ابن جريج قال : سألت ابن شهاب عن عهدة السنة وعهدة الثلاث فقال : ما علمت فيها أمرا سالفا ، وعن ابن طاوس أنه كان لا يرى العهدة شيئا لا ثلاثا ولا أقل ولا أكثر . وما أشاروا إليه من أن ظهور ذلك في هذه المدة يدل على تقدمه ممنوع ، فقد يحدث الإباق وشبهه ، ولو سلم لهم ذلك فيكون من القسم الذي سنذكره ، وهو ما يوجد بعد القبض ، ويكون سببه متقدما ، لكن ذلك غير مسلم لهم . على أن ابن الصباغ قال في الجواب عن ذلك إن الداء الكامن لا اعتبار به وإنما النقص بما يظهر لا ما كمن وفيما قاله بعد ، لأن الكامن إذا دل عليه دليل بعد ذلك وعلم به صار كالظاهر . وذكروا أيضا أن عمر بن الخطاب وابن الزبير رضي الله عنهما سئلا عن العهدة فقالا : لا نجد أمثل من حديث حبان بن منقذ " { كان يخدع في البيوع فجعل له النبي صلى الله عليه وسلم الخيار ثلاثا إن شاء أخذ وإن شاء رد } " .

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه " أجل الجارية بها الجذام سنة " . فأما ما ذكروه عن عمر وابن الزبير فلا حجة لهم فيه ; لأن في حديث حبان " إن شاء أخذ وإن شاء رد " . ولم يقيد ذلك بعيب ولا في الرقيق دون غيره . قال الشافعي رضي الله عنه : والخبر في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " جعل لحبان بن منقذ عهدة بثلاث " خاص . وما ذكروه عن علي لا ينافيه ، وقد صح عن ابن عمر : ما أدركت الصفقة حيا مجموعا فمن المبتاع . ولا نعلم له مخالفا من الصحابة واستثنت [ ص: 323 ] المالكية أيضا الثمار لقولهم فيها بوضع الجوائح وسنذكر مذهبنا ومذهبهم في ذلك عند ذكر المصنف رحمه الله له في آخر باب اختلاف المتبايعين إن شاء الله تعالى .



( القسم الثالث ) العيب الحادث بعد القبض إذا أسند إلى ما قبل القبض كما مثل به المصنف رحمه الله فيمن قطعت يده حدا أو قصاصا بعد القبض بسرقة أو قطع سابق عليه ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون بعد العقد كما فرضه المصنف أو قبله ، فإن بيع من وجب قطعه بقصاص أو سرقة صحيح بلا خلاف ، فإذا قطع في يد المشتري بذلك السبب السابق على العقد أو على القبض فإن كان المشتري جاهلا بالحال ، ولم يعلم بالسرقة أو القطع حتى قطع وهي صورة مسألة الكتاب ففيه وجهان كما ذكره المصنف .

( أحدهما ) وهو قول أبي إسحاق ، وهو الأصح ، وهو قول ابن الحداد ، ونسبه الماوردي إلى ابن سريج ، وبه قال أبو حنيفة فيما حكاه الماوردي ، وقال القاضي أبو الطيب : إنه على قول الشافعي رضي الله عنه وإطلاق نصه الذي نقله ابن بشرى يدل عليه : أن له أن يرد ويسترجع جميع الثمن ، كما لو قطع قبل القبض فإنه لو قطع قبل القبض والحالة هذه ثبت له الرد قطعا ، وهذا القائل يجعله من ضمان البائع بالنسبة إلى ذلك ، ولو تعذر الرد بسبب فالنظر في الأرش إلى التفاوت بين العبد سليما وأقطع ، قاله القاضي حسين والرافعي وغيرهما . ( والثاني ) وهو قول ابن أبي هريرة وابن سريج فيما حكاه الأكثرون والقاضي أبو الطيب ونقله ابن بشرى عمن نقله عن نصه في الإملاء ، ومال الماوردي إليه ، وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله أنه من ضمان المشتري وليس له الرد ، ولكن يرجع على البائع بالأرش ، وهو ما بين قيمته مستحق القطع وغير مستحقه من الثمن ، وحمل النص الأول على ما قبل القبض . هذا إذا كان جاهلا ، فلو كان عالما بالسبب فليس له الرد ولا الأرش قطعا لدخوله في العقد على بصيرة إن كان موجودا عند العقد ، أو لاطلاعه عليه وإمساكه إن كان حدث قبل القبض . [ ص: 324 ] قال الشيخ أبو علي : ولا يجيء ههنا الوجه المحكي عن أبي إسحاق في القتل ، يعنى سابقا ، وأنه يرجع بالثمن على رأي أبي إسحاق كما سنذكره إن شاء الله والأمر كما قال الشيخ أبو علي كما سنبينه إن شاء الله تعالى فينبغي أن يقيد كلام المصنف بذلك ، وأن مراده إذا كان المشتري جاهلا ، وممن صرح به القاضي أبو الطيب والبغوي والرافعي ، وفي كلام ابن الصباغ ما يقتضي أن فيه خلافا ; لأنه قال : إن علم بذلك فقطع في يده لم يرجع بشيء على المذهب ، وكأنه رأى أن وجه أبي إسحاق يأتي ههنا وهو بعيد . وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى في أواخر الباب .

( فرع ) عن أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا قطع في يد المشتري يرجع بنصف الثمن ووافق في المسائل الثلاث التي ستأتي إن شاء الله تعالى أنه يرجع بالجميع ; لأنه من ضمان البائع ، ومن نظائر ذلك لو اشترى جارية مزوجة ولم يعلم بحالها حتى وطئها الزوج بعد القبض ، فإن كانت ثيبا فله الرد وإن كانت بكرا فنقص الافتضاض من ضمان البائع أو المشتري ففيه الوجهان فإن جعلناه من ضمان البائع ; فللمشتري الرد بكونها مزوجة ، فإن تعذر الرد بسبب رجع بالأرش ، وهو ما بين قيمتها بكرا غير مزوجة ، ومزوجة مفترعة من الثمن . وإن جعلناه من ضمان المشتري فلا رد له ، وله الأرش ، وهو ما بين قيمتها بكرا غير مزوجة وبكرا مزوجة من الثمن ، هكذا في التهذيب والرافعي ، والروضة التي بخط المصنف ، وفي بعض نسخها سقط من قوله : غير مزوجة إلى غير مزوجة فصار هكذا : غير مزوجة وبكرا غير مزوجة من الثمن ، وذلك غلط في الحكم ، وترك للتفريع من جعله من ضمان المشتري والفرق بينهما ، فإن على ضمان البائع الإفراع مضمون عليه ، فلذلك يقدر من ضمان المشتري ليس المضمون على البائع إلا سلامتها على التزويج ، وقد تقدم مثل ذلك في تعذر الرد في مسألة القطع ، وأنه يقدر على قول ضمان البائع سليما وأقطع ، لأن القطع مضمون عليه على الأصح وعلى القول الآخر ، بقدر مستحق القطع وغير مستحقه لأن المضمون عليه سلامته عن استحقاق القطع .

[ ص: 325 ] وقد وافق ابن الرفعة ما في الروضة السقيمة من الغلط في الحكم ، وجعل الأرش على قول ضمان البائع ما بين قيمتها بكرا مزوجة وبكرا غير مزوجة . وإن كان عالما بزواجها أو علم ورضي فلا رد له . فإن وجد بها عيبا قديما بعد ما افتضت في يده فله الرد إن جعلناه من ضمان البائع ، قاله القاضي حسين والبغوي والرافعي وخالفهم المتولي فقال : لا رد وهو الراجح لما سأنبه عليه ، وإن جعلناه من ضمان المشتري رجع بالأرش ، وهو ما بين قيمتها مزوجة ثيبا سليمة ، ومثلها معيبة ، هكذا قال البغوي والرافعي ، ولك أن تقول ينبغي أن يكون ما بين قيمتها مزوجة بكرا سليمة ، ومثلها معيبة ، فإن القيمة المعتبرة قيمة يوم العقد على قول ، ويوم القبض على قول وأقل القيمتين على المذهب ، وعلى كل قول تقدر هنا بكرا ; لأنها بكر عند العقد وعند القبض . وإنما حدثت الثيوبة بعد ذلك . فإن قال : إن ذلك لا يختلف لأن نسبة البكر السليمة من المعيبة كنسبة الثيب السليمة من المعيبة وهو صحيح ، لكن ذلك يقتضي أن لا يعتد في كلامه بالثيب بل ينبغي أن يقول وهو ما بين قيمتها مزوجة سليمة ومثلها معيبة ، وهكذا عبارة القاضي حسين ، فقول الرافعي : ثيبا حشو لا فائدة فيه إن كان كذلك لا يختلف أو زيادة مفسدة إن اختلف ، والله أعلم .

وإن تعذر ردها بسبب من الأسباب على قولنا : إنه من ضمان البائع فالنظر في الأرش يتجه أن يكون على ما ذكرناه الآن لا يختلف ، ولا يمكن أن يقال : ما بين قيمتها بكرا مزوجة سليمة وثيبا مزوجة معيبة لأن النقص الحاصل بالثيوبة رضي به ، وصرح القاضي حسين بالمسألة ، فقال : إن قلنا : من ضمان البائع يرجع بما بين كونها بكرا غير مزوجة وبكرا مزوجة نقيضه . وإن قلنا : من ضمان المشتري فيرجع بما بين كونها بكرا مزوجة وغير مزوجة وفي قوله بكرا مزوجة نقيضه نظر ، وذكر البغوي [ ص: 326 ] رحمه الله في التهذيب نظير المسألة وهو ما إذا اشترى سارقا عالما بسرقته فقطع في يده ووجد به عيبا قديما . قال : له الرد إن جعلناه من ضمان البائع ، وإلا فيرجع بالأرش وهو ما بين قيمته سارقا غير مقطوع معيبا وغير معيب ، فقوله : غير مقطوع نظيره هنا أن تقول بكرا وهو خلاف ما وقع في عبارته وعبارة الرافعي هنا .

ثم اعلم أن ما قاله هؤلاء الأئمة القاضي والبغوي والرافعي رحمهم الله يقتضي أن الرضا بالعيب لا يبطل أثره بالكلية . بل يسقط الرد به وبما هو من سببه ويصير الواقع بسببه بعد القبض كالواقع قبل القبض في عدم المبيع من الرد ، وهذا إنما يتجه على قول أبي إسحاق القائل بأن القتل بعد القبض بالردة السابقة يبطل العقد ويوجب الرجوع إلى الثمن إن صح جريان هذا الوجه في مسألة القطع وشبهها ، وقد أنكره الشيخ أبو علي كما تقدم .

أما على المذهب الصحيح أنه إذا قتل بعد القبض وكان عالما بردته لا يرجع بشيء ، وكذلك في القطع وزوال البكارة جزما كما تقدم ، فينبغي أن يكون القطع وزوال البكارة بعد القبض كعيب جديد مانع من الرد بعيب آخر . ( فإن قلت ) جعله من ضمان البائع على الصحيح يوجب مساواته لما وجد قبل القبض ، ولكن لا يرد به لرضاه بسببه ، فلا يمنع الرد كما لو كان عيبا قديما رضي به ، فإنه لا يمنع الرد وإن كان لا يرد به . ( قلت ) لو جعلنا ما بعد القبض كما قبل القبض في ذلك لوجب أن يبطل العقد بالقتل بعد القبض عند الجهل ، أما عند العلم فلا ، فإذا رضي بالعيب أبطل أثره . وكل ما وجد بعد ذلك وإن كان من أثره فليس منسوبا إلى البائع بل هو حادث في يد المشتري ناشئ مما رضي به ، وليس إحالته على المشتري لرضاه بسببه ، فينبغي أن يكون مانعا من الرد بالعيب القديم قاله المتولي ويرجع بالأرش .

( فإن قلت ) لعل كلام القاضي والرافعي والبغوي محمول على أنهم فرعوا ذلك على قول أبي إسحاق . ( قلت ) لا لأمرين ( أحدهما ) أنهم لم يذكروا قول أبي إسحاق [ ص: 327 ] في هذه الصور مع العلم ، بل كلامهم وكلام غيرهم يقتضي القطع بعدم جريانه هنا . ( والثاني ) أنهم قالوا : إذا قلنا من ضمان البائع وقدموا أن الصحيح أن ذلك من ضمان البائع فينبغي أن يتأمل هذا البحث . والجواب عنه إن أمكن لينتفع به فيما إذا باع جارية حاملا ونقصت بالولادة . وعلم بها عيبا ، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى .

( فرع ) زوال البكارة في المسألة المذكورة لا شك في أنه عيب ، سواء كانت الجارية مما يظن بكارتها في العادة لصغر سنها أم لا ، لأنها لما دخلت في العقد صارت مستحقة ، وإن كانت مزوجة بدليل أنها تسلم له بعد الطلاق ، وقضية ذلك أنه إذا اشترى عبدا كاتبا أو متصفا بصفة تزيد في ثمنه ثم زالت تلك الصفة بنسيان أو غيره في يد البائع ثبت للمشتري الخيار ، وإن لم يكن فواتها عيبا قبل وجودها . قال ابن الرفعة : وهذا لا شك فيه .

( فرع ) إذا اشترى جارية حاملا ورضي بحملها ثم وضعت في يده ونقصت بسبب الوضع ثم اطلع على عيب آخر بها ، فقياس ما تقدم في الجارية المزوجة أن لا يكون نقصانها بالولادة مانعا من الرد على ما قال ابن الرفعة ، ويؤيده أن الرافعي حكى فيما إذا أصدق زوجته جارية حاملا ، فحملت في يده ووضعت في يدها ثم طلقها ، فالنقص الحاصل منسوب إليه أو إليها ؟ فيه وجهان . في كلام الماوردي والرافعي ما يقتضي أنه مانع من الرد . وسنذكر المسألة عند ذكر المصنف لها إن شاء الله تعالى .

وقد أشرت فيما تقدم إلى ذلك . وقد ذكر طائفة من الأصحاب منهم القاضي أبو الطيب والغزالي والرافعي رحمهم الله مع هذه المسائل أو بعضها مسائل تشاركها في حصول عيب قبل العقد أو القبض ، ويوجد أثره بعد القبض كالقتل بردة أو محاربة أو بجناية عمد سابقة أو الموت بمرض سابق . والمصنف رحمه الله أفرد لهذه المسائل فصلا في أواخر هذا [ ص: 328 ] الباب وهو أولى ; لأن كلامه هنا في العيب الحادث بعد القبض إذا كان سببه متقدما ، والحادث في هذه المسائل بعد القبض تلف يثبت الانفساخ عند من يقول إنه لا عيب موجب للرد ، فلنؤخر الكلام في شرح هذه المسائل إلى الفصل الذي عقده المصنف لها ، فللمشاركة المذكورة ولأن التلف في ذلك منزل منزلة العيب حتى يرجع عند الجهل بالأرش لتعذر الرد بالتلف ، ولذلك أدخله المصنف رحمه الله في فصول الرد بالعيب كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، ولفعل الأولين مرجح سأذكره قريبا إن شاء الله تعالى . واعلم أن صورة مسألة الكتاب هنا فيما إذا لم يترتب على القطع تلف . أما لو اتفق ذلك فالحكم كما سيأتي في هذه المسائل في آخر الباب إن شاء الله تعالى .

( تنبيه ) جزم المصنف بالتسوية بين قطع اليد بالسرقة وبالقصاص ، وكذلك شيخه القاضي أبو الطيب والرافعي . وقال الماوردي : إن في القصاص لا يرد اتفاقا لأن القود لا يتحتم ويصح العفو عنه والقطع في السرقة لا يصح العفو عنه .

( تنبيه آخر ) نظر الأصحاب الخلاف في هذه المسائل بالقولين فيما إذا علق في حال الصحة بصفة ، ثم وجدت الصفة في مرض الموت ، هل يعتبر من رأس المال أو من الثلث ؟ .

( تنبيه آخر ) كثير من الأصحاب منهم القاضي أبو الطيب والقاضي حسين والرافعي ذكروا مسألة القطع مبنية على مسألة القتل بالجناية وأخواتها ، ولذلك قدموا الكلام فيها وقدموا مسألة القطع عليها بخلاف ما فعل المصنف ، فإنه أخر مسألة الجناية . وحكى الخلاف في كل منهما من غير بناء وترجح فعل الأولين بأن مسألة القطع غير منصوصة للشافعي فيما يظهر من كلامهم . ومسألة الجناية منصوص على أصلها ، وأبو الطيب يقول : إن قول أبي إسحاق فيها هو مذهب الشافعي ، وظاهر ذلك أنه منصوص عليه ، وسيقع الكلام في ذلك عند ذكر المصنف له إن شاء الله تعالى . [ ص: 329 ] وممن وافقهم على البناء المذكور الروياني في البحر ، وقال فيه : إن بعض أصحابنا بخراسان قال : إذا قلنا بالأول لا يرد بل يرجع بما بين قيمته سارقا مقطوعا وقيمته غير مقطوع بالسرقة من الثمن ، قال : وهذا ضعيف ( قلت ) ومراده بالأول قول أبي إسحاق . وعبر الروياني عنه بأنه قول الشافعي ، لكن هذا الذي نقله عن بعض الخراسانيين لا يكاد يفهم .

( فرع ) : إذا رضي بالقطع واطلع على عيب آخر فله الرد إن جعلنا القطع من ضمان البائع وإلا فلا . قاله القاضي حسين .

( فرع ) إذا كان عليه حد بالسياط فاستوفي بعد القبض ، فإن مات فالحكم كما سيأتي في أواخر الباب ، وإن سلم فالحكم كما مر في السابق ، فاستحقاق الحد بالسياط كاستحقاق القطع بالسرقة والقصاص . قاله صاحب التتمة .

( فرع ) عبد عليل به أثر السفر ، فقال سيده لرجل : اشتر مني هذا العبد فإن مرضه من تعب السفر ويزول عن قريب ، فاشتراه فازداد مرضه ولم يزل ، قال القاضي حسين في الفتاوى : ليس له الرد لأنه غرر بنفسه وما غرره البائع .

( فرع ) إذا وجدت إزالة البكارة من الزوج أو قطع اليد قبل القبض ، وكان قد رضي بالزوجة والجناية . فقد تقدم أني لم أر نقلا في جواز الرد بذلك ، والأقرب القطع بأنه لا يوجب الرد ، فلو وجد مع ذلك عيب لم يرض به ، هل يكون زوال البكارة وقطع اليد مانعا من الرد بالعيب الآخر ، لرضاه بالسبب أم لا ؟ الذي يظهر أن يقال ( إن ) جعلنا وجود ذلك بعد القبض غير مانع مع العلم كما قاله الرافعي بناء على أنه من ضمان البائع فههنا أولى ( وإن ) جعلناه مانعا ، وأنه يرجع بالأرش فههنا احتمالان مأخذهما أن المنع بعد القبض لأجل وقوعه في يد المشتري أو لأجل العلم ؟ ( إن قلنا ) بالأول لم يمتنع هنا لوقوعه في يد البائع ( وإن قلنا ) بالثاني امتنع لوجود العلم . ولم أر في ذلك نقلا ( والأظهر ) أن المنع بعد القبض لأجل حدوثه في يد المشتري مع العلم بسببه ، وهذا الممنوع منتف قبل القبض فلا يمنع الرد وإن علم بالسبب ; لأن هذا عيب زائد على [ ص: 330 ] ما علمه ولهذا أقول : إنه لا يمتنع عليه الرد هنا ، وإن كنت استشكلت عدم امتناع الرد بعد القبض كما تقدم ، والله أعلم .

( فرع ) عن أبي حنيفة أنه إذا قطع في يد المشتري رجع بنصف الثمن ووافق في مسائل التلف التي ستأتي إن شاء الله تعالى أنه يرجع بالجميع ; لأنه من ضمان المشتري .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث