الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نذر الحج ماشيا فركب وهو قادر على المشي

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( فإن نذر المشي فركب وهو قادر على المشي ، لزمه دم ، لما روى ابن عباس عن عقبة بن عامر { أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال : إن الله تعالى لغني عن نذر أختك ، لتركب ولتهد بدنة } ولأنه صار بالنذر نسكا واجبا ، فوجب بتركه الدم كالإحرام من الميقات ، فإن لم يقدر على المشي فله أن يركب ، لأنه إذا جاز أن يترك القيام الواجب في الصلاة للعجز جاز أن يترك المشي ، فإن ركب فهل يلزمه دم ؟ فيه قولان ( أحدهما ) لا يلزمه لأن حال العجز لم يدخل في النذر ( والثاني ) يلزمه لأن ما وجب به الدم لم يسقط الدم فيه بالمرض كالتطيب واللباس ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن عباس عن عقبة رواه أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس { أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى البيت فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تركب وتهدي هديا } هذا لفظ أبي داود ، وفي رواية عن عبد الله بن مالك الجيشاني عن عقبة بن عامر قال : { يا رسول الله إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت حافية غير مختمرة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا ، فلتركب ولتختمر ، ولتصم ثلاثة أيام } رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم ، قال الترمذي : حديث حسن ، وفيما قاله نظر ، فإن في إسناده ما يمنع حسنه ، وسنذكر قريبا إن شاء الله تعالى قول البخاري فيه . وعن كريب عن ابن عباس قال { جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن أختي نذرت - يعني أن تحج [ ص: 493 ] ماشية - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا ، فلتحج راكبة ولتكفر عن يمينها } رواه أبو داود . وعن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال : { نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله وأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لتمش ولتركب } رواه البخاري ومسلم بهذا اللفظ في صحيحيهما ، ومعناه - والله أعلم - لتمش إذا قدرت وتركب إذا عجزت أو يشق عليها المشي ، وكذا ترجم له البيهقي فقال " باب المشي فيما قدر عليه ، والركوب فيما عجز عنه " . ثم ذكر هذا الحديث ، ورواه البيهقي من رواية ابن عباس { أن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية ، وأنها لا تطيق ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى لغني عن مشي أختك ، فلتركب ولتهد بدنة } هكذا في هذه الرواية بدنة ، وهو موافق لرواية المصنف في الكتاب . قال البيهقي : كذا في هذه الرواية وروي من طريق آخر " فتهدي هديا " وروي بغير ذكر الهدي ، ثم ذكر هذه الطرق كلها من رواية ابن عباس ، ثم رواه من رواية عقبة بغير ذكر الهدي كما سبق عن رواية البخاري ومسلم . ثم روى البيهقي الروايات السابقة عن سنن أبي داود والترمذي ، ثم روي بإسناد عن البخاري قال : لا يصح ذكر الهدي في حديث عقبة بن عامر ، ثم روى البيهقي بإسناد عن أبي هريرة قال { بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في جوف الليل في ركب إذ بصر بخيال قد نفرت منه إبلهم ، فأنزل رجلا فنظر فإذا هو بامرأة عريانة ناقضة شعرها ، فقال ما لك ؟ قالت : نذرت أن أحج البيت ماشية عريانة ناقضة شعري فأنا أتكمن بالنهار وأنتكب الطريق بالليل . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : ارجع إليها فمرها فتلبس ثيابها ، ولتهرق دما } قال البيهقي : هذا إسناد ضعيف ، قال : وروي من وجه آخر منقطع دون ذكر الهدي فيه . ثم روي بأسانيد عن الحسن البصري عن عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا نذر أحدكم [ ص: 494 ] أن يحج ماشيا فليهد وليركب } " وفي رواية { فليهد بدنة وليركب } قال البيهقي : ( ولا يصح سماع الحسن من عمران فهو مرسل ، قال وروي فيه عن علي موقوفا والله أعلم ) . أما أحكام الفصل ففيه مسائل : ( إحداها ) إذا نذر الحج ماشيا ، وقلنا بالأصح : إنه يلزمه المشي لم يجز له الركوب إن قدر على المشي ، لقوله صلى الله عليه وسلم { من نذر أن يطيع الله فليطعه } فإن عجز عن المشي جاز له الركوب ما دام عاجزا فمتى قدر لزمه المشي ، لحديث عقبة بن عامر السابق في هذا الفصل عن صحيح البخاري ومسلم . ولحديث أنس قال : { مر النبي صلى الله عليه وسلم بشيخ كبير يهادى بين ابنيه فقال : ما بال هذا ؟ فقالوا : نذر يا رسول الله أن يمشي . قال : إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه فأمره أن يركب } قال الترمذي : هذا حديث صحيح .

( والثانية ) إذا عجز عن المشي فحج راكبا وقع حجه عن النذر بلا خلاف ، وهل يلزمه جبر المشي الفائت بإراقة دم ؟ فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ( أحدهما ) لا دم كما لو نذر الصلاة قائما فعجز فإنه يصلي قاعدا ويجزئه ولا شيء عليه ( وأصحهما ) يلزمه الدم لما ذكره .

فعلى هذا فيما يلزمه طريقان . المذهب أنه شاة تجزئه في الأضحية كسائر الحيوانات ( والثاني ) فيه قولان ( هذا ) ( والثاني ) يلزمه بدنة للحديث السابق ، حكاه الخراسانيون والله أعلم .

( الثالثة ) إذا قدر على المشي فتركه وحج راكبا فقد أساء وارتكب حراما تفريعا على المذهب وهو وجوب المشي ، وهل يجزئه حجه عن نذره ؟ فيه طريقان ( أحدهما ) يجزئه قولا واحدا ، وبه قطع المصنف والعراقيون ( والثاني ) حكاه الخراسانيون فيه قولان ( القديم ) لا يجزئه ، بل عليه [ ص: 495 ] القضاء لأنه لم يأت به على صفته الملتزمة ( والأصح ) الجديد أنه يجزئه ولا قضاء ، كما لو ترك الإحرام من الميقات وأحرم مما دونه ، أو ارتكب محظورا آخر فإنه يصح حجه ويجزئه بلا خلاف ، فعلى هذا في وجوب الدم عليه قولان ، وقيل وجهان ( أصحهما ) يجب وبه قطع المصنف وآخرون وهل هو بدنة أو شاة ؟ فيه الخلاف السابق ، الأصح شاة ، والله أعلم .

( فرع ) أما حقيقة العجز عن المشي فالظاهر أن المراد بها أن يناله به مشقة ظاهرة ، كما قاله الأصحاب في العجز عن القيام في الصلاة ، وفي العجز عن صوم رمضان بالمرض ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث