الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى فصل وما حرم فيه الربا لا يجوز بيع بعضه ببعض ، ومع أحد العوضين جنس آخر يخالفه في القيمة ، كبيع ثوب ودرهم بدرهمين ، ومد عجوة ودرهم بدرهمين ، ولا يباع نوعان من جنس بنوع ، كدينار قاساني ودينار سابوري [ ص: 237 ] بقاسانيين أو سابوريين ، أو كدينار صحيح ودينار قراضة بدينارين صحيحين ، أو دينارين قراضة ، والدليل عليه ما روى فضالة بن عبيد قال " { أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها خرز معلقة بذهب فابتاعها رجل بسبعة دنانير أو تسعة دنانير ، فقال عليه السلام : لا حتى تميز بينه وبينه . فقال : أنا أردت الحجارة ، فقال : لا ، حتى تميز بينهما } " ولأن الصفقة إذا جمعت شيئين مختلفي القيمة انقسم الثمن عليهما ، والدليل عليه أنه إذا باع سيفا وشقصا بألف ، قوم السيف والشقص وقسم الألف عليهما على قدر القيمة أدى إلى الربا ، لأنه إذا باع دينارا صحيحا قيمته عشرون وأمسك المشتري السيف بحصته من الثمن على قدر قيمته ، وإذا قسم الثمن على قدر القيمة أدى إلى الربا ، لأنه إذا باع دينارا صحيحا قيمته عشرون درهما ودينارا قراضة قيمته عشرة بدينارين وقسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما صارت القراضة مبيعة بثلث الدينارين ، والصحيح بالثلثين وذلك ربا

التالي السابق


( الشرح ) حديث فضالة رواه أبو داود بسند صحيح ، وهو أيضا بغير هذا اللفظ في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي ، وقال الترمذي : حسن صحيح ونسبه ابن معن شارح المهذب إلى مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي اعتبارا بأصل الحديث على اصطلاح المخرجين من المحدثين ، وليس بجيد ، والصواب ما حررته . ورواية الصحابي فضالة - بفتح الفاء والضاد المعجمة - ابن عبيد مصغرا ابن نافذ - بالفاء والذال المعجمة - ابن قيس بن صهيب بن الأضرم بن جحجبا - بجيمين مفتوحتين بينهما حاء مهملة ساكنة وبعدهن باء موحدة - ابن كلفة بضم الكاف وإسكان اللام - ابن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي . العمري - بفتح العين وسكون الميم - أبو محمد وأمه عفرة - بفتح العين - ابنة محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبا المذكور ، شهد فضالة أحدا والخندق وما بعدهما من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايع تحت الشجرة وتولى القضاء بدمشق لما مات أبو الدرداء بوصية أبي الدرداء لمعاوية ، ومات بها في خلافة معاوية . وله عقب - كانت وفاته سنة ثلاث وخمسين على الأصح قاله ابن أبي خيثمة عن المدائني ، ورأيت في معجم الصحابة للبغوي أنه سكن مصر ومات بها مع ذكره لما تقدم وكأن ذلك وهم من كاتب والله أعلم .

[ ص: 238 ] وروى عنه هذا الحديث حنش بن عبد الله الصنعاني وعلي بن رباح اللخمي وفي طبقته حنش الراوي عن عكرمة عن ابن عباس روى عنه سليمان التيمي وخالد الواسطي وفي حديثه ضعف ، اسمه حسين بن قيس . وحنش بن المعتمر الكوفي الراوي عن علي بن أبي طالب . وحنش بن الحارث بن لقيط النخعي الكوفي . يروي عنه أبو نعيم وغيره . وروي هذا الحديث عن خالد بن أبي عمران عن حنش الصنعاني المذكور أبو شجاع هذا وسعيد بن يزيد أبو سلمة بصري ثقة روى عنه شعبة ، وسعيد بن يزيد مصري روى يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عنه حديثه مرسلا وقد روى هذا الحديث بألفاظ مختلفة ( منها ) اللفظ الذي في الكتاب رواه أبو داود ( ومنها ) عن فضالة قال " { اشتريت يوم خيبر قلادة ثمنها اثنا عشر دينارا فيها ذهب وخرز ، ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا تباع حتى تفصل } " لفظ مسلم وأبي داود في أحد طريقيه ، والترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، ولفظ النسائي مثله ، إلا أنه لم يعين الثمن .

( ومنها ) عن فضالة قال " { أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلائد فيها خرز وذهب وهي من الغنائم تباع ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع ، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب وزنا بوزن } " رواه مسلم أيضا ( ومنها ) عن حنش قال " كنا مع فضالة بن عبيد في غزوة فطارت لي ولأصحابي قلادة فيها ذهب وورق وجوهر ، فأردت أن أشتريها فسألت فضالة بن عبيد فقال : انزع ذهبها فاجعله في كفة ، واجعل ذهبك في كفة ، ثم لا تأخذن إلا مثلا بمثل ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلا بمثل } " رواه مسلم أيضا .

( ومنها ) عن فضالة قال : " { أصبت يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخرز فأردت بيعها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : افصل بعضها من بعض ثم بعها } " رواه النسائي من حديث الليث عن خالد بن أبي عمران [ ص: 239 ] عن حنش ، ولم يذكر الليث أو خالد أبا شجاع والله أعلم .

والروايات كلها ترجع إلى حنش . قال البيهقي في كتاب السنن الكبير : سياق هذه الأحاديث مع عدالة رواتها تدل على أنها كانت بيوعا شهدها فضالة كلها ، والنبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنها ، فأداها كلها ، وحنش الصنعاني أداها مفرقة ، وقال في كتاب المعرفة بعد أن ذكر الرواية التي ذكرها المصنف ، ثم ذكر القصة الأخرى التي ذكرناها عن مسلم . ثم حكم بأنها قصة أخرى قال : لأن في هذه الرواية أنه بنفسه اشتراها ، وفي تلك أن رجلا ابتاعها . واختلفا أيضا في قدر الدنانير ، غير أنهما اتفقا في النهي حتى يفصل ، وفي ذلك دلالة على أن المنع من البيع لأجل الجمع بينها في صفقة واحدة وهذا الذي قاله البيهقي متعين ، فإن أسانيد الطرق كلها صحاح ولا منافاة بينها فالجمع بينها بذلك أولى من الحكم على بعضها بالغلط ، وأيضا كلها متفقة على النهي عن الجمع حتى يفصل ، كما أشار إليه البيهقي ، وهو موضع الاستدلال . وقد رام الطحاوي دفعها بما حصل فيها من الاختلاف ، قال : وقد اضطرب علينا حديث فضالة الذي ذكرنا فرواه قوم على ما ذكرنا في أول الباب . ورواه آخرون على غير ذلك ، فقد يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل الذهب ، لأن صلاح المسلمين كان في ذلك ، ففعل ما فيه صلاحهم ، لا لأن بيع الذهب قبل أن ينزع مع غيره في صفقة واحدة غير جائز ، وهذا خلاف ما روى من روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يباع حتى يفصل " ثم قال : فقد اضطرب علينا هذا الحديث فلم يوقف على ما أريد منه ، فليس لأحد أن يحتج بمعنى من المعاني التي روي عليها إلا احتج مخالفه عليه بالمعنى الآخر .

( قلت ) وليس ، ذلك باضطراب قادح ، ولا ترد الأحاديث الصحيحة بمثل هذه الاحتمالات وقوله صلى الله عليه وسلم " لا يباع حتى يفصل " صريح لا يحتمل التأويل ، وكون فضالة أفتى به في غير طريق غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفي سماعه له ، فقد يسمع الراوي شيئا ثم يتفق له مثل تلك الواقعة فيفتي بمثله ، والله أعلم .

[ ص: 240 ] وقوله " معلقة بذهب ضبطه ابن النويك - بعين مهملة مفتوحة وقاف - ابن معن يروي بالقاف ، ويروي مغلفة بالغين المعجمة والفاء - وهذا الحديث معتمد أصحابنا من جهة للأثر في القاعدة المترجمة ( بمد عجوة ) وقد تقدم من تفسير ابن وهب ومن فقه السقاية التي باعها معاوية وأنكرها عبادة أنها القلادة ، وخالفهم غيرهم والله أعلم . ونقل البيهقي في كتاب المعرفة أن الشافعي رضي الله عنه قال في القديم : وفي " { أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عامله على خيبر أن يبيع الجمع بالدراهم ثم يشتري بالدراهم جنيبا } " دل والله أعلم على أن لا يباع صاع تمر رديء فيجمع مع صاع تمر فائق ، ثم يشتري بهما صاع تمر وسط . ثم بسط الكلام في بيان ذلك إلى أن قال : ولو كان يجوز أن يجمع الرديء مع الجيد فغاية أمره فيما يرى والله أعلم أن يضم الرديء إلى الجيد ثم يشتري به وسطا ، وكان ذلك موجودا . انتهى ما نقله البيهقي من ذلك ، وقد رأيت ما نسبه البيهقي إلى القديم في الإملاء وسأنقله في آخر نصوص الشافعي إن شاء الله تعالى . وقد اتفقت نصوص الشافعي على منع هذه المعاملة ، قال في بيع الآجال من الأم : وإذا بعت شيئا من المأكول أو المشروب أو الذهب أو الورق بشيء من صنفه فلا يصلح إلا مثلا بمثل وأن يكون ما بعت منه صنفا واحدا جيدا أو رديئا ويكون ما اشتريت صنفا واحدا ولا يبالي أن يكون أجود أو أردأ مما اشتريته به ، ولا خير في أن يأخذ خمسين دينارا مروانية وخمسين محدبا بمائة هاشمية ولا بمائة غيرها وكذلك لا خير في أن تأخذ صاع بردي وصاع لون بصاعي صحاني ، وإنما كرهت هذا من قبل أن الصفقة إذا جمعت شيئين مختلفين فكل واحد منهما مبيع بحصته من الثمن ، فيكون تمر صاع البردي بثلاثة أرباع صاع الصحاني ، وذلك صاع ونصف وصاع اللون بربع صاعي الصحاني وذلك نصف صاع صحاني .

فيكون هذا التمر بالتمر متفاضلا وهكذا . هذا في الذهب والورق وكل ما كان فيه الربا في التفاضل في بعضه على بعض وقال في باب الصرف من الأم : وإذا كانت الفضة مقرونة بغيرها خاتما [ ص: 241 ] فيه فص أو فضة أو حلية السيف أو مصحف أو سكين فلا يشترى بشيء من الفضة قل أو كثر بحال لأنها حينئذ فضة بفضة مجهولة القيمة والوزن ، وهكذا الذهب ، ولكن إذا كانت الفضة مع سيف اشتري بذهب ، وإن كان فيه ذهب اشتري بفضة ، وإن كان فيه ذهب وفضة لم يشتر بذهب ولا فضة ، واشترى بالعرض ، قال الربيع : وفيه قول آخر أنه لا يجوز أن يشترى شيء فيه فضة مثل مصحف أو سيف وما أشبهه بذهب ولا ورق ، لأن في هذه البيعة صرفا وبيعا لا ندري كم حصة البيع من حصة الصرف ؟ والله أعلم .

وقال في هذا الباب أيضا : وإذا جمعت صفقة البيع شيئين مختلفي القيمة مثل تمر بردي وتمر عجوة بيعا معا بصاعي تمر ، وصاع من هذا بدرهمين وصاع من هذا بعشرة دراهم ، وقيمة البردي خمسة أسداس الاثني عشر ، وقيمة العجوة سدس الاثني عشر ، فالبردي بخمسة أسداس الاثني عشر والعجوة بسدس الاثني عشر وهذا لو كان صاع البردي وصاع العجوة بصاعي لون ، كل واحد منهما بحصته من اللون ، فكان البردي بخمسة أسداس صاعين ، والعجوة بسدس صاعين ، فلا يحل من قبل أن البردي بأكثر من كيله والعجوة بأقل من كيلها ، وهكذا ذهب بذهب كأن مائة دينار مروانية وعشرة محدبة بمائة وعشرة هاشمية فلا خير فيه من قبل أن قيمة المروانية أكثر من قيمة المحدبة ، وهكذا الذهب بالذهب متفاضلا ، لأن المعنى الذي في هذا في الذهب بالذهب متفاضلا ، ولا بأس أن يراطل الدنانير الهاشمية التامة بالعتق الناقصة مثلا بمثل في الوزن ، وإن كان لهذه فضل وزنها ، وهذه فضل عيونها ، فلا بأس بذلك إذا كان وزنا بوزن . وقال في آخر باب المزابنة : ولذلك لا يجوز أن يدخل في الصفقة شيئا من الذي في الربا في الفضل في بعضه على بعض يدا بيد ، ومن ذلك أن يشتري صبرة تمر مكيلة أو جزافا بصبرة حنطة مكيلة أو جزافا ، ومع الحنطة من التمر قليل أو كثير ، وذلك أن الصفقة في الحنطة تقع على حنطة وتمر بتمر ، وحصة التمر غير معروفة من قبل أنها إنما تكون بقيمتها ، والحنطة بقيمتها ، والتمر بالتمر لا يجوز إلا معلوما كيلا بكيل .

[ ص: 242 ] وقال في باب تفريع الصنف من المأكول والمشروب بمثله : وكل ما لم يجز إلا مثلا بمثل يدا بيد فلا خير في أن يباع منه شيء ، ومعه شيء غيره بشيء آخر لا خير في مد تمر عجوة ودرهم بمدي تمر عجوة ، ولا مد حنطة سمراء ودرهم بمدي حنطة محمولة حتى يكون الطعام بالطعام لا شيء مع واحد منهما غيرهما أو يشتري شيئا من غير صنفه ليس معه من صنفه شيء . وقال في باب في التمر بالتمر : ولا خير في أن يكون صاع أحدهما من تمرين مختلفين وصاع الآخر من تمر واحد ، وقال في مختصر المزني : ولا خير في مد عجوة ودرهم بمدي عجوة حتى يكون التمر بالتمر مثلا بمثل ، وقال فيه أيضا : ولو راطل مائة دينار عتق مروانية ومائة دينار من ضرب مكروه بمائتي دينار من ضرب وسط خير من المكروه ودون المروانية ، لم أر بين أحد ممن لقيت من أهل العلم اختلافا أن ما جمعته الصفقة من عبد ودار أن الثمن مقسوم على كل واحد منهما بقدر قيمته من الثمن فكان قيمة الجيد من الذهب أكثر من الرديء ، والوسط أقل من الجيد . وقال في مختصر البويطي في باب البيوع : وكل شيء من المأكول والمشروب والذهب والورق الذي لا يجوز بعضه ببعض إلا مثلا بمثل ، الحنطة والتمر والشعير والعسل والدنانير والدراهم ، فإذا أراد رجل أن يبيع من عسل ودرهم بدرهم ومد عسل ، فلا يجوز ، أو درهما وثوبا بدرهم وثوب ، أو درهم وثوب بدرهمين ، أو مد حشف ومد تمر بمد تمر أو مد حنطة ومد دقيق بمدي حنطة وبما أشبهه فلا يجوز من قبل أن الصفقة تجمعهما ولا يتميز تمر كل واحد منهما ولكل واحد منهما حصته من الثمن ، ولا يدري كم ذات فيدخل في ذلك التفاضل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه إلا مثلا بمثل ، مثل ثوب ورطل من عسل بثوب ورطل ، لأن للثوب والدرهم الذي وقع بالثوب والدرهم للدرهم حصة من الدرهم والثوب ، ومن الآخر بمثل ذلك فلا يجوز ، لأن ثمنها لا يميل من كل واحد منهما ، ويدخل الثوب والدرهم بالثوب والدرهم بيع وصرف .

وقال في مختصر البويطي أيضا في باب الصرف : وإذا صارفه خمسين قطاعا وخمسين صحاحا بمائة صحاح فلا يجوز . لأن للخمسين القطاع حصة [ ص: 243 ] من المائة الصحاح أقل من ثمنها . فيدخل في ذلك التفاضل والثمن مقوم عليها . وهو مثل رجل اشترى عبدا وثوبا بمائة دينار . ولو اشترى مائة دينار قطع بمائة صحاح فلا بأس وقد قيل : يجوز خمسون قطاعا وخمسون صحاحا بمائة صحاح . وهذا القول الذي نقله الشافعي - رحمه الله - سيأتي مثله مبسوطا في الإملاء . والله أعلم .

وقال في مختصر البويطي في كتاب التفليس : وإن باع عبدا وله مال دنانير ودراهم فلا يجوز شراؤه بدنانير ولا بدراهم إذا استثنى ماله . وإن اشتراه وحده بلا مال فجائز ( وقال ) الشافعي رضي الله عنه في كتاب الإملاء في باب بيع التمر بالتمر في أمر النبي صلى الله عليه وسلم عامله على خيبر " أن يبيع الجمع بالدراهم ثم يشتري بالدراهم جنيبا " دل والله أعلم على ألا يجوز أن يباع صاع تمر رديء مع صاع تمر فائق ، ثم يشتري بهما صاعين بتمر وسط ، وذلك أن العلم يحيط بأن صاع التمر الرديء لو عرض ، على صاحب التمر الوسط بربع صاع لم يقبله ولو قوم لم تكن قيمته كقيمة ربع صاع من الوسط ، إنما يعطى صاحب الصاعين من الوسط صاعين بصاع رديء وصاع جيد ، ليدرك فضل تمره الجيد على الرديء بما يأخذه من الجيد . وعامل رسول صلى الله عليه وسلم الله إنما كان يقاسمهم نصف تمرهم ، فيأخذ الجيد الغاية من صاحب الجيد الغاية ، والرديء الذي لا أسفل منه من صاحب التمر الرديء ومن كل ذي تمر نصف تمره ، ولو كان يجوز أن يجمع الرديء مع الجيد الغاية أمره - فيما يرى - رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضم الرديء إلى الجيد ثم يشتري بها وسطا إن كان ذلك موجودا فخالف بعض الناس في هذا فقال " لا بأس أن يضم الحشف الرديء ثم يشتري بكليهما تمر عجوة " وقال " لا بأس بالذهب بالذهب متفاضلا إذا دخل واحدا منهما فليس " قال الشافعي : ومعنى الذهب يضم إليها غيرها معنى التمر الرديء يضم إليه التمر الرديء منها . قال الشافعي رضي الله عنه : وقلت لبعض من قال هذا القول : أرأيت رجلا اشترى ألف درهم تساوي عشرة الدراهم بألفي درهم ؟ قال جائز [ ص: 244 ] قلت ) فإن وجد بالثوب عيبا قال يرده بألف ، قلت : فهكذا نقول في البيوع كلها .

قال : أي البيوع ؟ ( قلت ) أرأيت لو باع جارية تساوي ألفا وثوبا يساوي عشرة دراهم بألفين ، فوجد بالثوب عيبا ، قال تقسم الألفان على الألف وعشرة ويرد الثوب بحصة عشرة من الألفين قال : وكذلك جارية تساوي ألفا وثوبا يساوي مائة بيعا بألفين ومائتين ترد الثوب بمائتين لأنهما سهم من أحد عشر سهما من الثمن ، ويكون حصة هذا في البيع وإن لم يسم لكل واحد منهما حصته من الثمن الثمن كله معروف ( قلت ) والسلعتان اللتان بيعتا معروفة في القيمة من الثمن ؟ قال : نعم ( قلت ) وهكذا البيوع كلها قال : نعم ( قلت ) لم لم يقل هذا في الثوب مع الدراهم ؟ قال إذا احترز الربا فيكون ألفا بأكثر منها ( قلت ) فهكذا أبطلنا ما أجزت من الصرف ، وإذا أجزته فقد تركت أن يقسم الثمن على ما وقعت عليه عقدة البيع ،



هذه نصوص الشافعي رحمه الله ، وهي مشتملة على ما إذا كان البيع من جنسين مختلفين ، وعلى ما إذا كان نوعين من جنس واحد . ويعبر الأصحاب عن كل من الأمرين بقاعدة ( مد عجوة ) وضابطها عندهم أن تشتمل الصفقة على مال واحد من أموال الربا من الجانبين ، ويختلف مع ذلك أحد العوضين أو كلاهما جنسا أو نوعا أو صفقة فقولنا : مال واحد خرج به ما إذا اشتملت على جنس مال الربا كما إذا باع قمحا وشعيرا بتمر وزبيب فإنه لولا هذه اللفظة لدخل تحت الضابط ، وإن شئت قلت : أن يبيع مال الربا بجنسه ومع أحدهما غيره مما فيه الربا ، أو مما لا ربا فيه وهذه عبارة أبي الطيب وابن الصباغ ، وينبغي أن يحمل غيره على ما هو من الجنس والنوع والصفة . وعبارة المصنف في الكتاب وفي التنبيه من أحسن العبارات وأسلمها ، لكن فيها اعتبار القيمة مطلقا ، وسأتكلم عليه إن شاء الله تعالى . وأول ما يعتنى به في المسألة أصلان ( أحدهما ) أن الجهل بالمماثلة لحقيقة المفاضلة ، وقد تقدم التنبيه على ذلك مرارا ، ويشهد له النهي عن بيع الصبرة بالصبرة لا يعلمان كيلها ومنع بيع التمر بالرطب خرصا في غير العرايا . قال ابن السمعاني : وهي تخرج المسألة على الأصل الذي عرف لنا في مسألة الربا ، [ ص: 245 ] وهو أن الأصل في بيع هذه الأموال بعضها ببعض الحظر ، إلا أنه يتخلص عن الحظر بالبيع على وجه مخصوص ، فإذا لم يوجد ذلك الوجه يبقى محظورا تمسكا بالأصل .

( والأصل الثاني ) أن اختلاف العوضين من الجانبين أو من أحدهما يوجب اعتبار القيمة وتوزيع الثمن بالقيمة يوم العقد لدليلين ( أحدهما ) من حيث العرف فإن التجار يقصدون بالشراء التثمين ( والثاني ) من حيث الحكم كما إذا باع عبدا وثوبا ثم خرج أحدهما مستحقا فإنه يرجع بقيمة المستحق من الثمن إلا بنصف الثمن ، وإذا باع شقصا وسيفا يأخذ الشفيع الشقص بقيمته من الثمن إلا بنصف الثمن ، والشفيع إنما يأخذ بما شاء ، وله حالة العقد ، فلولا أن التوزيع حاصل حين العقد لم يصح ، وكما في رد البعض بالعيب وتلف البعض عند البائع .

قال أصحابنا : ولولا التوزيع في الابتداء ما توزع في الانتهاء ، ولا يترك التوزيع بأن يؤدي إلى بطلان البيع ، فإن العقد إذا كان له مقتضى حمل عليه سواء أدى إلى فساد العقد أو إلى صلاحه ، كما إذا باع درهما بدرهمين لما كان مقتضى العقد مقابلة جميع الثمن حمل عليه ، وإن أدى إلى فساده ولم يحمل على أحد الدرهمين هبة والآخر ثمن ليصح العقد . وقولهم : إنه يغلب وجه الصحة بكل حال ممنوع قال العجلي في كلامه على الوسيط بعرض الكلام فيما إذا كان الجيد لواحد والرديء لآخر قائلا : هما ثمانون ، فيقول صاحب المائة الجيدة نزل عن مائة ، وحصل أكثر منها بطريق المقابلة بالبيع ، فلا يحل له ذلك كما لو انفرد بيانه أن قيمة الجيدة إذا كانت ألفي درهم وقيمة الرديء ألفا ، وصاحب الجيدة أخذ ثلثي الثمن وهو مائة وثلاثة وثلاثون وثلث ، وصاحب الرديء يأخذ الباقي بالمائة ، وهو ستة وستون وثلثان ، وهذا عين الربا وهذا مقتضى للعقد ، لأنه إما أن يقال : لم يقتض العقد لكل منهما ملكا أصلا ، أو اقتضى لكل واحد ملكا في الكل أو اقتضى ملكا في النصف على التساوي ، أو اقتضى ملكا بحسب ما يتميز عند القيمة . والأقسام الثلاثة الأولى ظاهرة البطلان فتعين الرابع وهو أن مقتضى العقد أن ما ظهر بالقيمة ، وإذا ظهر ذلك عند تعدد الملك فكذا عند اتحاده ، لأن ذلك مقتضى [ ص: 246 ] العقد بسبب اختلاف النوع والقسمة ، لا بسبب اختلاف الملك إذ باذل الجيد لا يرضى أن يستفيد في مقابلة الجيد ما يستفيده في مقابلة الرديء ، ولا باذل الثمن يبذله على التساوي ، بل هذا القصد ضروري في نفس المعاقد . ومطلق كلامه لا يفهم منه إلا ما يقصد في عادة التعامل . فكأنه صرح بمقابلة الجيد بزيادة . انتهى .

ثم ألزمهم بمسألة الشفعة ثم قال : فإن قيل : التفاضل مقتضى الانقسام ، والانقسام يقتضي اختلاف الملك ، أو اختلاف العيب أو الاستحقاق أو ثبوت الشفعة ، فإن لم يكن بينهما هذه الاختلافات الأربعة أطلقنا القول بأن الكل بالكل ، ولم يظهر منه تفاضل ( قلنا ) كان من الواجب أنه إذا وجدت هذه الاختلافات يبطل العقد في هذه الصور الأربع ، وأنتم تصححون العقد مع أن مقتضى الانقسام والتفاضل موجود . انتهى . ولا يرد على ما فرضه من اختلاف الملك أن العقد غير صحيح ، كما لو كان لرجلين عبدان فباعاهما بثمن واحد ، لأنه إنما أراد بذلك الفرض ، ولأنه صحيح على أحد القولين وأيضا فظاهر كلامه يقتضي أن الخصم يقول بصحته فيصح على طريق الإلزام ، والله أعلم . وألزم أصحابنا الخصم بالتوزيع ، وإن كان يؤدي إلى بطلان العقد ، كما لو باع عبدا بألف نسيئة ثم اشتراه مع آخر بأكثر نقدا فإن عندهم لا يصح لأنه عاد إليه بالقسمة بأقل مما باع ، واعتذروا عن هذا الإلزام بأن هنا في مسألة العبد وجوه الصحة كثيرة بأن يجعل العقد الأول ألفا وما فوقه درهما درهما إلى أن يبقى درهم العقد الثاني ، وإذا كثرت الوجوه صار ما قابل الأول من هذه الأثمان مجهولا فبطل ، كما لو باع بثمن وفي البلد نقود ، وأبطل أصحابنا هذا الجواب بما إذا استأجر دارا بعشرة وأحدث فيها عمارة وأكراها بأحد عشرة أجرة فإنه يمكن أن يجعل في مقابلة الدار درهما ، وما زاد درهما درهما إلى أن يبقى درهم في مقابلة العمارة ، فيبطل العقد ولم يفعلوا ، بل جعلوا قدر رأس المال في مقابلة الدار والزيادة في مقابلة العمارة ، وصححوه . [ ص: 247 ] قال أصحابنا : وقد تكثر وجوه الصحة في مسألتنا ، وهو أن يبيع مد حنطة ومد شعير ومد تمر بمدي حنطة ، ومدي شعير بمدي تمر ، ومد تمر بمدي حنطة . والوجه الآخر أن يجعل مدي الحنطة بمدي شعير ، ومدي شعير بمدي تمر ومدي تمر بمدي حنطة ، وكذا مد حنطة ومد شعير بمد حنطة مدي شعير .

فقد كثرت وجوه الصحة . ومع ذلك جوزتم وألزمهم أصحابنا أيضا إذا باع مدا ودرهما بمد ودرهم وتصرفا قبل القبض بطل العقد عندهم . وإن أمكن تقدير مقابلة لا يشترط التقابض فيها . بأن يجعل الدرهم بالمد فقد اتضح بهذه المباحث نظرا وألزما اتجاه القول بالتوزيع . قال الفارقي : وهذا أصل مقطوع به فإن الإنسان لا يبذل من العوض في مقابلة الرديء ما يبذله في مقابلة الجيد . على أنإمام الحرمين اعترض على هذه الطريقة بأن العقد لا يقتضي في وضعه توزيعا مفصلا ، بل مقتضاه مقابلة الجملة بالجملة أو مقابلة الجزء الشائع مما في أحد الشقين بمثله مما في الشق الآخر ، بأن يقال : ثلث المد وثلث الدرهم يقابل ثلث المدين ، يعني إذا باع مدا ودرهما بمدين ، ولا ضرورة إلى تكليف توزيع يؤدي إلى التفاضل وإنما يصار إلى التوزيع في مسألة الشفعة لضرورة الشفعة .

( قال ) والمعتمد عندي في التعليل أنا تعبدنا بالمماثلة تحقيقا ، وإذا باع مدا ودرهما بمدين لم يحقق المماثلة فيفسد العقد . قال الرافعي : ولناصريها أن يقولوا : أليس قد ثبت التوزيع المفضل في مسألة الشفع ؟ ولولا كونه قضية العقد لكان ضم السيف إلى الشقص من الأسباب الدافعة للشفعة ، فإنها قد تندفع بعوارض ( وأما ) قوله : إنا تعبدنا بتحقيق المماثلة فللخصم أن يقول تعبدنا بتحقيق المماثلة فيما إذا تمحضت مقابلة شيء منها بجنسه أم على الإطلاق ( إن قلنا ) بالثاني فممنوع ( وإن قلنا ) بالأول فمسلم ، ولكنه ليس صورة المسألة ، والاعتراض الأول الذي اعترض به الرافعي على الإمام حق وقد نبهت عليه ، وعلى ما يقويه فيما تقدم نقله من كلام الأصحاب ( وأما ) الاعتراض الثاني فضعيف ، ولا سيما في الفرض الذي فرضه وهو إذا باع مدا ودرهما بمدين فإنه يصح في هذه الصورة أنه باع تمرا بتمر ، لأن الثمن الذي مع الدرهم مبيع قطعا ، ولا مقابل له إلا تمر ، ومتى [ ص: 248 ] صدق أنه باع تمرا بتمر وجبت المماثلة بالنص وبمحض المقابلة ، فمد زائد لم يدل عليه دليل ، واعتراض ابن الرفعة على الإمام في جعله العمد في التوزيع منسوبة للأصحاب فإنها عمدة الشافعي أيضا ، وفي دعواه أن الشافعي رضي الله عنه اعتمد حديث القلادة قال : ولم أر في كلام الشافعي تعرضا له ، ولأجل ذلك لم يذكره البيهقي عنه بل عن الأصحاب ، والله سبحانه وتعالى أعلم .



فصل : إذا تقرر هذان الأصلان هان تقدير القاعدة المذكورة . وليست كلها مرتبة واحدة بل هي ثلاث مراتب كما تقدمت الإشارة إليه تارة يختلف الجنس وتارة يختلف النوع وتارة يختلف الوصف فلنفرد كل مرتبة بالكلام عليها ( المرتبة الأولى ) أن يختلف الجنس وهي التي صدر المصنف كلامه بها سواء كان كل منهما ربويا كمد عجوة ودرهم بمدي عجوة أو بدرهمين أو بمد عجوة ودرهم وكما إذا باع صاع حنطة وصاع شعير بصاع حنطة وصاع شعير أو صاعي حنطة أو صاعي شعير أو دينارا ودرهما بدينار ودرهم أو بدينارين أو بدرهمين ، أو كان أحدهما ربويا فقط كثوب ودرهم بدرهمين ، أو بثوب ودرهم ، ولا يمكن أن يكون بثوبين لأن مال الربا حينئذ لم يتحد من الجانبين فلا يكون من صورة المسألة ، وكما إذا باع خاتما فيه فص بخاتم فيه فص أو لا فص فيه وهما جميعا فضة أو ذهب أو سيفا محلى بفضة بدراهم أو بسيف محلى بفضة ، أو سيفا محلى بذهب أو بسيف محلى بذهب أو قلادة فيها ذهب بذهب ، أو عبدا معه مال دراهم بدراهم أو دنانير بدنانير ، إذا اشترط كون المال للمشتري نص عليه في البويطي . وقد أطبق الأصحاب تبعا للشافعي على بطلان البيع في ذلك كله إلا أن ينص في بيعه فيقول : المد في مقابلة المد والدرهم في مقابلة الدرهم ، وكذلك صرح باستثنائه جماعة من الأصحاب ابن السمعاني وصاحب العدة والماوردي والرافعي وغيرهم ، ولا شك فيه ، واحتجوا في ذلك بحديث فضالة المتقدم ، وبالأصلين الذين تقدما ، ووجه الجهل بالمماثلة فيه أنه يحتمل أنه باع المد بالمد ، والمد الثاني بالدرهم ويحتمل غيره بأن يجعل بأكثر من المد أو بأقل [ ص: 249 ] منه ، فدل على أنه لما باع المثل بالمثل ولن يكون كذلك إلا إذا نص على وجه لا يحتمل غيره .

فأما إذا أطلق هو إطلاقا لم يحمل عليه من قبل الشرع على زعم المخالف فلا يكون هو تابعا على الوجه الصحيح ، فبقي على الفساد . ويزيد ذلك إيضاحا وهو أنه إذا باع مدا ودرهما بمدين ، فإما أن تكون قيمة المد الذي مع الدرهم أكثر من درهم أو أقل أو درهما ، فإن كان أكثر مثل أن تكون قيمته درهمين فيكون المد ثلثي ما في الطرف فيقابله ثلثا المدين من الطرف الآخر ، فيصير كأنه قابل مدا بمد وثلث وإن كانت قيمته أقل كنصف درهم فيكون المد ثلث ما في هذا الطرف فيقابله ثلث المدين من الطرف فيصير كأنه قابل مدا بثلثي مد ، وإن كانت قيمته درهما فلا تظهر المفاضلة والحالة هذه لكن المماثلة فيها تستند إلى التقويم ، والتقويم بخمسين قد يكون صوابا وقد يكون خطأ ، والمماثلة المعتبرة في الربا هي المماثلة الحقيقية . هذا كلام الرافعي - رحمه الله تعالى - وهو على مقتضى كلام أكثر الأصحاب ، ولا فرق في ذلك بين أن تكون قيمة المد مثل الدرهم أو لا ، على مقتضى إطلاق أكثر الأصحاب . وادعى إمام الحرمين اتفاق الأصحاب عليه . ولا فرق أيضا بين أن يكون المدان من نوع واحد والدرهمان من ضرب واحد أم لا وخالف في كل منهما مخالفون . أما الأول فقاله القاضي أبو الطيب في تعليقه أنهما لو علما قبل العقد أن قيمة المد مثل الدرهم وتبايعا على ذلك أن ذلك جائز لأنهما متماثلان ، وإنما يكون ربا إذا كان التفاضل معلوما أو التماثل مجهولا . وهذا الذي قاله يبعده أن القيمة أمر تخميني لا يكتفى به في الربا ، ألا ترى أنه لو باع صبرة بصبرة تخمينا لم يصح .

وهذا الذي قاله القاضي أبو الطيب لم أر من وافقه عليه إلا المصنف هنا وفي التنبيه فإن عبارته تقتضيه ، وتابعه على ذلك الشاشي في الحلية وابن أبي عصرون ووافقهم الجرجاني في الشافي وأطلق أنهما إذا كانا متساويين في القيمة يجوز ، وأخذه الروياني من قول الشافعي في تعليل المسألة حتى يكون التمر بالتمر مثلا بمثل . وقال : إن ظاهره يقتضي جواز [ ص: 250 ] البيع في مد عجوة قيمته درهم مع درهم بمدي عجوة قيمة كل واحد منهما درهم . لأنا إذا وزعنا الدرهم على المدين خص كل مد نصف درهم وإذا وزعنا المد مع الدرهم خص كل مد من المد الموزع نصفه فيصير بيع مد قيمته درهم بنصف مد قيمته نصف درهم ونصف درهم فيقع نصف المد بإزاء نصف المد ولا يؤدي إلى التفاضل كما يؤدي إلى التفاضل في الصورة الأولى . ونقل عن الإمام أبي محمد الجويني أنه قال : سمعت بعض من رجعت إليه من محققي العصر من أئمة أصحابنا يجوز هذا البيع ويحتج بتعليل الشافعي قال الإمام الروياني : وعندي أنه لم يسبق إلى هذا التخريج .

والذي عليه عامة أصحابنا قديما وحديثا أن البيع باطل هاهنا أيضا لأصل آخر سوى المعاملة . وذلك أن التحري في مسائل الربا ممنوع كما نص عليه قبل هذه المسألة والتقويم ضرب من التخمين ثم قال : وقال القاضي الإمام الطبري في المنهاج : لا يختلف المذهب أنه يجوز في هذه الصورة إذا تحققنا المماثلة وهو الصحيح ، وقد تحقق ذلك إذا اجتنيا من شجرة واحدة بحيث تتحقق المساواة ، ولا مجال للتحري في ذلك بوجه ، قال : والتشكيك في مثل هذا الموضع نوع من الوسواس وهذا أصح عندي والله تعالى أعلم .

ولذلك جزم الروياني في الحلية بأنه لو تحققت المساواة بأن اجتنيا من شجرة واحدة من غصن واحد يجوز ، ونقل عنه أنه قال في التجربة : إنه المذهب ، وغلط من قال بخلافه ، وكلهم فرضوا المسألة فيما إذا باع مدا ودرهما بمدين وشبهه ونقل القاضي حسين فيما إذا باع مدا ودرهما بمد ودرهم ، والمدان من نوع واحد والدرهمان من ضرب واحد وجهين ، وكذلك صاحب القيمة فيما إذا باع درهما ودينارا بدرهم ودينارين ، والدرهمان من ضرب واحد . أو باع صاع حنطة وصاع شعير بصاع حنطة وصاع شعير ، وصاعا الحنطة من صبرة واحدة ، وصاعا الشعير كذلك ، ونقل عن القاضي حسين أنه كان يختار الصحة في ذلك ، على أن كلامه في الأسرار يقتضي الفساد ، وهذا هو الأمر الثاني الذي وقع الخلاف فيه وهو أخص من الأول ، وإن كان بينهما بعض الموافقة ويمكن أن يكون خلافا واحدا . [ ص: 251 ] وإنما اختلفت العبارة في تصوير المسألة وإطلاق أكثر الأصحاب لم يفصلوا في ذلك ، وكذلك نصوص الشافعي المتقدمة إذا تأملتها لم يعتبر فيها القيمة إلا في اختلاف النوع ، وأما في اختلاف الجنس فإنه أطلق القول بالفساد ولم يقيده ، وهو مقتضى التمسك بحديث فضالة المذكور لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل عن قيمة الخرز الذي مع الذهب ، وهل يقتضي التوزيع تفاضلا أو لا فكان الحكم عاما ، وذكر الروياني من حجة المانعين أنه إذا باع درهما ودينارا بدرهم ودينار من ضرب واحد فالدينار يقابل ما يخصه من الدينار والدرهم معا . لو خرج الدينار مستحقا أو معيبا يرد بعض الدينار وبعض الدرهم باعتبار التقسيط بالقيمة . مثاله قيمة الدينار بعشرة دراهم معه درهم فالجميع أحد عشر . فنجعل الدينار أحد عشر جزءا فيسترد في مقابلة الدينار عشرة أجزاء من الدينار وعشرة أجزاء من درهم ، فيكون بين الذهب والفضة تفاوت في القيمة . فيحتاج أن يقسط الدينار على ما حصل في مقابلته من الدينار والدرهم وإذا قسطنا يؤدي إلى التفاضل أو الجهل بالتماثل . هذا كلام الروياني ويحتاج إلى تأمل . على أن الروياني لا يختار ذلك ، بل يختار الصحة كما تقدم عنه . والأول هو المشهور . المعتمد وقد صرح الروياني في الإبانة بذلك فقال : لا يصح - وإن قال أهل العلم - هما متفقان . لأنهم يخبرون عن الاجتهاد . وربما يتفاوت . عرف أن تقييد الشيخ بالمخالفة في القيمة وجه في المهذب . وإن كان الصحيح المشهور غيره .

( وأما ) الشيخ تاج الدين الفزاري في شرح التنبيه فإنه قال : إن ذكر المخالفة في القيمة لا معنى له فإن المخالفة فيها ليست شرطان بل لو كان التساوي مجهولا كفى في البطلان ولو كانت العجوة من شجرة واحدة وقيمة المد درهم بحيث يغلب على الظن جعل المد في مقابلة المد والدرهم في مقابلة المد الآخر فالمذهب البطلان قال : وفيه وجه يبعد حمل كلامه على إرادته لغرابة الوجه ولأن المصحح ثم اتفاق القيمة لا عدم اختلافها ثم هو غير مطابق للمثال . فإن الجنس العجوة . والعوض المخالف : الدرهم . ولا يقال في الدرهم : أنه مخالف في القيمة لأنه في نفسه قيمة فلو كان كمد عجوة ومد حنطة لكان أجود . [ ص: 252 ] قلت ) أما استبعاده إرادته لغرابته فليس كذلك . لأن القاضي أبا الطيب قاله كما علمت . وهو شيخ المصنف فلم يخف عنه وليس غريبا في حقه وأما كون المصحح على ذلك الوجه اتفاق القيمة لا عدم اختلافها فالمدرك الذي بنيت عليه المسألة هو التوزيع والتفاوت فيه شيء غير اختلاف القيمة فلذلك جعله وصفا في البطلان ولم يجعل عدم الاختلاف مصححا . على أنه متى كان شرطا فلا بد من تحققه . وليس بين تحقق عدم الاختلاف ووجود الاتفاق واسطة . فنبه الشيخ بذلك على الحالة التي أظهر فيها القول بالبطلان . وأما لو كان التساوي مجهولا فقد عرف من قواعد الربا أن الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة .

( وأما ) كونه لا يقال في الدرهم : أنه مخالف في القيمة فعبارة المذهب سالمة عن هذا ، فإن المخالفة في المذهب وصف للجنس المضموم إلى الدرهم ، لأنه مثل بمد عجوة ودرهم بدرهمين ، فالمضموم إلى الجنس الذي بيع بعضه ببعض هو العجوة ، وهو الموصوف بأنه يخالف الدرهم في القيمة ، وذلك صحيح ، فإن العجوة تخالف الدرهم في قيمتها بحسب ما فرض ، ومعنى ذلك أن قيمتها مخالفة للدرهم ، وليس معناه أنها مخالفة لقيمة الدرهم حتى يرد ما ذكره .

( وأما ) على عبارة التنبيه في أكثر النسخ المشهورة فإنه جعل مد عجوة ، فالمضموم هو الدرهم ، وقد قال : يخالفه في القيمة ، فمعناه أن الدرهم يخالف المد في القيمة ، فطريق الصحيح أن يجعل المعنى أن الدرهم يخالف المد في قيمة المد ، لا في قيمة الدرهم ، فإن هذه المناقشة واردة في كلام الشيخ مطلقا سواء حمل على ذلك أم لا ، ولو أتى بما ذكره من المثال لكان أوضح . واعلم أن ما قاله القاضي أبو الطيب ، وما حكاه القاضي حسين وصاحب التتمة يظهر أنه شيء واحد والمراد بذلك المثال أن تتفق القيمة حتى لا تؤدي إلى المفاضلة ، ويدل على هذا ما تقدم نقله عن المنهاج القاضي أبي الطيب حيث صوره فيما أخذ من شجرة واحدة ، قال ابن الرفعة : إلا أن يقال عند [ ص: 253 ] الاختلاف في الجانبين - يعني في مثال القاضي حسين : لا يحتاج إلى تقويم بخلافه من أحد الجانبين ، فإنها تحتاج فيه إلى التقويم ، وهو حدس وتخمين .

( قلت ) وذلك فرق ضعيف ، والظاهر أنه خلاف واحد ، فإن ثبت الفرق الذي لمحه ابن الرفعة ، وإلا كان في ذلك تظافر على اعتبار القيمة كما يقتضيه كلام المصنف ، ويكفي ما تقدم من كلام أبي الطيب وصاحب البحر والشيخ أبي محمد ، فإن في ذلك شاهدا لما ذكره المصنف . وقد أطلق العبارة بعض من تكلم على التنبيه ، ولم يقف على هذه النقول فقال : إنه خلاف إجماع أئمة المذهب ، وليس كما توهمه والله أعلم .

وأبو علي الفارقي تلميذ المصنف حكى الوجهين في المسألة وضعف الوجه القائل بالمنع فوافق المصنف فالله أعلم . وذكر ابن الرفعة أيضا في الخلاف الذي ذكره القاضي حسين وصاحب التتمة أن له عنده التفاتا أن من نصفه حر ونصفه عبد إذا قتل مثله هل يجب عليه القصاص ؟ فطريقة العراقيين جريان الخلاف ، وطريق المراوزة المنع وهي المصححة ( قلت ) وذلك غير متجه ، لأنه لا يوزع هناك ، فلا يلزم من ثبوت القصاص هناك لأجل المساواة الظاهرة جواز البيع هنا لضرورة التوزيع ولذلك نجزم بالمنع عند اختلاف القيمة بخلافه هناك والله أعلم .

وأطلق أئمة المذهب أيضا البطلان في جميع العقد إلا صاحب التتمة فإنه قال : لا يصح البيع عندنا في المد الذي مع الدرهم وفيما يقابله من المدين ، وفي الدرهم وما يقابله من الدرهمين ، وفي المد وما يقابله قولان .



وكذا إذا باع دينارا أو درهما بدينارين أو بدرهمين فالعقد في القدر الذي قابل الجنس باطل ، وفي الباقي قولان ووافقه على ذلك الروياني في البحر . قال الرافعي : ويمكن أن يكون كلام من أطلق محمولا على ما فصله وفيه نظر لأن التقسيط لو اعتبر في هذه المسألة لصح فيما إذا اتفقت القيمة ، والرافعي مع الجمهور في عدم الصحة ، فعلى ما قاله صاحب التتمة ومال إليه الرافعي لا وجه للإبطال ، لأنا إذا صححنا في الدرهم بمد بناء على تفريق الصفقة يبقى مد في مقابلة مد بغير زيادة ، فلو أبطلناه لكان بغير موجب . والعذر [ ص: 254 ] عن عدم تخريجه على تفريق الصفقة أن التقويم لما لم يكن معتبرا في الربويات لكونه تخمينا بطل اعتباره مطلقا ، فلا يعلم القدر المقابل من المدين للمد فيصير المقابل منهما للمد مجهولا ومن ضرورته أن يكون المقابل للدرهم مجهولا بخلاف الجمع بين العبد والحر ، فإن الشرع لم يسقط اعتبار التقويم فيهما . وحاول ابن الرفعة جوابا آخر عما قاله صاحب التتمة فقال : الفرق على طريقة الجمهور أن عند غيره غير قابل للصحة بحال لتميزه ، فأمكن قصر البطلان عليه ولا كذلك ما قابل الجنس ، فإنه قابل للصحة بالطريق الذي سلكه أبو حنيفة رحمه الله ، وإذا قبلها لم يكن قصر البطلان عليه ، وقرب مما إذا تزوج خمس نسوة في عقد لا يصح ، ولا يقول بطل في واحد ، وفي الباقيات قولا تفريق الصفقة . نعم صاحب الذخائر أغرب فقال في صحته في أربع نسوة : قولا تفريق الصفقة ، وعلى الجملة بالخبر يرد طريقة المتولي ، إلا أن يقول : كان الذهب فيه هو المقصود والخرز تابع فلذلك لم ينظر إليه .

( قلت ) وتمسكه في هذا الفرق بمسلك أبي حنيفة سهل على ضعفه . فإنا لا نخشى أن نجعل الجواب على مذهبنا مستندا إلى شيء لا نقول به والله أعلم .

( نعم ) إنما يقوى هذا البحث من القاضي أبي الطيب وموافقيه القائلين بالصحة عند اتحاد القيمة فعند اختلافها يمكن دعوى التخريج على تفريق الصفقة ثم فيه نظر من جهة أن هذا العقد صفقة واحدة وهي من عقود الربا فبطلت جملة ألا ترى أنه لو اشترى في العرايا أكثر من خمسة أوسق في عقد واحد أنه يبطل ولا يتخرج على تفريق الصفقة ؟ وعلله القاضي الماوردي بأنه بالزيادة على الخمسة قد صار مزابنة ، والمزابنة فاسدة ، ومع ذلك ففيه نظر يحتاج إلى مزيد تأمل . والله عز وجل أعلم . ويمكن أن يتمسك بحديث القلادة المذكورة في رد ذلك ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم منع ذلك ورده حتى يفصل وعلى ما قاله صاحب التتمة يبطل في الذهب وما يقابله من الذهب ، وفي الخرز وما يقابله قولا تفريق [ ص: 255 ] الصفقة ، فيستدل بالحديث على أحد الأمرين ( إما ) بطلان التخريج في ذلك على تفريق الصفقة ( وإما ) أن الصحيح أن الصفقة لا تفريق والله أعلم .

إذا تحذر المذهب في ذلك فقد وافقنا على المنع في هذه الرتبة من الصحابة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وروى محمد بن عبد الله الشعيثي عن أبي قلابة عن أنس قال " أتانا كتاب عمر ونحن بأرض فارس : لا تبيعوا سيوفا فيها حلقة فضة بالدراهم " وفضالة بن عبيد ، وقد تقدم الأثر الدال عنه على ذلك ، وروي فيه عن علي شيء محتمل ، وصح عن ابن عمر أنه كان لا يبيع سرجا ولا سيفا فيه فضة حتى ينزعه ثم يبيعه وزنا بوزن ، ومن البائعين ابن شهاب الزهري كان يكره أن يشتري السيف المحلى بفضة ، ويقول : اشتره بالذهب يدا بيد . وابن سيرين كان يكره شراء السيف المحلى إلا بعرض ويقول : إذا كانت الحلية فضة اشتراها بالذهب . وإن كانت الحلية ذهبا اشتراها بالفضة ، فإن كانت ذهبا وفضة اشتراها بالذهب وإن كانت الحلية ذهبا اشتراها بالفضة ، فإن كانت ذهبا وفضة فلا تشترها بذهب ولا بفضة واشترها بعرض . وشريح القاضي سئل عن طوق ذهب فيه فصوص أيباع بالدنانير ؟ قال تنزع الفصوص ثم يباع الذهب بالذهب وزنا بوزن ، وعن ابن سيرين والزبيري قالا جميعا : يكره أن يباع الخاتم فيه فضة بالورق ، وعن إبراهيم النخعي أنه كان يكره أن يشتري ذهبا وفضة بذهب . وقال حماد : أراد أن يشتري ألف درهم بمائة دينار ودرهم ، فمنع من ذلك وقال : لا ، ولكن اشتر ألف درهم غير درهم بمائة دينار ، وكل هذه الآثار بأسانيد صحيحة . وروي مثل ذلك أيضا عن سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد ، ووافقنا من الأئمة أحمد بن حنبل في المشهور ، وإسحاق وأبو ثور ، وخالفنا في ذلك جماعة .

روى المغيرة بن جبير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه " أنه أتاه رجل وهو يخطب فقال : يا أمير المؤمنين إن بأرضنا قوما يأكلون الربا . قال علي : وما ذاك ؟ قال يبيعون جامات مخلوطة بذهب وفضة بورق فنكس على رأسه [ ص: 256 ] وقال : لا . أي لا بأس به " المغيرة بن جبير ذكره البخاري في تاريخه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " لا بأس ببيع السيف المحلى بالدراهم " وعن إبراهيم النخعي قال : " كان خباب فينا وكان ربما اشترى السيف المحلى بالورق " وعن طارق بن شهاب قال " كنا نبيع السيف المحلى بالفضة ونشتريه . ومن البائعين الحكم بن عيينة سئل عن ألف دينار وستين درهما وخمس دنانير . قال : لا بأس ألف بألف والفضل بالدنانير " وعن الحسن وإبراهيم والشعبي قالوا كلهم : " لا بأس بالسيف فيه الحلية والمنطقة والخاتم بأن يبتاعه بأكثر ما فيه أو بأقل ونسيئة " وعن مغيرة قال " سألت إبراهيم النخعي عن الخاتم أبيعه نسيئة ؟ فقال : أفيه فص ؟ فقلت نعم . فكأنه هون فيه " وهذا فيه بعض المخالفة لما تقدم عن إبراهيم .

ويمكن الجمع بينهما إن كان يفرق بين أن يكون المضموم إليه ربويا أو غيره . وعن ابن سيرين وقتادة " لا بأس بشراء السيف المفضض والخوان والقدح بالدراهم " وعن حماد بن أبي سليمان سئل عن السيف المحلى يباع بالدراهم فقال لا بأس به . هذه من طريق الرواية المتقدمة عنه في الموافقين من طريق حماد بن سلمة وروي عن سليمان بن موسى ومكحول مثل ما روي عن هؤلاء . وعن الشعبي أنه كان لا يرى بأسا بالسيف المحلى يشترى نقدا ونسيئة ويقول : فيه الحديد والحمائل . وعن الحكم بن عيينة في السيف المحلى يباع بالدراهم إن كانت أكثر من الحلية فلا بأس به ومثله أيضا عن الحسن وإبراهيم وهو قول سفيان وعن إبراهيم النخعي قول آخر في الذهب والفضة يكونان جميعا . قال لا يباع إلا بوزن واحد منهما كأنه يلغي الواحد .

( وأما ) الأئمة بعدهم فقال الأوزاعي : إن كانت الحلية تبعا وكان الفضل في الفضل جاز بيعه بنوعه نقدا وتأخيرا . وقال مالك : إن كانت فضة السيف المحلى بالفضة والمصحف كذلك والمنطقة أو خاتم الفضة يقع في الثلث من قيمتها من النصل والغمد والحمائل ، ومع المصحف ومع الفص ، وكان حلي النساء من الذهب والفضة تقع الفضة أو الذهب في ثلث القيمة ، الجميع مع الحجارة ، ما قل جاز بيع كل ذلك بنوعه أكثر مما فيه ، ومثله وأقل نقدا ، ولا يجوز نسيئة ، فإن كان أكثر من الثلث لم يجز أصلا . [ ص: 257 ] وقال أيضا : لا يجوز بيع غير ما ذكرنا يكون فيه فضة أو ذهب بنوع ما فيه منهما ، قل أو كثر ، كالسكين المحلاة بالفضة أو الذهب أو السرج كذلك ، وكل شيء كذلك ، إلا أن يكون ما فيه من الفضة والذهب إذا نزع لم يجتمع منه شيء له بال ، فلا بأس حينئذ ببيعه بنوع ما فيه من ذلك نقدا أو بتأخير وكيف شاء . وقال أبو حنيفة : كل شيء يحلى بفضة أو ذهب فجائز بيعه بنوع ما فيه من ذلك إذا كان الثمن أكثر مما في المبيع من الفضة أو الذهب ، ولا يجوز بمثل ما فيه من ذلك ولا بأقل ، ولا بد من قبض ما تقع الفضة أو الذهب من الثمن قبل التفرق ، وجوز أن يباع مد عجوة ودرهم بمدي عجوة وشبهه . وقال : يكون المد في مقابلة المد ، والمد الآخر في مقابلة الدرهم . حتى قال : لو باع مائة دينار بدينار في خريطة مع الخريطة جاز ، ويكون دينار من المائة في مقابلة الدينار وبقيتها في مقابلة للخريطة ، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من حجته والجواب عنها . وتكلموا على الحديث الذي اعتمدنا عليه بالاختلاف في طرقه ، وبأنه يحتمل أن يكون الذهب الذي في القلادة أكثر من الذهب الذي هو الثمن ، واعتضدوا في ذلك بالرواية التي فيها أنه فصلها فجاءت اثني عشر دينارا ، وقد تقدم الجواب بأنها قصتان ، وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم " لم يستفصل " وأناط المنع بوصف وهو عدم التمييز ، فدل على أنه هو العلة لا غيره . وأما الراوي قال : إنما أردت الحجارة . فحمله على أن الذهب فيها كان أكثر من الذهب الذي هو ثمن بعيد . والله أعلم .

وعن طاوس أنه لا بأس بدينار ثقيل بدينار أخف منه ودرهم . وعن الحكم في الدينار الشامي بالدينار الكوفي وفضل الشامي فضة . قال : لا بأس به . وعن مجاهد قال : لا بأس به . وعن إبراهيم أنه كرهه . وعن ابن سيرين أنه سئل عن مائة مثقال بمائة دينار وعشرة دراهم فكرهه . روى ذلك ابن أبي شيبة ، ومعنى فضل الشامي فضة أن الشامي أثقل من الكوفي فيأخذ بالفضل فضة . وصح عن سفيان الثوري من طريق ابن أبي شيبة أيضا أنه كره عشرة [ ص: 258 ] دراهم بتسعة وفلس ولم ير بأسا بعشرة دراهم بتسعة دراهم وذهب ، ولم أفهم الفرق بين الصورتين من جهة كون الذهب نقدا والفلوس ليس بنقد



( فرع ) من هذه المرتبة باع خاتم فضة فيه فص بفضة لا يجوز . وإن باعه بذهب ففيه القولان في الجمع بين بيع وصرف ، وهو نظير ما ذكره الشافعي في العبد إذا كان معه دراهم وباعه ، وبيع الذهب الإبريز بالهروي ، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى . والله أعلم ومن فروع قاعدة مد عجوة بعض المختلط كالسكر ببعض اللبون إذا بيع بمثله باطل قاله الإمام : قال الروياني : كل ما خلط من شيئين فلا يجوز بيع بعضه ببعض .



فصل : المرتبة الثانية من قاعدة مد عجوة أن يختلف النوع أو الصفة من الطرفين أو من أحدهما كما إذا باع مد عجوة ومد برني بمدي معقلي ، أو قفيز طعام وقفيز طعام رديء ، بقفيزين من طعام جيد أو رديء ، أو جيد ورديء أو باع مائة دينار جيد ومائة دينار رديء بمائتي دينار جيد أو رديء أو وسط أو مائة دينار جيدة أو مائة دينار رديئة أو دينارا قاسانيا ودينارا سابوريا بقاسانيين أو سابوريين أو بقاساني وسابوري ، أو قاساني وإبريزي بقاسانيين ، أو إبريزيين ، أو قاساني وإبريزي ، أو دينارا صحيحا ودينارا مكسورا بدينارين صحيحين أو مكسورين أو صحيح ومكسور ، أو ذهب درة بيضاء وذهب درة حمراء بذهبي درة بيضاء أو حمراء أو دراهم صحيحة وغلة بدراهم صحاح وغلة ، أو دينارا مغربيا ودينارا سابوريا بدينارين مغربيين ، أو حنطة حمراء وسمراء ببيضاء . وإلى هذه المرتبة أشار الشافعي رضي الله عنه بمسألة المراطلة التي قال فيها : ولو راطل بمائة دينار عتق مروانية ومائة دينار من ضرب مكروه بمائتي دينار من ضرب وسط . وبقوله في مختصر البويطي : إذا صارفه خمسين قطاعا وخمسين صحاحا بمائة صحاح ، وبقوله في الإملاء والأم الذي تقدم نقله عنه في التمر البرني والعجوة أو اللوز بالصيحاني ، والمشهور عند جمهور الأصحاب البطلان في هذه المرتبة أيضا وإلحاقها بالمرتبة الأولى ، وقد عرفت قوله في مختصر البويطي . وقد قيل : ويجوز خمسون قطاعا [ ص: 259 ] صحاحا بمائة صحاح . وهذا القول الظاهر أن المراد منه قول بعض الأئمة المتقدمين كما ذكره في الإملاء وليس بقول للشافعي فلذلك لا يحكى عن الشافعي خلاف في ذلك .

وهل هو من نقل الشافعي أو البويطي ؟ ظاهر كلام القفال الثاني ، فإنه قال : ما حكى البويطي أنه يجوز فليس بشيء ، والأقرب أنه من كلام الشافعي ، لأنه في الإملاء ، ووافق القفال على أن ذلك من كلام البويطي صاحب التلخيص ، وجعله عائدا إلى جميع صور اختلاف النوع في التمر والنقد وقد حكي وجه في طريقة الخراسانيين روي عن حكاية صاحب التقريب وغيره أن صفة الصحة في محل المسامحة ، ورأى أن التفاوت في الصحة لا يضر وحكى الفوراني وغيره وجهين في بيع الصيحاني والبرني بالصيحاني ، أو بالبرني والصيحاني ، وفي بيع الصحيح أو المكسور بالصحيح أو المكسور أو بهما ، وفي الجيد والرديء بالجيدين أو الرديئين وأشار القاضي حسين إلى حكاية هذا الوجه في الصحيح والمكسور ، وحكاية القفال في شرح التلخيص عن بعض أصحابنا ، لكن حكاه في صورة بيع الصحيح بالمكسور والصحيح وسكت عنه ، وعلله بأن صاحب الصحاح حاك وحكاه في مسألة بيع الصحاح والمكسر بالصحاح والمكسر ورد عليه وأما مسألة بيع الصحاح والمكسر بالمكسر فجزم بالبطلان ولم يحك فيها خلاف والقياس جريانه وجزم القفال أيضا في مسألة الدنانير العتق والجدد بمثلها أو بجدد أو عتق بالبطلان ، وصرح صاحب البيان بحكاية الوجه عن بعض أصحابنا الخراسانيين في نوعي الجنس الواحد مطلقا ، وقد تقدم مني التنبيه في فرع ذكره القاضي أبو الطيب إذا اشترى دنانير بدنانير فوجد ببعضها عيبا من جنسها كان البيع باطلا . وخالفه الشيخ أبو حامد والمحاملي والماوردي ، ونبهت على أن مخالفتهم إنما تتم إذا فرعنا على هذا الوجه ، مع أنهم في هذا الموضع صرحوا بأنه لا يجوز بيع الجيد والرديء بالجيد والرديء ، وابن الصباغ قال في ذلك : إن الذي يجيء على المذهب ما قاله القاضي أبو الطيب والأمر كما قال ، وهذا الوجه موافق لمذهب أبي حنيفة رحمه الله وأحمد في المشهور من مذهبه ، غير أن أبا حنيفة طرده عند اختلاف الجنس كما تقدم على التفصيل المذكور [ ص: 260 ] وهذا القائل من أصحابنا وأحمد لم يطرداه ، بل خصاه باختلاف النوع لا غير وصاحب التقريب قصره على الصحيح والمكسور وكذلك إمام الحرمين وافق على ما قاله صاحب التقريب .

وقال : إن التوزيع في أصلها باطل عندي ، وهو في هذه الصورة نهاية الفساد ، فإن الصفقة إذا انطوت على عشرة من جانب ، نصفها مكسورة وعلى عشرة على هذا الوجه من الجانب الثاني ، فتكلف التوزيع في هذا غلو واشتغال بجلب التفاضل على مكلف ، وقد صارت المماثلة محسوسة بين الجملتين ثم هو في وضوحه في المعنى يعتضد بما يقرب ادعاء الوفاق فيه ، فما زال الناس يبيعون المكسرة بالصحاح ، والمكسرة لو قسمت لكان فيها قطع كبار وصغار والقيمة تتفاوت في ذلك تفاوتا ظاهرا . ثم لم يشترط أحد تساوي صفة القطاع فقد خرجت هذه المسائل على ما ذكرناه أولا ، فمن راعى التوزيع أفسد البيع ومن تعلق بما ذكرناه حكم بالصحة لتحقق تماثل الجملتين . ولأجل هذا الكلام من الإمام قطع المرغيناني - على ما حكي عنه في فتاوى النهاية - بالصحة وهو المختار لما سنذكره ، وأشار الغزالي في الوسيط إلى ترجيحه .

وقال في البسيط : إن القياس الصحة قال : ولا يزال الناس يتبايعون الدراهم وهي تشتمل على الصحاح والمكسرات ، والمكسرات منها تشتمل الكبار والصغار وكذلك الدنانير تشتمل على أنواع مختلفة يعرف الصيارف صرفها ، وفضل بعضها على بعض ، ولم يتكلفوا قط تمييزها ، وكذلك التمر إذا بيع بالتمر ، ويشتمل الصاع على تمرات رديئة وأخرى جيدة ، ولو فصلت لتفاوتت قيمتها ، وإبطال بيعها بعيد واعلم أن هذه المسائل التي استشهد بها فيها توقف ، لأن صاحب التتمة ثم صاحب البحر ذكر أنه إن ميز بين صغار التمر وكباره فباع صاعا من الصغار ، وصاعا من الكبار ، بصاع من الصغار وصاع من الكبار ، فالحكم كالحكم فيما لو باع درهما ودينارا بدرهم ودينار وهما من ضرب واحد ، فأما إذا لم يميز بين الصغار والكبار ولكن أراد أن يبيع صاعين بصاعين ، فلا شك أنه يشتمل كل عوض على الصغار والكبار . فما حكم العقد ؟ اختلف [ ص: 261 ] أصحابنا فمنهم من قال : إذا كان بين أحد العوضين تفاوت لا يصح العقد ، وإن لم يكن متميزا ، والشرط في بيع مال الربا بجنسه أن تتساوى أجزاء كل واحد من العوضين لأن الاختلاف بين الأجزاء يقتضي أن يفرد البعض ، وتحقيق المقابلة والتقسيط يؤدي ذلك إلى الربا ، وهو اختيار القاضي الإمام حسين .

ومن أصحابنا من قال : إذا باع صاعا بصاع ، وفي كل واحد منهما صغار وكبار إن كانت الصغار ظاهرة فيما بين الكبار ، بحيث يتعين ذلك للنظار ، لكنه من غير تأمل ، فلا يصح العقد ، وإن لم تكن الصغار ظاهرة فيها بين الكبار فالعقد صحيح وصالح كما لو باع أرضا وفيها معدن ذهب بذهب ، إن كان المعدن ظاهرا لا يصح العقد ، وإن لم يكن ظاهرا يصح العقد ، فعلى هذا يحتاج أن يفرق بين أن تكون الصغار مختلطة بالكبار ، وبين أن تكون مفردة ، لأنه لو التقط الصغار عن الجملة وميزها عنها ثم باع الصغار والكبار بالصغار والكبار فيكون الحكم على ما تقدم ، والفرق أن عند التمييز كل نوع مقصود في نفسه وعند الاختلاط الجملة مقصودة ، وكل نوع في نفسه غير مقصود ، وتظهر هذه المسألة أن عند الاختلاط لو باع صاعين بدرهمين ثم خرج أحد الصاعين مستحقا يسترد بإزائه درهما من الجملة وإذا كانت الصغار مفردة عن الكل فخرج كل أحد القسمين مستحقا لا يسترد بإزائه درهما من الثمن ، وإنما يسترد ما يقابله باعتبار القيمة انتهى كلام صاحب التتمة ، وملخصه عند عدم التمييز وجهان ( أحدهما ) لا يصح مطلقا ( والثاني ) إن كانت ظاهرة تظهر من غير تأمل لم يصح . والأصح الوجهان ضعيفان ، والصواب الصحة مطلقا عند عدم التمييز ، سواء ظهرت أم لم تظهر ، فإن في صحيح مسلم " { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري ، فاستعمله على خيبر فقدم بتمر جنيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل تمر خيبر هكذا ؟ قال : لا والله يا رسول الله ، إنا نشتري الصاع بالصاعين من الجمع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تفعلوا ، ولكن مثلا بمثل أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا ، وكذلك الميزان } " وجه الدلالة أن الجمع اسم لما يجمع أنواع التمر ، وقد خيره النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 262 ] بين أن يشتري صاعا من الجنيب بصاع منه ، وبين أن يشتري بثمنه ، ولم يفصل النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يكون بعض الأنواع ظاهرا من ذلك أو لا ، مع أن الجمع يظهر الاختلاط فيه ، وإن كان غير متميز والله أعلم وأما إذا كان كل نوع متميزا منفصلا ففي إلحاقه بما يدل عليه الحديث نظر أن المختلط لا يوزع أهل العرف الثمن عليه ، بل يقومون شيئا واحدا والتمييز يقوم أهل العرف كل واحد على حدة والله أعلم .

وبما ذكرته وما قاله صاحب التتمة يظهر وجه الاعتراض على ما استشهد به الإمام والغزالي ، فعند عدم التمييز ألحق ما قاله الإمام استدلالا بالحديث وهو الذي أورده صاحب التهذيب وعند التمييز الصحيح عند جمهور الأصحاب البطلان . قال الروياني : وأصحاب أبي حنيفة يلزمون هذه المسألة فيقولون : إن خلط الصيحاني بالبرني أو الكبار بالصغار ثم باع صاعا بصاع يجوز عندكم ، ولو أفرد كل واحد ثم باع لم يجز قال : وهذا مشكل إن سلمنا ، والصحيح ما ذكرنا ، يعني من التفصيل الذي ذكره هو وصاحب التتمة والله أعلم .

( وجه الاعتراض ) على ما استشهد به الإمام والغزالي والصحيح عند جمهور الأصحاب البطلان وهو مذهب مالك ، واختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة ، وعن أحمد رواية بمنع ذلك في النقد ، وتجويزه في التمر ، لأن الأنواع في غير الأثمان يكثر اختلاطها ويشق تمييزها . ثم إن صاحب التقريب على ما قاله الإمام احترز في الوجه الذي حكاه عن مسألة نص الشافعي رضي الله عنه في المراطلة بما يقتضي عدم طرده فيها . فإن الشافعي فرض مسألة المراطلة في العتق وهي نفيسة . والمروانية وهي دونها . ثم فرض من الجانب الثاني مائتي دينار وسطا حتى لا يتحقق معنى المسامحة ، وإذا لم يتحقق ذلك اقتضى العقد من الشقين طلب المعاينة ، وهذا يقتضي التوزيع وهو يفضي إلى التفاضل لا محالة ، فلأجل ذلك لا يعرف خلاف في مسألة المراطلة ، وإن نقل الخلاف في مسألة الصحاح والمكسرة ولكن إمام الحرمين قال : إن قياسه يقتضي القطع بالصحة في مسألة المراطلة قال : وما ذكرته في هذه الصورة من التصحيح رأي رأيته وهو [ ص: 263 ] خارج عن مذهب الشافعي رحمه الله وأصحابه ، وتابعه الغزالي في البسيط وقال : إنه ليس يتبين فرق بين مسألة المراطلة وبين ما لو باع خمسة مكسرة وخمسة صحيحة بمثلها . وقد ذكر الأصحاب في هذه المسألة خلافا ولم يذكروا في مسألة المراطلة خلافا ، ثم قال في آخر كلامه : هذا نقل المذهب ووجه الإشكال ، وقد قال القرافي في كتابه المسمى - بمآخذ الأشراف ، على مطالع الإنصاف في مسائل الخلاف - إن الطريقة المتقدمة يعني طريق التوزيع والجهل بالمماثلة لا تأتي في مسائل هذه المرتبة كمسألة المراطلة ، ومسألة الصحاح والمكسرة .

وقال ابن أبي الدم في قول القاضي أبي الطيب بصحة العقد : إذا علمنا أن قيمة المد مثل الدرهم كما تقدم أنه قريب من مسألة المراطلة التي خالف الإمام صاحب المذهب فيها ، فإن للنظر فيها مجالا ، وذلك أنه إذا راطل مائة رطل مائة دينار عتق ومائة مروانية بمائتي دينار وسط ، فإن فرض مساواة الوسط للمائتين العتق وللمروانية في القيمة صح العقد كما هو مذهب القاضي أبي الطيب ، وإن فرض التفاضل أو الجهل بالتماثل وجب القول بالفساد قطعا ، يعني على رأي الإمام أيضا لما ذكره من العلة . قال الغزالي : ويتجه لهم - يعني للخصم - في هذه الصورة التمسك بقوله عليه السلام : " { الذهب بالذهب وزنا بوزن وقد قال في آخر الحديث جيدها ورديئها سواء } " ( قلت ) لم أر هذا اللفظ في حديث والحنفية استندوا إلى حديث عبادة كذا في شرح المرغيناني والله أعلم قال : وحققوا ذلك بأن الواجب مقابلة الذهب بالذهب بوزن العين لا برعاية الصفة ولو روعيت الصفات لما تصور تصحيح بيع صاع من تمر ، إذ ما من صاع إلا ويشتمل على تمرات رديئة مختلفة ، لو ميزت لاختلفت قيمتها ، وذلك مما لا يرعاها الشرع قطعا ، ولا فرق بينها وبين محل النزاع ، فإنه لازم على مساق المذهب ، فنقول : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " جيدها ورديئها سواء " فإن كان حديثا أراد به ما إذا اتحد الجنس ، فأما إذا اختلف النوع فهو مستخرج بالدليل ، وهو أن المماثلة في المعاملة قد تعبدنا بها والتوزيع يفضي إلى مفاضلة لا محالة بدليل أن الدينار الجيد لو كان لواحد والدينار الرديء لآخر لا يتقاسمان الدينارين بالسوية ، بل [ ص: 264 ] يستحق صاحب الجيد زيادة ، ولا يستند استحقاقه لملك الزيادة إلى القسمة إذ القسمة إفراز للحق لا يزيد به الحق ولا ينقص ، فليس ذلك إلا لاقتضاء العقد ، هذه المقابلة عند تعدد العاقد ، فلا تختلف المقابلة باتحاد العاقد ثم قال : هذا طريق التوزيع ، وفيه غموض لا ينكره من تأمله .

وهو الاستدلال الذي استدل به القرافي لهم من الحديث . وقد ذكره كذلك المتقدمون والمتأخرون من الموافقين والمخالفين . وذكروا أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة " { لا تبيعوا الذهب بالذهب إلى أن قال إلا مثلا بمثل سواء بسواء } " قالوا : ما جاز بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب سواء بسواء ، ولم يفرق بين أن تجمع الصفقة نوعا واحدا أو نوعين ، وكذلك قال في الطعام " إلا كيلا بكيل " قالوا : ولأنه إما أن يكون الاعتبار المساواة في المقدار أو في القيمة لا جائز أن تكون في القيمة ، لأنه لا خلاف أنه إذا باع درهمين صحيحين بمكسورين يجوز وإن كانت قيمة الصحاح أكثر ، وأجاب الشيخ أبو حامد وغيره بأن الخبر حجة لنا ، لأنه قال : " إلا سواء بسواء " وليس سواء بسواء ، وإنما جاز في الدرهمين الصحيحين بالمكسورين ، متفق وليس كذلك في مسألتنا . وأما اعتبار المماثلة فإنما التماثل بالقدر ، غير أن القيمة كما قال الماوردي يعرف بها تماثل القدر وتفاضله ، والله أعلم .

وبعد أن ذكر الجوري طريق التوزيع قال : واستدل المديني بهذا الدليل ثم ذكر أنه لابن سريج وزعم أنه تعد ، لأنه يلزمه المنع من صاعي برني بصاعي سهريز بجواز أن يستحق أحدهما صاعي السهريز فيرجع صاحبه بقيمته من البرني ، وهو نصف صاع ، فيصير إلى أن أعطى صاعا ونصفا برنيا بصاع من سهريز . قال : فإن كان اقتحم المنع من ذلك ، ولا أراه فاعله ، لزمه أن لا يجيز التمر بالتمر حتى يكونا متماثلي القيم ، على أنه قد تنخفض قيمتهما بعد ذلك فيدخل ما خافه ، وهذا الاعتراض ضعيف لأن صاع السهريز مقابل بصاع من البرني لا غير وقد أبطله الجوري ، وبسط الكلام في إبطاله والله أعلم .

واعلم أن المرتبة الأولى اعتضدنا فيها بحديث القلادة ، وأما في هذه المرتبة فلا دلالة فيه ، لأن القلادة اختلف الجنس فيها فلم يبق لها هنا إلا [ ص: 265 ] التمسك بالمعنى والنظر في إلحاق هذه المرتبة بالأولى ولذلك خالف في هذه بعض من وافق في الأولى ، ومذهب مالك في مسألة المراطلة كمذهب الشافعي رحمهما الله . قال ابن عبد البر : وأما الكوفيون والبصريون فجائز ذلك كله عندهم ، لأن رديء التمر وجيده لا يجوز إلا مثلا بمثل .



( فروع ) قال الماوردي : إذا باع مائة درهم صحيحا ومائة درهم غلة بمائة درهم صحاح ومائة درهم غلة فإن اختلف جوهر الصحاح من هذا العوض وجوهر الغلة من هذا العوض لم يجز ، وإلا فوجهان . وهذا يبين محل الخلاف وهو ما إذا كانت راجعة لأمر زائد على جوهر العوضين أما إذا اختلف جوهر العرض مع المضموم فيبطل جزما . هكذا يقتضيه هذا الكلام .



( فرع ) ذكر القاضي أبو الطيب في مسألة المراطلة علة الجواز في بيع الدينار الجيد بالرديء أن أجزاء الجيد متساوية القيمة ، وأجزاء الرديء متساوية القيمة ومقتضى هذه العلة أنه لو فرضت الرداءة في طرف من الدينار - وبقيته جيد - أنه لا يجوز بيعه بجيد ولا رديء ولا بمثله ، والظاهر خلافه ، لأن الدينار شيء واحد لا يوزع الثمن على أجزائه بالقيمة ، وإنما يقصد جملته ، ولو فرض اختلاف رداءته كالصاع من التمر المختلط . والله أعلم



( فرع ) أطلق صاحب التلخيص تبعا للشافعي وللأصحاب أنه لو باع عتقا وجددا بعتق وجدد متماثلين في الوزن لم يجز وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا اختلفت قيمة العتق والجدد أو كان الغرض يختلف بها . أما إذا لم يختلف كما هو الواقع اليوم ، فينبغي أن لا يضر ذلك .

( فرع ) جعل نصر المقدسي من جملة الأمثلة في هذه المرتبة : دينار صحيح ودينار رباعيات بدينارين صحيحين أو رباعيان . قال : وكذلك في الدراهم ( قلت ) ومقتضى ذلك أنه لو باع درهما بنصفين وزنهما [ ص: 266 ] درهم لم يجز ، وإن كان الرواج واحدا وهو يبين مرادهم بالمكسور ، وإنما نبهت على ذلك لأنه قد يتوهم أن المكسور والمقطوع الذي لا يروج رواج الصحيح وكذلك عن نصر رحمه الله تعالى من هذه المرتبة مد حنطة شامية ومد حنطة مصرية بمدين مصريين أو شاميين في أنه من كلام الشافعي فلينظر



( فرع ) من فروع هذه المرتبة لو باع ذهبا مصوغا وذهبا غير مصوغ بذهب ، مقتضى المذهب أنه لا يجوز لأن الثمن يوزع عليهما ، لأن المصوغ متقوم مخالف لغير المصوغ أما لو باع ذهبا مصوغا بذهب غير مصوغ جاز ، ونقلوه عن نص الشافعي .

( فائدة ) قال صاحب التلخيص : الربا لا يقع من طريق القيمة إلا في أربعة مواضع . وذكر هذه الأمثلة المتقدمة في قاعدة مد عجوة ، وأنت إذا وقفت على ما تقدم علمت أن ذلك ليس اعتبارا للقيمة فحسب ، والله أعلم .



( فرع ) أطلق صاحب التهذيب والرافعي أنه إذا خلط الجيد بالرديء أو الحنطة النقية بالبخسة ثم باع صاعا منه بمثله أو باع بصاع رديء جاز ، لأن أحد النوعين إذا لم يتميز عن الآخر لا يوجب التوزيع بالقيمة ، بل تتوزع الأجزاء فيصير كما لو باع جيدا برديء فيحتمل أن يكون مراده ما قاله صاحب التتمة فيما تقدم ، إذا لم يظهر من غير تأمل ، ويحتمل أن يكون مطلقا كما أخبر به استدلالا بالحديث ، وقياس ذلك أنه إذا خلط نوعين من الذهب وضربهما دينارا واحدا أو خلطه بمثله ، أو خلط دنانير أو دراهم من نوعين حتى صارت لا تتميز ثم باعها بمثلها يصح ، فلو خلط جنسا بجنس آخر ثم باعه بأحدهما ، مقتضى كلام القاضي حسين أنه يصح أيضا فإنه قال بعد أن ذكر أن التمر الهندي مع التمر البصري جنسان ، قال وبيع مدي كرماني ومد بصري بمد تمر شحري إن كان متفردا يجوز وإن كان مجتمعا لا يجوز .

( قلت ) ومراده بالشحري الهندي ، وأما الكرماني فيتعين أن يكون مراده به نوعا من الهندي ، لأنه لو كان نوعا من البصري جاز مطلقا لاختلاف [ ص: 267 ] الجنس ، وإن كان نوعا من الهندي فقد باع الهندي بالهندي مع جنس آخر ، فإن كان الاختلاط مسوغا كذلك فليكن مسوغا في سائر صور اختلاف الجنس ، كقمح وشعير ، والمعروف أنه لا يجوز ، والله أعلم .



( فرع ) إذا ثبت أن اختلاف النوع نص كما هو المذهب المشهور ، فيصير بيع الربوي بجنسه مشروطا بأربعة شروط ( الحلول والتماثل والتقابض وكون كل عضو من نوع واحد ) وقد نبه أبو حامد في الرونق على ذلك ، وجعل هذا الشرط الرابع من شروط الصرف ، وكذلك المحلي في اللباب ، وما أقدر الكتابين أن يكونا كتابا واحدا ثم لننبه لأمور ( أحدها ) أن الأصحاب أطلقوا اختلاف النوع واختلاف الصفة ، ولم يبينوا النوع من الصفة وكأن المراد بالصفة الجودة والرداءة والصغر والكبر ، والمراد بالنوع اختلاف أنواع التمر وشبهه ، لكن عد الصحة والتكسير في الوصف أقرب من عدها في النوع ، والأمر في ذلك قريب ، فإن الحكم متحد فإن المذهب المشهور المنع في الجميع والوجه الذي حكاه الفوراني الجواز في الجميع ، نعم وجه صاحب التقريب مختص بالصحاح والمكسرة واحترز فيه كما تقدم عن مسألة المراطلة وما يظهر بين الصحة والتكسير ، وبين الجودة والرداءة منقدح ، والله أعلم .

( الثاني ) أن اختلاف القيمة هل يشترط في النوعين كما قيل به في الجنسين على وجه ؟ قد علمت ما يقتضيه كلام الشافعي في ذلك وأن ظاهره الاشتراط وقد شرطه المصنف في التنبيه ، ولا شك أن كل من شرطه في الجنسين ففي النوعين أولى ، وقد اشترطه ابن الصباغ هنا وإن لم يتعرض له عند اختلاف الجنس ، وهو أقرب إلى كلام الشافعي رحمه الله والأصحاب ( الثالث ) الألفاظ التي وقع التعرض لها في كلام المصنف في هذا الفصل " النوع " قال ابن سيده : الضرب من الشيء . وقال الجوهري : النوع أخص من الجنس والعجوة ضرب من أجود التمر بالمدينة ونخلتها تسمى لينة قاله الجوهري وقال ابن الأثير : أكبر من الصيحاني يضرب إلى السواد من غرس النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الأزهري : إن الصيحاني الذي [ ص: 268 ] يحمل من المدينة من العجوة . والبرني - بضم الباء - ضرب من أجود التمر . قاله الجوهري .

وفي الحديث " { أمر أن يؤخذ البرني في الصدقة } " والبردي بالفتح نبات معروف . قاله الجوهري . واللون قال الهروي النخل كله ما خلا البرني ، والعجوة يسميها أهل المدينة الألوان . وفي حديث عمر بن عبد العزيز أنه كتب في صدقة التمر أن يؤخذ في البرني من البرني وفي اللون من اللون . قالوا : اللون ألذ . قال : وجمعه الألوان . وقال الجوهري : اللون النوع . واللون ألذ . قال : وهو ضرب من النخل ، والصيحاني قال الجوهري : ضرب من تمر المدينة ، وقال الأزهري : الصيحاني من جملة ألوان العجوة جنس معروف ، وهو ألوان . وهذا الصيحاني الذي يحمل من المدينة من العجوة والبرني قال الجوهري : ضرب من التمر والحشف . قال ابن فارس : هو أردأ التمر ، يقال " أحشفا وسوء كيلة " وقال إبراهيم الحربي : الحشف فاسد التمر أخبرني أبو نصر عن الأصمعي قالا : الحشفة الواحدة من رديء التمر ، والحشفة القطعة من الجبل الغليظة . عن ابن عباس قال " كانت الأرض كلها ماء فبعث الله تعالى ريحا فنسخت الأرض حتى ظهرت حشفة ، فخلق الله تعالى منها بيته " والحشفة الكمرة والعاتق . فهي مشتركة بين هذه المعاني . والحشيف الثوب الخلق ، والجمع : قال الدارقطني : يقال كل شيء من النخل لا يعرف اسمه فهو جمع . وكذلك قال الرافعي وابن سيده في المحكم قال : كل لون من التمر لا يعرف اسمه . قال وقيل : هو التمر الذي يخرج من النوى .

وقال ابن وهب عن مالك : والقاساني - بفتح القاف وسكون الألف والسين المهملة أو الشين المعجمة وبعد الألف نون - قال ابن السمعاني : هذه النسبة إلى قاسان ، وهي بلدة عند قم ، وأهلها شيعة ينسب إليها جماعة من العلماء .

والسابوري - بفتح السين المهملة وضم الباء الموحدة بعد الألف وبعدها الواو وفي آخرها راء - هذه النسبة مشتركة بين ثلاثة [ ص: 269 ] أشياء : نسبة إلى سابور بلدة بفارس . قال ابن السمعاني : وظني أنها حد نيسابور كان بها جماعة من أهل العلم ، ونسبة إلى جد اسمه سابور منهم جماعة من أهل العلم أيضا ( والثالثة ) نسبة إلى ملك من ملوك العجم ، وهو سابور المشهور بذي الأكتاف بن هرمز بن موسى بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك بن ساسان وهو الذي ينتهي إليه آخر ملوك الفرس الذي وافى سعد بن أبي وقاص وهو يزدجرد بن شهريار بن كسرى بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام حور بن يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف . وهؤلاء كلهم ملوك . وجعل ابن الرفعة سابور ههنا بنيسابور ، وقال الشيخ تاج الدين الفزاري : إنه الملك .

والقراضة القطع ، تقرض من الدينار للمعاملة في صغار الحوائج وهي تنقص عن الصحاح ، ويجوز فيها في كلام المصنف في الموضعين ، الجر على الصفة ، والنصب على التمييز ، وقد اشترط ابن الصباغ في البطلان أن يكون المكسر المضموم إلى الصحيح قيمته دون قيمة الصحيح وذلك تفريع على رأيه في اعتبار القيمة ومقتضى إطلاق الأكثرين ، وعدم اعتبارهم القيمة أن لا فرق ويوافقه قول نصر المقدسي في التهذيب أنه لا يصح بيع دينار صحيح ودينار رباعيات بدينارين صحيحين إلا أن يكون ذلك معروضا في رباعيات تخالف قيمتها قيمة الصحيح فإن ثبت أنه لا فرق فيجب طرد مثله في درهم ونصفين بدرهمين والصحيح " " البغلية " " والمروانية " " والهاشمية العامة " " والحدث أو المحدثة " " والرديء إما بانمحاء السكة أو بعدم الطبع أو بنقصان الوزن ، كذلك قال الفارقي ، وليس الرديء هو المغشوش بغير الذهب ، فإن ذلك هو مسألة مد عجوة بعينه لأنه يشتمل على ذهب وغيره ، والعتق النافقة " " والضرب المكروه " " والضرب الوسط " " والقطاع أظنها القراضة ، وقد تقدم من كلام بعض الأصحاب ما يقتضي أن الرباعيات منها [ ص: 270 ] ولعله محمول على ما إذا اختلفت القيمة والرواج ، أما إذا لم تختلف كالأنصاف مع الدراهم في هذا الزمان فلا يظهر تفاوت ، والمراطلة لفظ قديم ، قاله مالك في الموطأ . وروي فيه عن سعيد بن المسيب أن يراطل الذهب بالذهب فيفرغ ذهبه في كفة الميزان ويفرغ صاحبه الذي يراطله ذهبه في كفة الميزان الأخرى ، فإذا اعتدل لسان الميزان أخذ وأعطى . قال ابن عبد البر : قد روي هذا عن ابن عمر وغيره . وقال الأزهري " " وفي كلام الحنفية دراهم غطريفية قالوا : وهي منسوبة إلى غطريف بن عطاء الكندي أمير خراسان أيام الرشيد ، كذا في المعرب ، وقيل : وهو خال هارون الرشيد ، ويوجد في كلام الأصحاب دينار شلابي وهو نسبة ودينار جعفري وأظنه نسبة إلى المتوكل ، فإن اسمه جعفر ودينار أهوازي وهو نسبة إلى الأهواز ( الثالث ) أن المصنف ذكر في الفصل ما إذا كان كل من الجنسين أو النوعين مقصودا أما إذا كان أحدهما غير مقصود فسيأتي له أمثلة في فصول متفرقة بعد ذلك ، إن شاء الله تعالى



( فرع ) كل ما ذكرناه فيما إذا كان بين العوضين ربا الفضل وهو ما إذا بيع الربوي بجنسه ومعه غيره ( أما ) إذا بيع الربوي بغير جنسه وفي الطرفين أو أحدهما شيء آخر فينظر إن اتفقا ، فإن كان التقابض في جميع العوضين جاز أيضا ، كصاع حنطة وصاع شعير بصاعي تمر ، أو صاع تمر وصاع ملح ، وإن كان التقابض شرطا في البعض دون البعض ففيه قولا الجمع بين مختلفي الحكم ، لأن ما يقابل الدرهم من الشعير لا يشترط التقابض ، وكذلك صاع حنطة وثوب بصاع شعير ، ممن صرح بهذه الأحكام الروياني والرافعي والماوردي والبغوي . وقد يكون قال الروياني : وكذلك إذا باع سيفا محلى بفضة بدنانير فيه قولان لأنه صرف وبيع .



( فرع ) لو باع دارا مموهة بذهب بدنانير أو مموهة بالفضة بدراهم ، وكان التمويه بحيث إذا نحت يخرج منه شيء لم يصح والأصح [ ص: 271 ] ما ذكره القاضي حسين وغيره ، فلو باع المموهة بالذهب بفضة ، أو المموهة بالفضة بذهب - فإن كان بحيث إذا نحت لا يحصل منه شيء - صح ، وإذا كان يحصل منه شيء ففيه قولان مبنيان على القولين في الجمع بين مختلفي الحكم . قاله القاضي حسين . ولو باع دارا بذهب فظهر فيها معدن ذهب ففي صحة البيع وجهان ( أصحهما ) عند البغوي والرافعي الصحة لأنه تابع بالإضافة إلى مقصود الدار وقد تقدم في كلام صاحب التتمة الجزم بهذا . ومحله إذا لم يكن المعدن ظاهرا وهو يوافق التفصيل المذكور في بيع القمح المختلط بالشعير وكونه يعتبر فيه أن يكون مقصودا إذا بيع بغير جنسه .

( ولعلك ) تقول : قد تقدم فيما إذا باع دراهم بدراهم وظهر فيها معيب أن جماعة اختاروا البطلان وخرجوه على قاعدة مد عجوة ، والذي ظهر به الاختلاف لم يكن مقصودا عند العقد فهلا كان المعدن كذلك ؟ ( والجواب ) أنه في بيع الدراهم بالدراهم يشترط المماثلة ، وقد ظهر انخرامها بانقسام العوض إلى صحيح ومعيب والدار المبيعة بالذهب وهي مقصودة لا ربا فيها ، والربوي الذي ظهر فيها لم يكن مقصودا ( أما ) لو كان المعدن ظاهرا حين البيع لم يصح البيع كما تقدم عن صاحب التتمة . ولو باع دارا فيها بئر ماء وفرعنا على أن الماء ربوي فأصح الوجهين عند الرافعي الصحة للتبعية ، ولم يفرقوا بين أن تكون البئر ظاهرة وقت البيع أو لا ، لأن البئر وإن كانت ظاهرة فهي تابعة لمقصود الدار بخلاف المعدن فإنه إذا كان ظاهرا يقصد وحده ولا تعلق له بالدار وسيأتي في بيع الدار بحث عند ذكر المصنف بيع الشاة اللبون بالشاة اللبون ولو باع بقرة بلبن بقر ثم ظهر أن في البقرة لبنا ، فقد ذكر البغوي هنا أنه لا يصح واستدل به للوجه القائل بعدم الصحة فيما إذا ظهر المعدن فيحتاج على ما صححه هو والرافعي إلى الفرق ، أو طرد الحكم ، وقد فرق ابن الرفعة بأن الشرع جعل اللبن في الضرع في المصراة بمنزلته في الإناء ، والمعدن ليس كذلك .

( قلت ) قوله : ليس كذلك إن أراد لم يأت فيه نص يدل على ذلك فمسلم ، ولكن لا يمتنع أن نلحقه بذلك ، لأنه في معناه ، وإن أراد أن الشارع حكم فيه بخلاف ذلك فممنوع والله أعلم قال ابن الرفعة : [ ص: 272 ] ووزان اللبن بيع الدار المصفحة بالذهب بالذهب وأنه لا يجوز لأنه من قاعدة مد عجوة ا هـ



( فرع ) لو أجر حليا من ، الذهب بذهب يجوز ولا يشترط القبض في المجلس قاله صاحب التهذيب . ولو باع دارا فيها صفائح ذهب بفضة فهو صرف وبيع ففيه قولان ، قاله الروياني ، قال : فإذا قلنا يصح فلا بد من تسليم الدار ، وما يقابل الصفائح من البدل في المجلس ، وما يقابل الدار لا يعتبر قبضه في المجلس ، ولو باع دارا فيها صفائح ذهب بدار فيها صفائح فضة يمكن جمعها ، وقلنا : يصح فلا بد من قبض الدارين في المجلس لأن قبض ما عليهما يكون بقبض الدارين ، هكذا ذكره الروياني ، ولو قيل بأن تسليم الذهب والفضة واجب في المجلس ، وهذان عقدان فيكون عقد الصرف اقتضى تسليم شيء آخر غير ما ورد عليه عقد الصرف . فينبغي أن يبطل العقد كذلك بحثنا . وسأكرر هذا في مسائل متعددة إلى أن يفتح الله فيه بجواب أو يبين الحق في ذلك والله أعلم .

( فرع ) الشفيع إذا أراد أن يأخذ هذه الدار بالشفعة قال الروياني : فلا بد من أن يسلم قدر ما يقابل الصفائح في المجلس ويتسلم الدار



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث