الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى ومن اضطر إلى أكل الميتة أو لحم الخنزير فله أن يأكل منه ما يسد به الرمق ، لقوله تعالى : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } وهل [ ص: 42 ] يجب أكله ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) يجب لقوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } ( والثاني ) لا يجب ، وهو قول أبي إسحاق لأن له غرضا في تركه ، وهو أن يجتنب ما حرم عليه ، وهل يجوز أن يشبع منه ؟ فيه قولان ( أحدهما ) لا يجوز وهو اختيار المزني ، لأنه بعد سد الرمق غير مضطر ، فلا يجوز له أكل الميتة ، كما لو أراد أن يبتدئ بالأكل وهو غير مضطر ( والثاني ) يحل ، لأن كل طعام جاز أن يأكل منه قدر سد الرمق جاز له أن يشبع منه ، كالطعام الحلال . وإن اضطر إلى طعام غيره وصاحبه غير مضطر إليه وجب عليه بذله ، لأن الامتناع من بذله إعانة على قتله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : { من أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله . } وإن طلب منه ثمن المثل لزمه أن يشتريه منه ، ولا يجوز أن يأكل الميتة لأنه غير مضطر ، فإن طلب أكثر من ثمن المثل أو امتنع من بذله فله أن يقاتله عليه ، فإن لم يقدر على مقاتلته فاشترى منه بأكثر من ثمن المثل ففيه وجهان ( أحدهما ) يلزمه لأنه ثمن في بيع صحيح ( والثاني ) لا يلزمه إلا ثمن المثل كالمكره على شرائه فلم يلزمه أكثر من ثمن المثل ، وإن وجد الميتة وطعام الغير وصاحبه غائب ففيه وجهان ( أحدهما ) أنه يأكل الطعام لأنه طاهر ، فكان أولى ( والثاني ) يأكل الميتة ، لأن أكل الميتة ثبت بالنص ، وطعام الغير ثبت بالاجتهاد ، فقدم أكل الميتة عليه ، ولأن المنع من أكل الميتة لحق الله سبحانه وتعالى ، والمنع من طعام الغير لحق الآدمي وحقوق الله تعالى مبنية على التسهيل ، وحقوق الآدمي مبنية على التشديد .

وإن وجد ميتة وصيدا وهو محرم ، ففيه طريقان ( من ) أصحابنا من قال : إذا قلنا : إنه إذا ذبح المحرم الصيد صار ميتة أكل الميتة وترك الصيد ، لأنه إذا ذكاه صار ميتة ، ولزمه الجزاء ( وإن قلنا ) إنه لا يصير ميتة أكل الصيد لأنه طاهر ، ولأن تحريمه أخف لأنه يحرم عليه وحده ، والميتة محرمة عليه وعلى غيره ( ومن ) أصحابنا من قال : إن قلنا إنه يصير ميتة أكل الميتة ، وإن قلنا إنه لا يكون ميتة ففيه قولان ( أحدهما ) يذبح الصيد ويأكله ، لأنه طاهر ولأن تحريمه أخف على ما ذكرناه ( والثاني ) أنه يأكل الميتة لأنه منصوص عليها ، والصيد مجتهد فيه ، وإن اضطر ووجد آدميا ميتا جاز له أكله ، لأن حرمة الحي آكد من حرمة الميت ، وإن وجد مرتدا أو من وجب قتله في الزنا جاز له أن يأكله ، لأن قتله مستحق ، وإن اضطر ولم يجد شيئا فهل يجوز له أن يقطع شيئا من بدنه ويأكله ؟ فيه وجهان ( قال ) [ ص: 43 ] أبو إسحاق : يجوز لأنه إحياء نفس بعضو فجاز ، كما يجوز أن يقطع عضوا إذا وقعت فيه الآكلة لإحياء نفسه ، ومن أصحابنا من قال : لا يجوز لأنه إذا قطع عضوا منه كان المخافة عليه أكثر ، وإن اضطر إلى شرب الخمر أو البول شرب البول ، لأن تحريم الخمر ، أغلظ ولهذا يتعلق به الحد فكان البول أولى وإن اضطر إلى شرب الخمر وحدها ففيه ثلاثة أوجه ( أحدهما ) أنه لا يجوز أن يشرب ، لما روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم } ( والثاني ) يجوز ، لأنه يدفع به الضرر عن نفسه فصار كما لو أكره على شربها ( والثالث ) أنه إن اضطر إلى شربها للعطش لم يجز ، لأنها تزيد في الإلهاب والعطش ، وإن اضطر إليها للتداوي جاز

التالي السابق


( الشرح ) حديث { من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة } رواه وأما حديث أم سلمة فرواه أبو يعلى الموصلي في مسنده بإسناد صحيح إلا رجلا واحدا فإنه مستور ، والأصح جواز الاحتجاج برواية المستور ، ورواه البيهقي أيضا ( أما ) الأحكام ففيها مسائل : ( إحداها ) أجمعت الأمة على أن المضطر إذا لم يجد طاهرا يجوز له أكل النجاسات كالميتة والدم ولحم الخنزير وما في معناها ، ودليله في الكتاب ، وفي وجوب هذا الأكل وجهان ذكرهما المصنف بدليلهما ( أصحهما ) يجب ، وبه قطع كثيرون أو الأكثرون ، وصححه الباقون ( والثاني ) لا يجب بل هو مباح ، فإن أوجبنا الأكل فإنما يجب سد الرمق دون الشبع ، صرح به الدارمي وصاحب البيان وآخرون واتفقوا على أن المضطر إذا وجد طاهرا يملكه لزمه أكله .

( الثانية ) في حد الضرورة قال أصحابنا : لا خلاف أن الجوع القوي [ ص: 44 ] لا يكفي لتناول الميتة ونحوها ، قالوا : ولا خلاف أنه لا يجب الامتناع إلى الإشراف على الهلاك ، فإن الأكل حينئذ لا ينفع ، ولو انتهى إلى تلك الحال لم يحل له أكلها ، لأنه غير مفيد واتفقوا على جواز الأكل إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع أو ضعف على المشي أو عن الركوب وينقطع عن رفقته ويضيع ونحو ذلك ، فلو خاف حدوث مرض مخوف في جسمه فهو كخوف الموت ، وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح الوجهين ، وقيل : إنهما قولان ، ولو عيل صبره وأجهده الجوع فهل يحل له الميتة ونحوها ؟ أم لا يحل حتى يصل إلى أدنى الرمق ؟ فيه قولان ذكرهما البغوي وغيره ( أصحهما ) الحل ، قال إمام الحرمين وغيره : ولا يشترط فيما يخافه تيقن وقوعه لو لم يأكل ، بل يكفي غلبة الظن ، قالوا : كما أن المكره على أكل الميتة يباح له أكلها إذا ظن وقوع ما خوف به ، ولا يشترط أن يعلم ذلك فإنه لا يطلع ، على الغيب ، وجملة جهات الظن مستندها الظن ، والله تعالى أعلم .

( الثالثة ) قال أصحابنا : يباح للمضطر أن يأكل من الميتة ما يسد الرمق بلا خلاف ولا يباح له الزيادة على الشبع بلا خلاف ، وفي حل الشبع . قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ، وذكر إمام الحرمين وغيره أن الأصحاب نقلوا في المسألة ثلاثة أقوال : ( أحدها ) لا يباح الشبع ، وإنما يباح سد الرمق ، وهو أن يصير إلى حالة لو كان عليها في الابتداء لما جاز أكل الميتة ، لأن الضرورة تزول بهذا ، والتمادي في أكل الميتة من غير ضرورة ممتنع .

( والثاني ) يباح الشبع ، قال إمام الحرمين : وليس معنى الشبع أن يمتلئ حتى لا يجد للطعام مساغا . ولكن إذا انكسرت سورة الجوع بحيث لا ينطبق عليه اسم جائع أمسك .

( والثالث ) إن كان بعيدا من العمران حل الشبع وإلا فلا هكذا أطلق [ ص: 45 ] الخلاف جماهير الأصحاب في الطريقين ، ونقله إمام الحرمين هكذا عن الأصحاب ثم أنكره عليهم ، وقال : الذي يجب القطع به التفصيل ، وذكر هو والغزالي تفصيلا جاء نقله أنه إن كان في بادية وخاف : إن ترك الشبع أن لا يقطعها ويهلك ، وجب القطع بأنه يشبع ، وإن كان في بلد وتوقع طعاما طاهرا قبل عودة الضرورة وجب القطع بالاقتصار على سد الرمق ، وإن كان لا يظهر حصول طعام طاهر وأمكن الحاجة إلى العود إلى أكل الميتة مرة بعد أخرى إن لم يجد الطاهر فهذا محل الخلاف . وهذا التفصيل الذي ذكره الإمام والغزالي تفصيل حسن ، وهو الراجح واختلف الأصحاب في الراجح من الخلاف فرجح أبو علي الطبري في الإفصاح والروياني وغيرهما حل الشبع ، ورجح القفال وكثيرون وجوب الاقتصار على سد الرمق وتحريم الشبع ، وهذا هو الصحيح ، والله سبحانه أعلم .

( الرابعة ) قال أصحابنا : يجوز له التزود من الميتة إن لم يرج الوصول إلى طاهر فإن رجاه فوجهان ( أحدهما ) لا يجوز وبه قطع البغوي وغيره ( وأصحهما ) يجوز وبه قطع القفال وغيره ، وزاد القفال فقال : يجوز حمل الميتة من غير ضرورة ، ما لم يتلوث بها .

( الخامسة ) إذا جوزنا الشبع فأكل ما سد رمقه ثم وجد لقمة حلالا لم يجز أن يأكل من الميتة حتى يأكل تلك اللقمة فإذا أكلها هل له إتمام الأكل من الميتة إلى الشبع ؟ فيه وجهان حكاهما البغوي عن شيخه القاضي حسين ( أصحهما ) له ذلك لأنه كان مباحا ( والثاني ) لا لأنه بوجود اللقمة عاد إلى المنع فيحتاج إلى عود الضرورة .

( فرع ) لو لم يجد المضطر إلا طعام غيره وهو غائب أو ممتنع من البذل فله الأكل منه بلا خلاف ، وهل له الشبع ؟ أم يلزمه الاقتصار على [ ص: 46 ] سد الرمق ؟ فيه طرق ( أصحها ) طرد الخلاف كالميتة ( والثاني ) يباح الشبع قطعا ( والثالث ) يحرم قطعا ، بل يقتصر على سد الرمق ( السادسة ) في بيان جنس المباح ، قال أصحابنا : المحرم الذي يحتاج المضطر إلى تناوله ضربان مسكر وغيره ( أما ) المسكر فسنذكره إن شاء الله تعالى بعد انقضاء هذه المسائل ، حيث ذكره المصنف بعد هذا ( وأما ) غير المسكر فيباح جميعه ما لم يكن فيه إتلاف معصوم فيجوز للمضطر أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب البول وغير ذلك من النجاسات ، ويجوز له قتل الحربي والمرتد وأكلهما بلا خلاف ( وأما ) الزاني المحصن والمحارب وتارك الصلاة ففيهم وجهان ( أصحهما ) وبه قطع إمام الحرمين والمصنف والجمهور : يجوز ، قال الإمام : لأنا إنما منعنا من قتل هؤلاء تفويضا إلى السلطان لئلا يفتات عليه ، وهذا العذر لا يوجب التحريم عند تحقق ضرورة المضطر ( وأما ) إذا وجد المضطر من له عليه قصاص فله قتله قصاصا وأكله سواء حضره السلطان أم لا ، لما ذكرناه في المسألة قبلها صرح به البغوي وآخرون .

( وأما ) نساء أهل الحرب وصبيانهم ففيهم وجهان ( أحدهما ) وبه قطع البغوي لا يجوز قتلهم للأكل ، لأن قتلهم حرام فأشبه الذمي ( والثاني ) وهو الأصح : يجوز ، وبه قال إمام الحرمين والغزالي لأنهم ليسوا معصومين ، وليس المنع من قتلهم لحرمة نفوسهم ، بل لحق الغانمين ، ولهذا لا تجب الكفارة على قاتلهم .

( وأما ) الذمي والمعاهد والمستأمن فمعصومون ، فيحرم قتلهم للأكل بلا خلاف ، ولا خلاف أنه لا يجوز لوالد قتل ولده ليأكله ، ولا للسيد قتل عبده ليأكله ، وإن كان لا قصاص عليه في قتله ، لأنه معصوم .

( أما ) إذا لم يجد المضطر إلا آدميا ميتا معصوما ففيه طريقان ( أصحهما وأشهرهما ) يجوز ، وبه قطع المصنف والجمهور ( والثاني ) فيه وجهان [ ص: 47 ] حكاهما البغوي ( الصحيح ) الجواز ، لأن حرمة الحي آكد ( والثاني ) لا ، لوجوب صيانته ، وليس بشيء ، وقال الدارمي : إن كان الميت كافرا حل أكله ، وإن كان مسلما فوجهان ، ثم إن الجمهور أطلقوا المسألة ، قال الشيخ إبراهيم المروذي : لا ، إذا كان الميت نبيا فلا يجوز الأكل منه بلا خلاف ، لكمال حرمته ومزيته على غير الأنبياء ، قال الماوردي : فإن جوزنا الأكل من الآدمي الميت فلا يجوز أن نأكل منه إلا ما يسد الرمق بلا خلاف حفظا للحرمتين ، قال : وليس له طبخه وشيه ، بل يأكله نيئا لأن الضرورة تندفع بذلك وفي طبخه هتك لحرمته ، فلا يجوز الإقدام عليه بخلاف سائر الميتات ، فإن للمضطر أكلها نيئة ومطبوخة ، ولو كان المضطر ذميا ووجد مسلما ففي حل أكله له وجهان حكاهما البغوي ، ولم يرجح واحدا منهما ، والقياس تحريمه لكمال شرف الإسلام ، ولو وجد ميتة ولحم آدمي أكل الميتة ، ولم يجز أكل الآدمي سواء كانت الميتة خنزيرا أو غيره ، ولو وجد المحرم صيدا ولحم آدمي أكل الصيد لحرمة الآدمي .



( فرع ) لو أراد المضطر أن يقطع من نفسه من فخذه أو غيرها ليأكلها ، فإن كان الخوف منه كالخوف في ترك الأكل أو أشد ، حرم القطع بلا خلاف ، وصرح به إمام الحرمين وغيره ، وإلا ففيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ( أصحهما ) جوازه وهو قول ابن سريج وأبي إسحاق المروزي ( والثاني ) لا يجوز ، اختاره أبو علي الطبري ، وصححه الرافعي في المحرر ، والصحيح الأول ، وممن صححه الرافعي في الشرح والنسخ ، وإذا جوزناه فشرطه أن لا يجد شيئا غيره ، فإن وجد حرم القطع بلا خلاف ، ولا يجوز أن يقطع لنفسه من معصوم غيره بلا خلاف ، وليس للغير أن يقطع من أعضائه شيئا ليدفعه إلى المضطر بلا خلاف ، صرح به إمام الحرمين والأصحاب . [ ص: 48 ] السابعة ) إذا وجد المضطر طعاما حلالا طاهرا لغيره فله حالان ( أحدهما ) أن يكون صاحبه حاضرا ( الثاني ) أن يكون غائبا ، فإن حضر نظر إن كان المالك مضطرا إليه أيضا فهو أولى به ، وليس للآخر أن يأخذه منه إذا لم يفضل عن حاجته ، إلا أن يكون غير المالك نبيا ، فإنه يجب على المالك بذله له ، هكذا قالوه ، والحكم صحيح ، لكن المسألة غير متصورة في هذه الأزمان ، وتتصور في زمن نزول عيسى ابن مريم عليه السلام وقد تكون مسألة علمية ، والله أعلم .

قال أصحابنا : فإن آثر المالك غيره على نفسه فقد أحسن ، قال الله تعالى : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } قالوا : وإنما يجوز أن يؤثر على نفسه مسلما ، فأما الكافر فلا يؤثره حربيا كان أو ذميا وكذا لا يؤثر على نفسه بهيمة ، والله أعلم .

( أما ) إذا لم يكن المالك مضطرا فيلزمه إطعام المضطر ، مسلما كان أو ذميا أو مستأمنا وكذا لو كان يحتاج إليه في ثاني الحال على أصح الوجهين ، وللمضطر أن يأخذه قهرا ، وله مقاتلة المالك عليه ، فإن أتى القتال على نفس المالك فلا ضمان فيه ، وإن قتل المالك المضطر في الدفع عن طعام لزمه القصاص ، وإن منعه الطعام فمات جوعا فلا ضمان ، قال الماوردي : ولو قيل يضمن ، لكان مذهبا ، قال أصحابنا : وفي القدر الذي يلزم المالك بذله ، ويجوز للمضطر أخذه قهرا ، والقتال عليه قولان ( أصحهما ) ما يسد الرمق ( والثاني ) قدر الشبع بناء على القولين فيما يحل له من الميتة ، وهل يجب على المضطر الأخذ قهرا والقتال ؟ فيه خلاف مرتب على الخلاف في وجوب أكل الميتة ، وأولى بأن لا يجب [ ص: 49 ] ( والأصح ) هنا أنه يجب الأخذ قهرا ولا يجب القتال ، لأنه إذا لم يجب دفع الصائل فهنا أولى ، وخص البغوي الخلاف بما إذا لم يكن عليه خوف في الأخذ قهرا ، قال فإن خاف لم يجب قطعا ، وحيث أوجبنا على المالك بذله للمضطر ففي الحاوي وجه ضعيف أنه يلزمه بذله مجانا ، ولا يلزم المضطر شيء كما يأكل الميتة بلا شيء والمذهب أنه لا يلزمه البذل إلا بعوض ، وبهذا قطع الجمهور وفرقوا بينه وبين ما إذا خلص مشرفا على الهلاك بالوقوع في ماء أو نار فإنه لا يثبت له أجرة المثل بلا خلاف ، بأن هناك يلزمه التخليص ولا يجوز تأخيره إلى تقدير الأجرة ، وهنا بخلافه . وسوى القاضي أبو الطيب الطبري وغيره بينهما وقالوا : إن احتمل الحال هناك موافقة على أجرة يبذلها أو يلتزمها لم يلزم تخليصه حتى يلتزمها ، كما في المضطر ، وإن لم يحتمل الحال التأخير في صورة المضطر فأطعمه لم يلزمه العوض فلا فرق بينهما .

ثم إن بذل المالك طعامه مجانا لزمه قبوله ويأكل منه حتى يشبع وإن بذله بالعوض نظر إن لم يقدر العوض لزم المضطر بذله ، وهو مثله إن كان مثليا ، وإن كان متقوما لزمه قيمة ما أكل في ذلك الزمان والمكان ، وله أن يأكل حتى يشبع ، وإن قدر له العوض فإن لم يفرد ما يأكله فالحكم كذلك ، وإن أفرده كان المقدر ثمن المثل فالبيع صحيح ، وللمضطر ما فضل عن الآخر ، وإن كان أكثر من ثمن المثل والتزمه ففيما يلزمه أوجه ( أصحها ) عند القاضي أبي الطيب يلزمه المسمى لأنه التزمه بعقد لازم ( وأصحها ) عند الروياني لا يلزمه إلا ثمن المثل في ذلك الزمان والمكان ، لأنه كالمكره .

( والثالث ) وهو اختيار الماوردي إن كانت الزيادة لا تشق على المضطر ليسار لزمته ، وإلا فلا . قال أصحابنا : وينبغي للمضطر أن يحتال في أخذه منه ببيع فاسد ليكون الواجب القيمة بلا خلاف قال [ ص: 50 ] الرافعي : وقد يفهم من كلامهم القطع بصحة البيع وأن الخلاف فيما يلزمه ثمنا لكن الوجه جعل الخلاف في صحة العقد لمعنى ، وأن المضطر هل هو مكره أم لا ؟ وفي تعليق الشيخ أبي حامد ما يبين ذلك وقد صرح به إمام الحرمين وقال : الشراء بالثمن الغالي لضرورة هل تجعله كرها حتى لا يصح الشراء ؟ فيه وجهان ( أقيسهما ) صحة البيع ، قال : وكذا المصادر من جهة السلطان الظالم إذا باع للضرورة في المصادرة ودفع الأذى الذي يخافه فيه وجهان ( أصحهما ) صحة البيع ، لأنه إكراه على نفس البيع ، ومقصود الظالم تحصيل المال من أي جهة كان ، وبهذا قطع الشيخ إبراهيم المروذي ، واحتج به لوجه لزوم المسمى في مسألة المضطر .

( فرع ) متى باع للمضطر بثمن المثل ومع المضطر مال ، لزمه شراؤه وصرف ما معه من المال إلى الثمن حتى لو كان معه ساتر عورته لزمه صرفه إليه إن لم يخف الهلاك بالبرد ويصلي عاريا ، لأن كشف العورة أخف من أكل الميتة ، ولهذا يجوز أخذ الطعام قهرا ، ولا يجوز أخذ سائر العورة قهرا ، فإن لم يكن معه مال لزمه التزامه في ذمته ، سواء كان له مال في موضع آخر أم لا ، ويلزم المالك في هذا الحال البيع نسيئة ، قال أصحابنا : والشراء هنا واجب بلا خلاف ، ولا يجيء فيه الوجه السابق أنه لا يجب الأكل من الميتة بل يجوز ، لأن ذلك القائل يقول لا يجب ، لأن فيه مباشرة النجاسة ، وهذا مقصود في مسألة الطعام الطاهر .

( فرع ) ليس للمضطر الأخذ قهرا إذا بذل المالك بثمن المثل ، فإن طلب أكثر من ثمن المثل فله أن لا يقبل ، ويأخذه قهرا ويقاتله ، فإن اشتراه بالزيادة مع إمكان أخذه قهرا فهو مختار في الزيادة فيلزمه المسمى بلا خلاف ، والخلاف السابق إنما هو فيمن عجز عن الأخذ قهرا .

( فرع ) لو أطعمه المالك ولم يصرح بالإباحة فوجهان ( الأصح ) أنه لا عوض عليه ، ويحمل على الإباحة والمسامحة المعتادة بالطعام . ( والثاني ) [ ص: 51 ] يلزمه العوض ، وهو شبيه بالخلاف فيمن عرف بالعمل بأجرة إذا استعمله إنسان بغير شرط أجرة ، والأصح أنها لا تجب ، ولو اختلفا فقال المالك : أطعمتك بعوض ، فقال المضطر : بل مجانا ، فوجهان حكاهما صاحبا العدة والبيان قولين ( أصحهما ) يصدق المالك ، لأنه أعرف بدفعه .

( والثاني ) المضطر ، لأن الأصل براءته ، ولو أوجر المالك المضطر قهرا أو أوجره وهو مغمى عليه فهل يستحق القيمة عليه ؟ فيه وجهان ( أصحهما ) يستحق ، لأنه خلصه من الهلاك ، كمن عفا عن القصاص ، ولما فيه من التحريض على مثل ذلك .

( فرع ) كما يجب بذل المال لإبقاء الآدمي المعصوم ، يجب بذله لإبقاء البهيمة المحترمة ، وإن كانت ملكا للغير ، ولا يجب البذل للحربي ولا للمرتد والكلب العقور ، ولو كان لرجل كلب مباح المنفعة جائع وشاة ، لزمه ذبح الشاة لإطعام الكلب ، قال البغوي : وله أن يأكل من لحمها لأنها ذبحت للأكل . قال القاضي حسين : ولو كان معه كلب مضطر ومع غيره شاة ليس مضطرا إليها لزمه بذلها . فإن امتنع فلصاحب الكلب قهره ومقاتلته لما سبق ، والله أعلم .

( الحال الثاني ) أن يكون المالك غائبا فيجوز للمضطر أكل طعامه ويغرم له بدله ، وفي وجوب الأكل والقدر المأكول ما سبق من الخلاف ، وإن كان الطعام لصبي أو مجنون ، والولي غائب ، فكذلك الحكم ، وإن كان حاضرا فهو في مالهما ككامل الحال في ماله ، قال أصحابنا : وهذه إحدى الصور التي يجوز فيها بيع مال الصبي نسيئة ، والله أعلم .

( المسألة الثامنة ) إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير وهو غائب ، فثلاثة أوجه ، وقيل : ثلاثة أقوال ( أصحها ) يجب أكل الميتة ، ( والثاني ) يجب أكل الطعام ، ودليلهما في الكتاب ، ( والثالث ) يتخير بينهما ، وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا الخلاف مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمي ، ولو كان صاحب الطعام حاضرا فإن بذله بلا عوض [ ص: 52 ] أو بثمن مثله ، أو بزيادة يتغابن الناس بمثلها ، ومعه ثمنه ، أو رضي بذمته ، لزمه القبول ، ولم يجز أكل الميتة ، فإن لم يبعه إلا بزيادة كثيرة ، فالمذهب والذي قطع به العراقيون والطبريون وغيرهم أنه لا يلزمه شراؤه ، لكن يستحب ، وإذا لم يلزمه الشراء فهو كما إذا لم يبذله أصلا ، وإذا لم يبذله لم يقاتله عليه المضطر ، إن خاف من المقاتلة على نفسه ، أو خاف إهلاك المالك في المقاتلة ، بل يعدل إلى الميتة ، وإن كان لا يخاف لضعف المالك وسهولة دفعه فهو على الخلاف المذكور فيما إذا كان غائبا . هذا كله تفريع على المذهب الصحيح ، وقال البغوي : يشتريه بالثمن الغالي ولا يأكل الميتة ، ثم يجيء الخلاف السابق في أنه يلزمه المسمى ؟ أم ثمن المثل ؟ قال : وإذا لم يبذل أصلا وقلنا : طعام الغير أولى من الميتة يجوز أن يقاتله ويأخذه قهرا ، والله أعلم .

( التاسعة ) لو اضطر محرم ولم يجد إلا صيدا فله ذبحه وأكله ، ويلزمه الفدية ، وقد سبقت المسألة في كتاب الحج ، وإن وجد صيدا وميتة ، فله طريقان ذكرهما المصنف والأصحاب ( أحدهما ) أنه مبني على القولين السابقين في كتاب الحج أن المحرم إذا ذبح صيدا هل يصير ميتة ؟ فيحرم على جميع الناس ؟ أم لا يكون ميتة فلا يحرم على غيره ؟ ( والأصح ) أنه يصير ميتة ( فإن قلنا ) يصير ميتة أكل الميتة وإلا فالصيد والطريق ( الثاني ) إن قلنا : يصير ميتة أكل الميتة ، وإلا فأيهما يأكل ؟ فيه قولان ، ودليل الجميع في الكتاب ، ومن الأصحاب من حكى في المسألة ثلاثة أقوال أو أوجه ( أصحها ) يلزمه أن يأكل الميتة ( والثاني ) يلزمه أكل الصيد ( والثالث ) يتخير ، وحكاه الدارمي عن أبي علي بن أبي هريرة ، والصحيح على الجملة وجوب أكل الميتة . ولو وجد المحرم لحم صيد مذبوح وميتة ، فإن كان ذابحه حلالا ذبحه لنفسه فهذا مضطر وجد ميتة وطعام الغير ، وقد سبق حكمه ، وإن ذبحه هذا المحرم . قبل إحرامه فهو واجد طعام حلال لنفسه ، فليس مضطرا ، [ ص: 53 ] فإن ذبحه في الإحرام أو ذبحه محرم آخر وقلنا : هو حرام على كل أحد فثلاثة أوجه ( أصحها ) يتخير بينهما ( والثاني ) يتعين لحم الصيد ( والثالث ) الميتة ، وقال الدارمي : إن قلنا : إنه ميتة أكل من أيهما شاء ، وغير الصيد أولى ، وإن قلنا : ليس بميتة فوجهان ( أحدهما ) يأكله ( والثاني ) يأكل الميتة . ولو وجد المحرم صيدا وطعام الغير فثلاثة أوجه أو أقوال ، سواء جعلناه ميتة أم لا ( أحدها ) يتعين الصيد ( والثاني ) الطعام ( والثالث ) يتخير هذا إذا كان مالك الطعام غائبا ، فإن حضر ومنعه تعين الصيد ، وإن بذله تعين الطعام صرح به الدارمي وغيره ، وإن وجد ميتة وصيدا وطعام الغير ، فسبعة أوجه ، ذكرها إمام الحرمين وغيره ( أصحها ) يتعين الميتة ( والثاني ) الصيد ( والثالث ) الطعام ( والرابع ) يتخير بين الثلاثة ( والخامس ) يتخير بين الطعام والميتة ( والسادس ) يتخير بين الصيد والميتة ( والسابع ) بين الصيد والطعام .

( فرع ) إذا لم نجعل ما يذبحه المحرم من الصيد ميتة ، فهل على المضطر قيمة ما أكله منه ؟ فيه وجهان بناء على القولين في المحرم ، هل يستقر ملكه على الصيد ؟ .

( العاشرة ) إذا وجد ميتتان إحداهما من جنس المأكول دون الأخرى ، أو إحداهما طاهرة في الحياة دون الأخرى ، كشاة وحمار ، أو كلب ، فهل يتخير بينهما ؟ أم تتعين الشاة ؟ فيه وجهان ( أصحهما ) ترك الكلب والتخيير في الباقي ، والله أعلم .

( الحادية عشرة ) لا يجوز للعاصي بسفره أكل الميتة حتى يتوب . هذا هو الصحيح المشهور ، لقول الله تعالى : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } وفيه وجه ضعيف أنها تحل له ، وقد سبق بيان المسألة واضحة في باب مسح الخف ، وباب صلاة المسافر . [ ص: 54 ] الثانية عشرة ) نص الشافعي - رحمه الله - أن المريض إذا وجد مع غيره طعاما يضره ويزيد في مرضه ، جاز تركه وأكل الميتة ، قال أصحابنا : وكذا لو كان الطعام له ، وعدوا هذا من أنواع الضرورة ، وكذا التداوي بالنجاسات كما سنوضحه إن شاء الله تعالى قريبا .

( فرع ) قال الشافعي - رحمه الله - : وإذا اضطر ووجد من يطعمه ويسقيه فليس له الامتناع إلا في حالة واحدة ، وهي إذا خاف أن يطعمه أو يسقيه مسموما ، فلو تركه وأكل الميتة فله تركه وأكل الميتة ، والله أعلم .

( الثالثة عشرة ) إذا اضطر إلى شرب الدم أو البول أو غيرهما من النجاسات المائعة غير المسكر ، جاز له شربه بلا خلاف ، وإن اضطر وهناك خمر وبول لزمه شرب البول ، ولم يجز شرب الخمر بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ( وأما ) التداوي بالنجاسات غير الخمر فهو جائز سواء فيه جميع النجاسات غير المسكر ، هذا هو المذهب والمنصوص ، وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه أنه لا يجوز ، لحديث أم سلمة المذكور في الكتاب ( ووجه ثالث ) أنه يجوز بأبوال الإبل خاصة لورود النص فيها ، ولا يجوز بغيرها ، حكاهما الرافعي ، وهما شاذان ، والصواب الجواز مطلقا ، لحديث أنس رضي الله عنه { أن نفرا من عرينة وهي قبيلة معروفة بضم العين المهملة وبالنون أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام فاستوخموا المدينة ، فسقمت أجسامهم فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها ؟ قالوا : بلى فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فصحوا ، فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطردوا النعم } رواه البخاري ومسلم من روايات كثيرة ، هذا لفظ إحدى روايات البخاري ، وفي رواية " فأمرهم أن يشربوا أبوالها وألبانها " .

[ ص: 55 ] قال أصحابنا : وإنما يجوز التداوي بالنجاسة إذا لم يجد طاهرا يقوم مقامها ، فإن وجده حرمت النجاسات بلا خلاف ، وعليه يحمل حديث : { إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم } فهو حرام عند وجود غيره ، وليس حراما إذا لم يجد غيره . قال أصحابنا : وإنما يجوز ذلك إذا كان المتداوي عارفا بالطب ، يعرف أنه لا يقوم غير هذا مقامه ، أو أخبره بذلك طبيب مسلم عدل ، ويكفي طبيب واحد ، صرح به البغوي وغيره ، فلو قال الطبيب : يتعجل لك به الشفاء . وإن تركته تأخر ، ففي إباحته وجهان ، حكاهما البغوي ، ولم يرجح واحدا منهما ، وقياس نظيره في التيمم أن يكون الأصح جوازه .

( أما ) الخمر والنبيذ وغيرهما من المسكر فهل يجوز شربها للتداوي أو العطش ؟ فيه أربعة أوجه مشهورة ( الصحيح ) عند جمهور الأصحاب لا يجوز فيهما ( والثاني ) يجوز ( والثالث ) يجوز للتداوي دون العطش ( والرابع ) عكسه . قال الرافعي : الصحيح عند الجمهور لا يجوز لواحد منهما ، ودليله حديث وائل بن حجر رضي الله عنه عنه : { أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها ، فقال : إنما أصنعها للدواء فقال : إنه ليس بدواء ولكنه داء } رواه مسلم في صحيحه ، واختار إمام الحرمين والغزالي جوازها للعطش دون التداوي والمذهب الأول ، وهو تحريمها لهما ، وممن صححه المحاملي وسأورد دليله قريبا إن شاء الله تعالى ، فإن جوزنا شربها للعطش فإن كان معه خمر وبول لزمه شرب البول وحرم الخمر ، لأن تحريم البول أخف ، قال أصحابنا : فهذا كمن وجد بولا وماء نجسا فإنه يشرب الماء النجس ، لأن نجاسته طارئة ، وفي جواز التبخر بالند المعجون بالخمر وجهان بسبب دخانه " أصحهما " جوازه لأنه ليس دخان نفس النجاسة ، والله أعلم .



[ ص: 56 ] فرع ) قد ذكرنا أن المذهب الصحيح تحريم الخمر للتداوي والعطش ، وأن إمام الحرمين والغزالي اختارا جوازها للعطش ، قال إمام الحرمين : الخمر يسكن العطش فلا يكون استعمالها في حكم العلاج ، قال : ومن قال : إن الخمر لا يسكن العطش فليس على بصيرة ، ولا يعد قوله مذهبا ، بل هو غلط ووهم بل معاقر الخمر يجتزئ بها عن الماء ، هذا كلامه ، وليس كما ادعى بل الصواب المشهور عن الشافعي وعن الأصحاب والأطباء أنها لا تسكن العطش بل تزيده والمشهور من عادة شربة الخمر أنهم يكثرون شرب الماء ، وقد نقل الروياني أن الشافعي - رحمه الله - نص على المنع من شربها للعطش معللا بأنها تجيع وتعطش ، وقال القاضي أبو الطيب : سألت من يعرف ذلك ، فقال : الأمر كما قال الشافعي : إنها تروي في الحال ثم تثير عطشا عظيما ، وقال القاضي حسين في تعليقه : قالت الأطباء : الخمر تزيد في العطش وأهل الشرب يحرصون على الماء البارد ، فحصل بما ذكرناه أنها لا تنفع في دفع العطش ، وحصل بالحديث الصحيح السابق في هذه المسألة أنها لا تنفع في الدواء فثبت تحريمها مطلقا ، والله تعالى أعلم .

( فرع ) لو غص بلقمة ولم يجد شيئا يسيغها به إلا الخمر فله إساغتها به بلا خلاف ، نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب وغيرهم ، بل قالوا : يجب عليه ذلك لأن السلامة من الموت بهذه الإساغة قطعية بخلاف التداوي وشربها للعطش ، قال أهل اللغة : يقال : غص بفتح الغين لا بضمها يغص بفتحها أيضا غصصا بالفتح أيضا فهو غاص وغصان وأغصصته ، والله أعلم .

( فرع ) قال البيهقي : قال الشافعي : لا يجوز أكل الترياق المعمول بلحم الحيات إلا أن يكون في حال الضرورة حيث تجوز الميتة ، هذا لفظه . واحتج البيهقي في المسألة بحديث ابن عمرو بن العاص رضي الله عنها [ ص: 57 ] قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقا ، أو تعلقت تميمة ، أو قلت الشعر من قبل نفسي } رواه أبو داود بإسناد فيه ضعف ، ومعناه أن هذه الثلاثة سواء في كونها مذمومة .



( فرع ) في مذاهب العلماء في مسائل من أحكام المضطر : ( إحداها ) أجمعوا أنه يجوز له الأكل من الميتة والدم ولحم الخنزير ونحوها للآية الكريمة . وفي قدر المأكول قولان للشافعي سبقا ( أصحهما ) سد الرمق وبه قال أبو حنيفة وداود و ( الثاني ) قدر الشبع ، وعن مالك وأحمد روايتان كالقولين .

( الثانية ) إذا لم يكن مع المضطر مال ، وكان مع غيره طعام يستغني عنه لم يلزمه بذله له بلا عوض ، وله الامتناع من البذل حتى يشتريه بثمن مثله في الذمة ، كما سبق هذا مذهبنا ، قال العبدري : وهو قول العلماء كافة ، وقول داود ، قال : ومن أصحاب داود من قال : يجوز للمضطر أن يأكل منه قدر ما تزول به الضرورة ، ولا ضمان عليه في ذلك ، كما لو رآه يغرق أو يحترق وأمكنه تخليصه لزم تخليصه من غير إلزام عوض واحتج أصحابنا بأن الذمة كالمال ولو كان معه مال لم يلزم صاحب الطعام بذله مجانا وكذا إذا أمكن الشراء في الذمة . قال أصحابنا : وأما ما احتج به المخالف فجوابه أنه لا فرق بينهما ، بل كل حالة أمكن فيها الموافقة على عوض لم يلزم إلا بالعوض ، والله أعلم .

( الثالثة ) إذا وجد ميتة وطعاما لغائب فللشافعي قولان ( أصحهما ) يأكل الميتة ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد لأنه منصوص عليها وطعام غيره مجتهد فيه .

و ( الثاني ) يأكل طعام غيره وبه قال مالك ، لأنه مجمع عليه مع طهارته . ولو وجد ميتة وصيدا وهو محرم فالأصح أنه يأكل الميتة وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد . [ ص: 58 ] الرابعة ) إذا وجد المضطر آدميا ميتا حل له أكله عندنا كما سبق تفصيله وقال مالك وأحمد وأصحاب الظاهر : لا يجوز واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف أن حرمة الحي آكد من حرمة الميت ، والله أعلم .

( الخامسة ) ذكرنا أن مذهبنا جواز التداوي بجميع النجاسات سوى المسكر وقال أحمد : لا يجوز لحديث { إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم } وحديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام } رواه أبو داود .

وحديث أبي هريرة قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث } رواه أبو داود ، ودليلنا حديث العرنيين ، وهو في الصحيحين كما سبق ، وهو محمول على شربهم الأبوال للتداوي كما هو ظاهر الحديث وحديث " لم يجعل شفاءكم " محمول على عدم الحاجة إليه بأن يكون هناك ما يغني عنه ، ويقوم مقامه من الأدوية الطاهرة . وكذا الجواب عن الحديثين الآخرين ، وقال البيهقي : هذان الحديثان إن صحا حملا على النهي عن التداوي ، بالمسكر وعلى التداوي بالحرام من غير ضرورة ، للجمع بينهما وبين حديث العرنيين ، والله تعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث