الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خروج المعتكف من المسجد

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ويجوز أن يخرج لحاجة الإنسان ولا يبطل اعتكافه ; لحديث عائشة رضي الله عنها ولأن ذلك خروج لما لا بد منه فلم يمنع منه ، وإن كان للمسجد سقاية ، لم يلزمه قضاء الحاجة فيها ; لأن ذلك نقصان مروءة وعليه في ذلك مشقة فلم يلزمه ، وإن كان بقربة بيت صديق له ، لم [ ص: 527 ] يلزمه قضاء الحاجة فيه ; لأنه ربما احتشم وشق عليه فلم يكلف ذلك ، وإن كان له بيتان قريب وبعيد ففيه وجهان ( أظهرهما ) أنه لا يجوز أن يمضي إلى البعيد ، فإن خرج إليه بطل اعتكافه ; لأنه لا حاجة به إليه فأشبه إذا خرج لغير حاجة . وقال أبو علي بن أبي هريرة : يجوز أن يمضي إلى الأبعد ولا يبطل اعتكافه ; لأنه خروج لحاجة الإنسان فأشبه إذا لم يكن له غيره ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث عائشة سبق بيانه وفي الفصل مسائل : ( إحداها ) يجوز الخروج لحاجة الإنسان وهي البول والغائط وهذا لا خلاف فيه . وقد نقل ابن المنذر والماوردي وغيرهما إجماع المسلمين على هذا . قال أصحابنا : وله أيضا الخروج لغسل الاحتلام بلا خلاف ، ودليلهما في الكتاب .

( الثانية ) إذا كان للمسجد سقاية لم نكلفه قضاء الحاجة فيها ، بل له الذهاب إلى داره ، وكذا لو كان بجنبه دار صديق له وأمكنه دخولها لم نكلفه ذلك ; لما ذكره المصنف .

( الثالثة ) إذا كان له بيتان أحدهما أقرب وكل واحد منهما بحيث لو انفرد جاز الذهاب إليه فهل يجوز الذهاب إلى الأبعد ؟ فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف بدليلهما ( أصحهما ) عنده وعند غيره لا يجوز ، اتفق الأصحاب على تصحيحه ، والله أعلم .

( فرع ) إذا كانت داره بعيدة بعدا فاحشا - فإن لم يجد في طريقه موضعا كسقاية أو بيت صديق يأذن فيه - فله الذهاب إلى داره وجها واحدا ; لأنه مضطر إلى ذلك ، وإن وجد وكان لا يليق به دخول غير داره فله الذهاب إلى داره ، أيضا بلا خلاف وإلا فوجهان مشهوران ، حكاهما البندنيجي والدارمي والفوراني وإمام الحرمين والبغوي والسرخسي وصاحبا العدة والبيان وآخرون ( أصحهما ) لا يجوز الذهاب إلى غير داره ; لأنه يذهب جملة مقصودة من أوقات الاعتكاف في الذهاب والمجيء وهو غير مضطر إليه . [ ص: 528 ] والثاني ) يجوز ; لأنه يشق قضاء الحاجة في غير بيته ، وهذا الوجه هو ظاهر نص الشافعي فإنه قال في المختصر : ويخرج المعتكف للغائط والبول إلى منزله وإن بعد ، وممن جزم بهذا الوجه المحاملي والماوردي وهو ظاهر كلام المصنف وشيخه القاضي أبي الطيب ، وممن جزم بالأول الشيخ أبو حامد والصيدلاني ، وهو ظاهر كلام صاحب الشامل وغيره ، وصححه البندنيجي والرافعي وغيره ، قال الشيخ أبو حامد في التعليق : هذه اللفظة التي نقلها المزني وهي قوله : وإن بعد ، لا أعرفها للشافعي ، وتأولها غير أبي حامد على ما إذا كان المنزل بعيدا غير متفاحش ، والله أعلم .

وذكر المتولي طريقة تخالف ما ذكرناه عن الجمهور في بعضها ، فقال : إن كان المنزل بعيدا عن المسجد أو لم يجد غيره فله الذهاب إليه ، وإن وجد غيره كسقاية مسبلة - فإن كان عادة مثله قضاء الحاجة في السقاية المذكورة - لم يجز الذهاب إلى منزله ، فإن ذهب بطل اعتكافه المتتابع ، فإن لم يكن ممن عادة مثله قضاء الحاجة في السقاية فوجهان ، قال : وهما شبيهان بالوجهين فيمن هدد بما يذهب مروءته على فعل شيء ففعله ، هل يكون ذلك إكراها أم لا ؟ والله أعلم .

( فرع ) قال أصحابنا لا يشترط في الخروج لقضاء الحاجة شدة الحاجة ; لأن في اعتباره ضررا بينا ، ونقل إمام الحرمين اتفاق الأصحاب على هذا .

( فرع ) قال أصحابنا : إذا خرج لقضاء الحاجة لا يكلف الإسراع ، بل له المشي على عادته . قال المتولي ويكره له أن ينقص عن عادة مشيه ; لأنه لا مشقة في تكليفه المشي على العادة ، فلو خرج في الثاني عن حد عادته من غير عذر بطل اعتكافه على الصحيح ، ذكره المتولي والروياني في البحر .

( فرع ) لو كثر خروجه للحاجة لعارض يقتضيه ، كإسهال ونحوه فوجهان ، حكاهما إمام الحرمين ( أصحهما ) وهو مقتضى إطلاق الجمهور لا يضره ، نظرا إلى جنسه .

( والثاني ) يقطع التتابع لندوره ، والله أعلم .

[ ص: 529 ] فرع ) أوقات الخروج لقضاء الحاجة لا يجب تداركها ، وقضاؤها في الاعتكاف المنذور لعلتين ( أحدهما ) أن الاعتكاف مستمر فيها على الصحيح من وجهين حكاهما المتولي وغيره ، وبهذا الصحيح قطع آخرون ، قالوا : ولهذا لو جامع في أثناء طريقه في الخروج لقضاء الحاجة من غير مكث بطل اعتكافه على الصحيح ، ويتصور ذلك بأن يذهب لقضاء الحاجة راكبا مع المرأة في هودج ونحوه . وصوروه أيضا في وقفة لطيفة جدا ( والعلة الثانية ) أن زمن الخروج لقضاء الحاجة مستثنى ; لأنه ضروري ، والله أعلم .

( فرع ) إذا خرج لقضاء الحاجة في اعتكاف منذور متتابع ثم عاد ففي اشتراط تجديد النية طريقان ( المذهب ) أنه لا يشترط ; لأن الأولى باقية حكما ، كما لا يجب تجديد النية في ركعات الصلاة ولا في أعضاء الوضوء وأفعال الحج ( والطريق الثاني ) أن قرب الزمان لم يشترط التجديد وإلا فوجهان .

( فرع ) إذا فرغ من قضاء الحاجة واستنجى فله أن يتوضأ خارج المسجد ; لأن ذلك يقع تابعا . ونقل إمام الحرمين الاتفاق على هذا ( وأما ) إذا احتاج إلى الوضوء لغير بول وغائط ومن غير حاجة إلى استنجاء - فإن لم يمكنه في المسجد - جاز الخروج له ولا يقطع الاعتكاف . وإن أمكنه في المسجد فوجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره ( أصحهما ) لا يجوز الخروج له . ونقله الإمام عن الأكثرين ثم ، قال : ولا شك أن هذا الخلاف في الوضوء الواجب يعني أن التجديد لا يجوز الخروج له وجها واحدا . وقد صرح صاحب الشامل بامتناع الخروج لتجديد الوضوء ولم يذكر فيه خلافا .

( فرع ) قد ذكرنا أن زمن الخروج لقضاء الحاجة لا يقطع التتابع ولا يؤثر في الاعتكاف ، ولكن هل يكون ذلك الزمان محسوبا من الاعتكاف ؟ ويعد في حال خروجه للحاجة إلى أن يرجع إلى المسجد معتكفا ؟ فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين والمتولي وغيرهما .

( أحدهما ) لا يكون في ذلك معتكفا . قال المتولي : لأنه مشغول بضده ، فلا يكون معتكفا ، ولكنه زمن مستثنى من الاعتكاف ، كما أن أوقات الصلوات تكون مستثناة من زمن الإجارة .

( والثاني ) يكون معتكفا تلك الحال ، [ ص: 530 ] لأنه لو جامع في تلك الحال أو استمتع بقبلة أنزل - وقلنا بتأثير ذلك - بطل اعتكافه على المذهب - وبه قطع المتولي وغيره ، ولولا أنه معتكف حينئذ لم يبطل ; لأن مفسد العبادة إذا لم يصادفها لا ، يفسدها كوطء الصائم في ليالي رمضان هذا معنى كلام المتولي . وأوضح إمام الحرمين هذين الوجهين فقال : اتفق الأصحاب على أن أوقات قضاء الحاجة لا تؤثر في قطع التتابع . وإن بلغت ما بلغت . قال . حتى قال طوائف من المحققين : إن الخارج لقضاء الحاجة معتكف وإن لم يكن في المسجد . واستدلوا بالاعتداد بهذا الزمان وكان يمكن أن لا يعتد به ، وإن حكم بأن التتابع لا يقطع . واستدلوا أيضا بأنه لو جامع في حال خروجه لقضاء الحاجة فله اعتكافه وكان من الممكن أن يقال : لا يفسد ويعد الجماع الواقع فيه كالجماع الواقع في ليالي الصيام المتتابع ، وقال القائلون : ليس الخارج معتكفا . ولكن زمان خروجه مستثنى وكأنه قال : لله علي اعتكاف عشرة أيام إلا أوقات خروجي لقضاء الحاجة . وأجابوا عن الجماع وحملوا كونه مفسدا على اشتغال الخارج بما لا يتعلق بحاجته ، وقد يقولون : لو عاد مريضا ينقطع تتابعه وإن كان خروجه لقضاء الحاجة كما سنفصله حتى لو فرض الجماع مع الاشتغال بقضاء الحاجة على بعد في تصويره لم يفسد الاعتكاف ، وهذا بعيد ، والصحيح أنه يفسد الاعتكاف ، وإن قلنا : إنه غير معتكف ، فإنه عظيم الموقع في الشريعة ، وهو وإن قرب زمانه أظهر تأثيرا من عيادة المريض .

وقد ذكر الأصحاب أن الخارج لقضاء الحاجة إن عاد مريضا في طريقه ، ولم يحتج إلى الازورار فلا بأس بذلك ، ولو ازور وعاد المريض انقطع التتابع ، وإن قرب الزمان على وجه كان يحتمل مثله في الأناة فإن هذا يقدح في القصد المجرد إلى قضاء الحاجة . ذكر الأصحاب أن الخارج لقضاء الحاجة لو أكل لقما فلا بأس إذا لم يجد كل مقصوده ، ولم يظهر طول زمان معتبر ، والجماع في هذا الوقت مؤثر بلا خلاف ومن تكلف تصويره فرضه في جريانه مع الاشتغال بالذهاب لقضاء الحاجة ، هذا آخر كلام إمام الحرمين .

[ ص: 531 ] فرع ) لو جامع الخارج لقضاء الحاجة في مروره بأن كان في هودج أو جامع في وقفة يسيرة أو قبل امرأته بشهوة وأنزل وقلنا بالمذهب : إنه يؤثر ، ففي بطلان اعتكافه وجهان سبقا في كلام إمام الحرمين وذكرهما آخرون ( أصحهما ) بطلان اعتكافه وبه قطع المتولي وآخرون ; لأنه أشد منافاة للاعتكاف ، ممن أطال الوقوف لعيادة مريض ( والثاني ) لا يبطل ; لأنه لم يصرف إليه زمنا وليس هو في هذه الحالة معتكفا على أحد الوجهين كما سبق ، والله أعلم . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث