الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى ومن اضطر إلى أكل الميتة أو لحم الخنزير فله أن يأكل منه ما يسد به الرمق ، لقوله تعالى : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } وهل [ ص: 42 ] يجب أكله ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) يجب لقوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } ( والثاني ) لا يجب ، وهو قول أبي إسحاق لأن له غرضا في تركه ، وهو أن يجتنب ما حرم عليه ، وهل يجوز أن يشبع منه ؟ فيه قولان ( أحدهما ) لا يجوز وهو اختيار المزني ، لأنه بعد سد الرمق غير مضطر ، فلا يجوز له أكل الميتة ، كما لو أراد أن يبتدئ بالأكل وهو غير مضطر ( والثاني ) يحل ، لأن كل طعام جاز أن يأكل منه قدر سد الرمق جاز له أن يشبع منه ، كالطعام الحلال . وإن اضطر إلى طعام غيره وصاحبه غير مضطر إليه وجب عليه بذله ، لأن الامتناع من بذله إعانة على قتله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : { من أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله . } وإن طلب منه ثمن المثل لزمه أن يشتريه منه ، ولا يجوز أن يأكل الميتة لأنه غير مضطر ، فإن طلب أكثر من ثمن المثل أو امتنع من بذله فله أن يقاتله عليه ، فإن لم يقدر على مقاتلته فاشترى منه بأكثر من ثمن المثل ففيه وجهان ( أحدهما ) يلزمه لأنه ثمن في بيع صحيح ( والثاني ) لا يلزمه إلا ثمن المثل كالمكره على شرائه فلم يلزمه أكثر من ثمن المثل ، وإن وجد الميتة وطعام الغير وصاحبه غائب ففيه وجهان ( أحدهما ) أنه يأكل الطعام لأنه طاهر ، فكان أولى ( والثاني ) يأكل الميتة ، لأن أكل الميتة ثبت بالنص ، وطعام الغير ثبت بالاجتهاد ، فقدم أكل الميتة عليه ، ولأن المنع من أكل الميتة لحق الله سبحانه وتعالى ، والمنع من طعام الغير لحق الآدمي وحقوق الله تعالى مبنية على التسهيل ، وحقوق الآدمي مبنية على التشديد .

وإن وجد ميتة وصيدا وهو محرم ، ففيه طريقان ( من ) أصحابنا من قال : إذا قلنا : إنه إذا ذبح المحرم الصيد صار ميتة أكل الميتة وترك الصيد ، لأنه إذا ذكاه صار ميتة ، ولزمه الجزاء ( وإن قلنا ) إنه لا يصير ميتة أكل الصيد لأنه طاهر ، ولأن تحريمه أخف لأنه يحرم عليه وحده ، والميتة محرمة عليه وعلى غيره ( ومن ) أصحابنا من قال : إن قلنا إنه يصير ميتة أكل الميتة ، وإن قلنا إنه لا يكون ميتة ففيه قولان ( أحدهما ) يذبح الصيد ويأكله ، لأنه طاهر ولأن تحريمه أخف على ما ذكرناه ( والثاني ) أنه يأكل الميتة لأنه منصوص عليها ، والصيد مجتهد فيه ، وإن اضطر ووجد آدميا ميتا جاز له أكله ، لأن حرمة الحي آكد من حرمة الميت ، وإن وجد مرتدا أو من وجب قتله في الزنا جاز له أن يأكله ، لأن قتله مستحق ، وإن اضطر ولم يجد شيئا فهل يجوز له أن يقطع شيئا من بدنه ويأكله ؟ فيه وجهان ( قال ) [ ص: 43 ] أبو إسحاق : يجوز لأنه إحياء نفس بعضو فجاز ، كما يجوز أن يقطع عضوا إذا وقعت فيه الآكلة لإحياء نفسه ، ومن أصحابنا من قال : لا يجوز لأنه إذا قطع عضوا منه كان المخافة عليه أكثر ، وإن اضطر إلى شرب الخمر أو البول شرب البول ، لأن تحريم الخمر ، أغلظ ولهذا يتعلق به الحد فكان البول أولى وإن اضطر إلى شرب الخمر وحدها ففيه ثلاثة أوجه ( أحدهما ) أنه لا يجوز أن يشرب ، لما روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم } ( والثاني ) يجوز ، لأنه يدفع به الضرر عن نفسه فصار كما لو أكره على شربها ( والثالث ) أنه إن اضطر إلى شربها للعطش لم يجز ، لأنها تزيد في الإلهاب والعطش ، وإن اضطر إليها للتداوي جاز

التالي السابق


( الشرح ) حديث { من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة } رواه وأما حديث أم سلمة فرواه أبو يعلى الموصلي في مسنده بإسناد صحيح إلا رجلا واحدا فإنه مستور ، والأصح جواز الاحتجاج برواية المستور ، ورواه البيهقي أيضا ( أما ) الأحكام ففيها مسائل : ( إحداها ) أجمعت الأمة على أن المضطر إذا لم يجد طاهرا يجوز له أكل النجاسات كالميتة والدم ولحم الخنزير وما في معناها ، ودليله في الكتاب ، وفي وجوب هذا الأكل وجهان ذكرهما المصنف بدليلهما ( أصحهما ) يجب ، وبه قطع كثيرون أو الأكثرون ، وصححه الباقون ( والثاني ) لا يجب بل هو مباح ، فإن أوجبنا الأكل فإنما يجب سد الرمق دون الشبع ، صرح به الدارمي وصاحب البيان وآخرون واتفقوا على أن المضطر إذا وجد طاهرا يملكه لزمه أكله .

( الثانية ) في حد الضرورة قال أصحابنا : لا خلاف أن الجوع القوي [ ص: 44 ] لا يكفي لتناول الميتة ونحوها ، قالوا : ولا خلاف أنه لا يجب الامتناع إلى الإشراف على الهلاك ، فإن الأكل حينئذ لا ينفع ، ولو انتهى إلى تلك الحال لم يحل له أكلها ، لأنه غير مفيد واتفقوا على جواز الأكل إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع أو ضعف على المشي أو عن الركوب وينقطع عن رفقته ويضيع ونحو ذلك ، فلو خاف حدوث مرض مخوف في جسمه فهو كخوف الموت ، وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح الوجهين ، وقيل : إنهما قولان ، ولو عيل صبره وأجهده الجوع فهل يحل له الميتة ونحوها ؟ أم لا يحل حتى يصل إلى أدنى الرمق ؟ فيه قولان ذكرهما البغوي وغيره ( أصحهما ) الحل ، قال إمام الحرمين وغيره : ولا يشترط فيما يخافه تيقن وقوعه لو لم يأكل ، بل يكفي غلبة الظن ، قالوا : كما أن المكره على أكل الميتة يباح له أكلها إذا ظن وقوع ما خوف به ، ولا يشترط أن يعلم ذلك فإنه لا يطلع ، على الغيب ، وجملة جهات الظن مستندها الظن ، والله تعالى أعلم .

( الثالثة ) قال أصحابنا : يباح للمضطر أن يأكل من الميتة ما يسد الرمق بلا خلاف ولا يباح له الزيادة على الشبع بلا خلاف ، وفي حل الشبع . قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ، وذكر إمام الحرمين وغيره أن الأصحاب نقلوا في المسألة ثلاثة أقوال : ( أحدها ) لا يباح الشبع ، وإنما يباح سد الرمق ، وهو أن يصير إلى حالة لو كان عليها في الابتداء لما جاز أكل الميتة ، لأن الضرورة تزول بهذا ، والتمادي في أكل الميتة من غير ضرورة ممتنع .

( والثاني ) يباح الشبع ، قال إمام الحرمين : وليس معنى الشبع أن يمتلئ حتى لا يجد للطعام مساغا . ولكن إذا انكسرت سورة الجوع بحيث لا ينطبق عليه اسم جائع أمسك .

( والثالث ) إن كان بعيدا من العمران حل الشبع وإلا فلا هكذا أطلق [ ص: 45 ] الخلاف جماهير الأصحاب في الطريقين ، ونقله إمام الحرمين هكذا عن الأصحاب ثم أنكره عليهم ، وقال : الذي يجب القطع به التفصيل ، وذكر هو والغزالي تفصيلا جاء نقله أنه إن كان في بادية وخاف : إن ترك الشبع أن لا يقطعها ويهلك ، وجب القطع بأنه يشبع ، وإن كان في بلد وتوقع طعاما طاهرا قبل عودة الضرورة وجب القطع بالاقتصار على سد الرمق ، وإن كان لا يظهر حصول طعام طاهر وأمكن الحاجة إلى العود إلى أكل الميتة مرة بعد أخرى إن لم يجد الطاهر فهذا محل الخلاف . وهذا التفصيل الذي ذكره الإمام والغزالي تفصيل حسن ، وهو الراجح واختلف الأصحاب في الراجح من الخلاف فرجح أبو علي الطبري في الإفصاح والروياني وغيرهما حل الشبع ، ورجح القفال وكثيرون وجوب الاقتصار على سد الرمق وتحريم الشبع ، وهذا هو الصحيح ، والله سبحانه أعلم .

( الرابعة ) قال أصحابنا : يجوز له التزود من الميتة إن لم يرج الوصول إلى طاهر فإن رجاه فوجهان ( أحدهما ) لا يجوز وبه قطع البغوي وغيره ( وأصحهما ) يجوز وبه قطع القفال وغيره ، وزاد القفال فقال : يجوز حمل الميتة من غير ضرورة ، ما لم يتلوث بها .

( الخامسة ) إذا جوزنا الشبع فأكل ما سد رمقه ثم وجد لقمة حلالا لم يجز أن يأكل من الميتة حتى يأكل تلك اللقمة فإذا أكلها هل له إتمام الأكل من الميتة إلى الشبع ؟ فيه وجهان حكاهما البغوي عن شيخه القاضي حسين ( أصحهما ) له ذلك لأنه كان مباحا ( والثاني ) لا لأنه بوجود اللقمة عاد إلى المنع فيحتاج إلى عود الضرورة .

( فرع ) لو لم يجد المضطر إلا طعام غيره وهو غائب أو ممتنع من البذل فله الأكل منه بلا خلاف ، وهل له الشبع ؟ أم يلزمه الاقتصار على [ ص: 46 ] سد الرمق ؟ فيه طرق ( أصحها ) طرد الخلاف كالميتة ( والثاني ) يباح الشبع قطعا ( والثالث ) يحرم قطعا ، بل يقتصر على سد الرمق ( السادسة ) في بيان جنس المباح ، قال أصحابنا : المحرم الذي يحتاج المضطر إلى تناوله ضربان مسكر وغيره ( أما ) المسكر فسنذكره إن شاء الله تعالى بعد انقضاء هذه المسائل ، حيث ذكره المصنف بعد هذا ( وأما ) غير المسكر فيباح جميعه ما لم يكن فيه إتلاف معصوم فيجوز للمضطر أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب البول وغير ذلك من النجاسات ، ويجوز له قتل الحربي والمرتد وأكلهما بلا خلاف ( وأما ) الزاني المحصن والمحارب وتارك الصلاة ففيهم وجهان ( أصحهما ) وبه قطع إمام الحرمين والمصنف والجمهور : يجوز ، قال الإمام : لأنا إنما منعنا من قتل هؤلاء تفويضا إلى السلطان لئلا يفتات عليه ، وهذا العذر لا يوجب التحريم عند تحقق ضرورة المضطر ( وأما ) إذا وجد المضطر من له عليه قصاص فله قتله قصاصا وأكله سواء حضره السلطان أم لا ، لما ذكرناه في المسألة قبلها صرح به البغوي وآخرون .

( وأما ) نساء أهل الحرب وصبيانهم ففيهم وجهان ( أحدهما ) وبه قطع البغوي لا يجوز قتلهم للأكل ، لأن قتلهم حرام فأشبه الذمي ( والثاني ) وهو الأصح : يجوز ، وبه قال إمام الحرمين والغزالي لأنهم ليسوا معصومين ، وليس المنع من قتلهم لحرمة نفوسهم ، بل لحق الغانمين ، ولهذا لا تجب الكفارة على قاتلهم .

( وأما ) الذمي والمعاهد والمستأمن فمعصومون ، فيحرم قتلهم للأكل بلا خلاف ، ولا خلاف أنه لا يجوز لوالد قتل ولده ليأكله ، ولا للسيد قتل عبده ليأكله ، وإن كان لا قصاص عليه في قتله ، لأنه معصوم .

( أما ) إذا لم يجد المضطر إلا آدميا ميتا معصوما ففيه طريقان ( أصحهما وأشهرهما ) يجوز ، وبه قطع المصنف والجمهور ( والثاني ) فيه وجهان [ ص: 47 ] حكاهما البغوي ( الصحيح ) الجواز ، لأن حرمة الحي آكد ( والثاني ) لا ، لوجوب صيانته ، وليس بشيء ، وقال الدارمي : إن كان الميت كافرا حل أكله ، وإن كان مسلما فوجهان ، ثم إن الجمهور أطلقوا المسألة ، قال الشيخ إبراهيم المروذي : لا ، إذا كان الميت نبيا فلا يجوز الأكل منه بلا خلاف ، لكمال حرمته ومزيته على غير الأنبياء ، قال الماوردي : فإن جوزنا الأكل من الآدمي الميت فلا يجوز أن نأكل منه إلا ما يسد الرمق بلا خلاف حفظا للحرمتين ، قال : وليس له طبخه وشيه ، بل يأكله نيئا لأن الضرورة تندفع بذلك وفي طبخه هتك لحرمته ، فلا يجوز الإقدام عليه بخلاف سائر الميتات ، فإن للمضطر أكلها نيئة ومطبوخة ، ولو كان المضطر ذميا ووجد مسلما ففي حل أكله له وجهان حكاهما البغوي ، ولم يرجح واحدا منهما ، والقياس تحريمه لكمال شرف الإسلام ، ولو وجد ميتة ولحم آدمي أكل الميتة ، ولم يجز أكل الآدمي سواء كانت الميتة خنزيرا أو غيره ، ولو وجد المحرم صيدا ولحم آدمي أكل الصيد لحرمة الآدمي .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث