الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نذر أن يصوم في كل اثنين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن نذر أن يصوم في كل اثنين لم يلزمه قضاء أثانين رمضان لأنه يعلم أن رمضان لا بد فيه من الأثانين فلا يدخل في النذر فلم يجب قضاؤها ، وفيما يوافق منها أيام العيد قولان ( أحدهما ) لا يجب وهو قول المزني قياسا على ما يوافق رمضان ( والثاني ) يجب لأنه نذر ما يجوز أن لا يوافق أيام العيد ، فإذا وافق لزمه القضاء ، وإن لزمه صوم الأثانين بالنذر ثم لزمه صوم شهرين متتابعين في كفارة بدأ بصوم الشهرين ثم يقضي صوم الأثانين لأنه إذا بدأ بصوم الشهرين يمكنه بعد الفراغ من الشهرين أن يقضي صوم الأثانين ، وإذا بدأ بصوم الأثانين لم يمكنه أن يقضي صوم الشهرين فكان الجمع بينهما أولى ، فإذا فرغ من صوم الشهرين لزمه قضاء صوم الأثانين لأنه أمكنه صيامهما وإنما تركه لعارض فلزمه القضاء كما لو تركه لمرض . وإن وجب عليه صوم الشهرين ثم نذر صوم الأثانين بدأ بصوم الشهرين ثم يقضي صوم الأثانين كما قلنا فيما تقدم ، ومن أصحابنا من قال : لا يجب القضاء لأنه استحق صيامه عن الكفارة فلا يدخل في النذر . والمذهب أنه يلزمه لأنه كان يمكنه صومه عن النذر فإذا صامه عن غيره لزمه القضاء ) .

[ ص: 480 ]

التالي السابق


[ ص: 480 ] ( الشرح ) قوله : " أثانين رمضان " كذا في النسخ والصواب أثاني بحذف النون قال أصحابنا : إذا نذر صوم يوم الاثنين دائما لزمه الوفاء به تفريعا على المذهب أن الوقت المعين في نذر الصوم يتعين . وعلى ذلك الوجه الشاذ يصوم بدل الاثنين - أي يوم شاء - ولا تفريع عليه ، وإنما التفريع على المذهب كما سبق . ولو نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان أبدا فقدم يوم الاثنين ففي انعقاد نذر يوم القدوم بعينه القولان المشهوران ، وسنشرحهما عقب هذا واضحا إن شاء الله تعالى ( وأما ) ما بعده من الأثانين فيلزمه بلا خلاف ، كما لو نذر صوم الاثنين . واتفق أصحابنا على أنه لا يجب قضاء الاثنين الواقعة في رمضان ، لكن لو وقع فيه خمسة ففي وجوب قضاء الخامس وجهان ، وقيل : قولان ( أصحهما ) لا يجب ( والثاني ) يجب . وكذا لو وقع يوم العيد يوم الاثنين ، فالأصح أنه لا قضاء أيضا ، وأيام التشريق كالعيد بناء على المذهب . وهو أنها لا تقبل الصوم ، ولو صدر هذا النذر عن امرأة وأفطرت بعض الأثانين بحيض أو نفاس فالمذهب أن القضاء على القولين كالعيد ، وبهذا قطع الجمهور ، وقيل يجب قضاؤه قطعا لأن واجبه شرعا يقضى ، وهو رمضان ، فكذا بالنذر والصحيح الأول ، ثم إن هذين الطريقين فيما إذا لم يكن لها عادة غالبة ، فإن كانت فعدم القضاء فيما تقع عادتها أصح وأقوى وقطع به بعض الأصحاب ، وقيل خلافه ، لأن العادة قد تختلف ، ولو أفطر هذا الناذر بعض الأثانين بالمرض فطريقان ، أصحهما القطع بوجوب القضاء ، والثاني أنه على الخلاف السابق فيمن نذر صوم سنة معينة ، والله أعلم .

أما إذا لزمه صوم شهرين متتابعين عن كفارة ، فيجب تقديم صوم الكفارة على الأثانين ، سواء تقدم وجوب الكفارة أو تأخر ، لأنه يمكن قضاء الأثانين ولو عكس لم يتمكن من الكفارة لفوات التتابع ، ثم إن [ ص: 481 ] لزمته الكفارة بعد الأثانين لزمه قضاء الأثانين الواقعة في الشهرين ، لأنه أدخل على نفسه صوم الشهرين بعد النذر ، وإن لزمته الكفارة قبل الأثانين الواقعة في الشهرين فوجهان ، وقيل : قولان .

( أصحهما ) عند المصنف والبغوي والرافعي في المحرر وطائفة : يجب القضاء ، وهو المنصوص في رواية الربيع .

( والثاني ) لا يجب ، وهو الأصح عند ابن كج والقاضي أبي الطيب والمحاملي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم ، وهو الأصح المختار ، والله أعلم .

ولو نذر صوم شهرين معينين ثم نذر صوم كل اثنين ، فإنه يصوم الشهرين المعينين عن النذر الأول ، ولا يلزمه قضاء الأثانين ، لأن صومها مستحق بالنذر الأول ، وهذا لا خلاف فيه ، وإن نذر صوم كل اثنين ثم نذر صوم شهرين بأعيانهما ؟ فإنه يصوم أيام الشهرين إلا الأثانين عن النذر الثاني ، وأما الأثانين فيصومها عن النذر الأول . ولا يلزمه قضاؤها على النذر الثاني لأنها مستحقة للصوم عن النذر الأول فلم يتناولها الثاني ، والله أعلم . وأما إذا نذر أن يصوم شهرا متتابعا أو شهرين متتابعين ، أو أسبوعا متتابعا ثم نذر الأثانين ، فإن لم يعين الشهر أو الشهرين فهو كما لو لزمته الكفارة ثم نذر الأثانين ، وإن عين فقد قال المتولي : يبنى على أنه لو عين وقتا للصوم هل يجوز فيه الصوم عن قضاء أو نذر آخر ؟ وقد سبق بيان الخلاف فيه ، فإن جوزناه فهو كما لو لم يعين وإلا فحكم ذلك الشهر حكم رمضان ، وبهذا قطع البغوي ، وقال أيضا : إذا صادف نذران زمانا معينا فيحتمل أن يقال لا ينعقد النذر الثاني وطرد هذا الاحتمال فيما إذا قال : إذا قدم زيد لله علي أن أصوم اليوم التالي لقدومه ، وإن قدم عمرو فلله علي أن أصوم أول خميس بعد قدومه ، فقدما معا يوم الأربعاء ، ونقل [ ص: 482 ] عن المذهب أنه يصوم عن أول نذر نذره ، ويقضي يوم النذر الثاني .

وفي تعليق الشيخ أبي حامد وغيره أنه لو نذر أن يصوم أول خميس بعد شفاء مريضه ، ونذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان ، فشفى المريض ، وأصبح الناذر في أول الخميس صائما فقدم فيه فلان وقع صومه عما نواه ( وأما ) النذر الآخر - فإن قلنا لا ينعقد - فلا شيء عليه ، وإن قلنا : ينعقد قضى عنه يوما آخر ، والله أعلم .

( فرع ) إذا نذر صوم الدهر انعقد نذره كما سبق في باب صوم التطوع ، ويستثنى منه العيدان والتشريق وقضاء رمضان ، وكذا لو كان عليه كفارة حال النذر . ويلزمه صوم ما سوى ذلك من أيام الدهر ، ولو لزمه كفارة بعد النذر فالمذهب أنه يصوم عنها ويفدي عن النذر . وقال المتولي : يبنى على الأصل السابق أن النذر يسلك به مسلك واجب الشرع أم جائزه ؟ وإن قلنا بالأول لم يصم عن الكفارة ويصير كالعاجز عن جميع الخصال .

( وإن قلنا ) بالثاني صام عن الكفارة ، ثم إن لزمته بسبب هو فيه مختار لزمه الفدية وإلا فلا ، ولو أفطر في رمضان بعذر أو غيره لزمه قضاؤه ويقدم على النذر كما تقدم إلا إذا ثم إن أفطر بعذر فلا فدية ، وإن تعدى لزمته . قال إمام الحرمين : لو نوى في بعض الأيام قضاء يوم كان أفطره متعديا فالوجه أنه يصح ، وأن الواجب غير ما فعل ، ثم يلزمه المد لما ترك من الأداء في ذلك اليوم ، قال الرافعي : وينبغي أن يكون في صحته الخلاف السابق في أن الزمان المعين لصوم النذر هل يصح فيه غيره ؟ لأن أيام غيره متعينة للنذر . قال الإمام : وهل يجوز أن يصوم عن المفطر المتعدي في [ ص: 483 ] حياته وليه ، تفريعا على أنه يصوم عن الميت وليه ؟ الظاهر جوازه لتعذر القضاء منه ، قال : وفيه احتمال من جهة أنه يطرأ عذر يجوز ترك الصوم له ، ويتصور تكلف القضاء منه ، قال الرافعي : وقد يستفاد من كلام الإمام أنه إذا سافر قضى ما أفطر فيه متعديا ، وسيأتي النظر إلى أنه هل يلزمه أن يسافر ليقضي ؟ والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث