الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - وما سوى ذلك من الدواب والطيور ينظر فيه ، فإن كان مما يستطيبه العرب حل أكله ، وإن كان مما لا يستطيبه العرب لم يحل أكله [ ص: 27 ] لقوله عز وجل : { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } ويرجع في ذلك إلى العرب من أهل الريف والقرى وذوي اليسار والغنى دون الأجلاف من أهل البادية والفقراء وأهل الضرورة ، فإن استطاب قوم شيئا واستخبثه قوم رجع إلى ما عليه الأكثر ، فإن اتفق في بلاد العجم ما لا يعرفه العرب نظر إلى ما يشبهه فإن كان حلالا حل وإن كان حراما حرم ، وإن لم يكن له شبيه فيما يحل ولا فيما يحرم ففيه وجهان قال أبو إسحاق وأبو علي الطبري يحل لقوله عز وجل { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير } وهذا ليس بواحد منها ، ( وقال ) ابن عباس رضي الله عنه ما سكت عنه فهو عفو ( ومن ) أصحابنا من قال : لا يحل أكله ، لأن الأصل في الحيوان التحريم ، فإذا أشكل بقي على أصله .

التالي السابق


( الشرح ) هذا المذكور عن ابن عباس رواه أبو داود عنه هكذا بإسناد حسن ، ورواه البيهقي مرفوعا عن سلمان الفارسي . وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو من عفوه } قال أصحابنا : من الأصول المعتبرة في هذا الباب الاستطابة والاستخباث ، ورواه الشافعي - رحمه الله - الأصل الأعظم الأعم ولهذا أفسح الباب ، والمعتمد فيه قوله تعالى : { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } وقوله تعالى : { يسألونك [ ص: 28 ] ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات } قال أصحابنا وغيرهم : وليس المراد بالطيب هنا الحلال ، لأنه لو كان المراد الحلال لكان تقديره أحل لكم الحلال ، وليس فيه بيان ، وإنما المراد بالطيبات ما يستطيبه العرب ، وبالخبائث ما تستخبثه . قال أصحابنا : ولا يرجع في ذلك إلى طبقات الناس ، وينزل كل قوم على ما يستطيبونه أو يستخبثونه ، لأنه يؤدي إلى اختلاف الأحكام في الحلال والحرام واضطرابها ، وذلك يخالف قواعد الشرع ، قالوا : فيجب اعتبار العرب ، فهم أولى الأمم بأن يؤخذ باستطيابهم واستخباثهم لأنهم المخاطبون أولا ، وهم جيل معتدل لا يغلب فيهم الانهماك على المستقذرات ولا العفافة المتولدة من التنعم فيضيقوا المطاعم على الناس .

قالوا : وإنما يرجع إلى العرب الذين هم سكان القرى والريف دون أجلاف البوادي الذين يأكلون ما دب ودرج من غير تمييز وتغيير عادة أهل اليسار والثروة دون المحتاجين ، وتغيير حالة الخصب والرفاهية دون الجدب والشدة قال الرافعي : وذكر جماعة أن الاعتبار بعادة العرب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الخطاب لهم ، قال : ويشبه أن يقال : يرجع في كل زمان إلى العرب الموجودين فيه ، قال أصحابنا : فإن استطابته العرب أو سمته باسم حيوان حلال فهو حلال وإن استخبثته أو سمته باسم محرم فمحرم ، فإن استطابته طائفة واستخبثته أخرى اتبعنا الأكثرين فإن استويا قال الماوردي وأبو الحسن العبادي : يتبع قريش لأنهم قطب العرب ، فإن اختلفت قريش ولا ترجيح أو شكوا ولم يحكموا بشيء أو لم نجدهم ولا غيرهم من العرب ، اعتبرناه بأقرب الحيوان به شبها والشبه تارة يكون في الصورة وتارة في طبع الحيوان من الصيالة والعدوان ، وتارة في طعم اللحم ، فإن استوى الشبهان أو لم نجد ما يشبهه فوجهان [ ص: 29 ] مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ( أصحهما ) الحل قال إمام الحرمين : وإليه ميل الشافعي ( والثاني ) التحريم . قال أصحابنا : وإنما يراجع العرب في حيوان لم يرد فيه نص بتحليل ولا تحريم ولا أمر بقتله ولا نهي عن قتله ، فإن وجد شيء من هذه الأصول اعتمدناه ولم نراجعهم ، قطعا ، فمن ذلك الحشرات وغيرها مما سبق ، والله تعالى أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث