الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع تلف من الماشية شيء في يد الساعي أو المالك

جزء التالي صفحة
السابق

. قال المصنف رحمه الله تعالى : ( وإن منع الزكاة أو غل أخذ منه الفرض وعزره على المنع والغلول . وقال في القديم : يأخذ الزكاة وشطر ماله ، ومضى توجيه القولين [ ص: 148 ] في أول الزكاة ، وإن وصل الساعي قبل وجوب الزكاة ورأى أن يستسلف فعل ، وإن لم يسلفه رب المال لم يجبره على ذلك ; لأنها لم تجب بعد فلا تجبره على أدائه . وإن رأى أن يوكل من يقبضه إذا حال الحول فعل ، فإن رأى أن يتركه حتى يأخذه من زكاة القابل فعل ، وإن قال رب المال : لم يحل الحول على المال فالقول قوله ، وإن رأى تحليفه حلفه احتياطا ، وإن قال : بعته ثم اشتريته ولم يحل الحول عليه . أو قال : أخرجت الزكاة عنه وقلنا : يجوز أن يفرق بنفسه ، ففيه وجهان : ( أحدهما ) يجب تحليفه ; لأنه يدعي خلاف الظاهر ، فإن نكل عن اليمين أخذ منه الزكاة .

( والثاني ) يستحب تحليفه ولا يجب ; لأن الزكاة موضوعة على الرفق ، فلو أوجبنا اليمين خرجت عن باب الرفق ويبعث الساعي لزكاة الثمار والزرع في الوقت الذي يصادف فيه الإدراك ويبعث معه من يخرص الثمار ، فإن وصل قبل وقت الإدراك ورأى أن يخرص الثمار ويضمن رب المال زكاتها فعل ، وإن وصل وقد وجبت الزكاة وبذل له أخذها ودعا له ، فإن كان الإمام أذن للساعي في تفريقها فرقها ، وإن لم يأذن له حملها إلى الإمام ) .

التالي السابق


( الشرح ) فيه مسائل : ( إحداها ) إذا لزمته زكاة فمنعها أو غلها أي كتمها وخان فيها أخذ الإمام أو الساعي الفرض منه ، والقول الصحيح الجديد أنه لا يأخذ شطر ماله . وقال في القديم يأخذه ، وسبق شرح القولين بدليليهما وفروعهما في أول كتاب الزكاة . قال الشافعي في المختصر في آخر باب صدقة الغنم السائمة : ولو غل صدقته عزر إذا كان الإمام عادلا إلا أن يدعي الجهالة ولا يعزر إن لم يكن الإمام عادلا هذا نصه ، قال أصحابنا : إذا كتم ماله أو بعضه عن الساعي أو الإمام ثم اطلع عليه أخذ فرضه ، فإن كان الإمام أو الساعي جائرا في الزيادة ، بأن يأخذ فوق الواجب أو لا يصرفها مصارفها لم يعزره ; لأنه معذور في كتمه ، وإن كان عادلا فلم يدع المالك شبهة في الإخفاء عزره ; لأنه عاص آثم بكتمانه ، وإن ادعى شبهة بأن قال : لم أعلم تحريم كتمانها ، أو قال : ظننت أن تفرقتي بنفسي أفضل ، أو نحو ذلك فإن كان ذلك ، محتملا في حقه لقرب إسلامه أو لقلة اختلاطه بالعلماء ونحوهم لم يعزره ، [ ص: 149 ] قال السرخسي : فإن اتهمه فيه حلفه ، وإن كان ممن لا يخفى عليه لاختلاطه بالعلماء ونحوهم ، لم يقبل قوله وعزره ، وأما مانع الزكاة فيعزر على كل تقدير ، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام ، يخفى عليه وجوبها أو نحوه .



( الثانية ) : إذا وصل الساعي أصحاب الأموال ، فإن كان حول صاحب المال قد تم أخذ الزكاة ودعا له كما سبق . وإن كان الحول لم يتم على جميعهم أو بعضهم سأله الساعي تعجيل الزكاة ، ويستحب للمالك إجابته وتعجيلها ، فإن عجلها برضاه أخذها ودعا له وإن امتنع لم يجبر ; لما ذكره المصنف ، ثم إن رأى الساعي المصلحة في أن يوكل من يأخذها عند حلولها ويفرقها على أهلها فعل ، وإن رأى أن يؤخرها ليأخذها منه في العام المقبل فعل ، ويكتبها لئلا ينساها أو يموت فلا يعلمها الساعي بعده . ورووا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه " أخر الزكاة عام الرمادة وكان عام مجاعة " وإن رأى أن يرجع في وقت حلولها ليأخذها فعل ، وإن وثق بصاحب المال فوض التفريق إليه ; لأنه يجوز تفريقه بغير إذن فبالإذن أولى .



( الثالثة ) : إذا اختلف الساعي ورب المال . قال أصحابنا : إن كان قول المالك لا يخالف الظاهر بأن قال : لم يحل الحول بعد ، أو قال : هذه السخال اشتريتها ، وقال الساعي : بل تولدت من النصاب ، أو قال : تولدت بعد الحول ، فقال الساعي : قبله . أو قال الساعي : كانت ماشيتك نصابا ثم توالدت ، فقال المالك : بل تمت نصابا بالتوالد ، فالقول قول المالك في جميع هذه الصور ونظائرها مما لا يخالف الظاهر فإن رأى الساعي تحليفه حلفه . واليمين هنا مستحبة ، فإن امتنع منها لم يكلف بها ولا زكاة عليه بلا خلاف ; لأن الأصل براءته ولم يعارض الأصل ظاهر ، وإن كان قول المالك مخالفا للظاهر بأن قال : بعته ثم اشتريته في أثناء الحول ولم يحل حوله بعد ، أو قال : فرقت الزكاة بنفسي وجوزنا ذلك له ونحو ذلك ، فالقول قول المالك بيمينه بلا خلاف . وهل اليمين مستحبة أم واجبة ؟ فيه وجهان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليليهما ( أصحهما ) مستحبة ، وصححه المحاملي في كتابيه وآخرون ، [ ص: 150 ] وقطع به جماعة منهم المحاملي في المقنع . وإن قلنا : مستحبة فنكل ، لم يجبر على اليمين ولا زكاة عليه ، وإن قلنا : واجبة ، فامتنع أخذت منه الزكاة . قال أصحابنا : وليس هذا أخذا بالنكول بل بالوجوب السابق والسبب المتقدم ، ومعناه أن الزكاة انعقد سبب وجوبها ، ويدعي مسقطها ولم يثبته بيمينه ولا بغيرها ، والأصل عدمه فبقي الوجوب ، هذا هو المشهور وبه قطع الأصحاب إلا أبا العباس بن القاص فقال : هذه المسألة حكم فيها بالنكول على هذا الوجه . قال أصحابنا : وهذا غلط . قال القاضي أبو الطيب والأصحاب : ونظير هذا اللعان ، فإن الزوج إذا لاعن لزم المرأة حد الزنا ، فإن لاعنت سقط ، وإن امتنعت لزمها الحد لا بامتناعها بل بلعان الزوج ، وإنما لعانها مسقط لما وجب بلعانه ، فإذا لم تلاعن بقي الوجوب وهكذا الزكاة . والله أعلم . ولو قال المالك : هذا المال الذي في يدي وديعة ، وقال الساعي : بل هو ملك لك ، فوجهان مشهوران في الشامل وغيره : ( أحدهما ) أن دعواه لا تخالف الظاهر فيكون القول قوله بيمينه استحبابا قطعا ; لأن ما في يد الإنسان قد يكون لغيره .

( وأصحهما ) أنها مخالفة للظاهر وصححه صاحب الشامل ، وبه قطع القاضي أبو الطيب في تعليقه والبندنيجي والمحاملي في كتابيه وغيرهم . والله أعلم .



( الرابعة ) يستحب أن يخرج الساعي لأخذ زكاة الثمار والزروع في الوقت الذي يصادف إدراكها وحصولها ، وقد سبق شرح هذه المسألة قريبا ، ويستحب أن يكون مع الساعي من يخرص ليخرص ما يحتاج إلى خرصه ، وينبغي أن يكون خارصان ذكران حران ; ليخرج من الخلاف السابق في ذلك . والله أعلم .



( الخامسة ) : إذا قبض الساعي الزكاة فإن كان الإمام أذن له في تفريقها في موضعها فرقها ، وإن أمره بحملها حيث يجوز الحمل إما لعدم من يصرف إليه في ذلك الموضع أو لقرب المسافة إذا قلنا به أو لكون الإمام والساعي يريان جواز النقل حملها ، وإن لم يأذن له في التفرقة ولا أمره بالحمل فمقتضى عبارة المصنف وغيره وجوب الحمل إلى الإمام . وهكذا هو ; لأن الساعي نائب الإمام فلا يتولى إلا [ ص: 151 ] ما أذن له فيه . وإذا أطلق الولاية في أخذ الزكوات لم يقتض الصرف إلى المستحقين . واعلم أن عبارة المصنف تقتضي الجزم بجواز نقل الزكاة للإمام والساعي . وإن الخلاف المشهور في نقل الزكاة إنما هو في نقل رب المال خاصة وهذا هو الأصح ، وقد قال الرافعي : ربما اقتضى كلام الأصحاب طرد الخلاف في الإمام والساعي . وربما اقتضى جواز النقل للإمام والساعي التفرقة حيث شاء . قال : وهذا أشبه ، وهذا الذي رجحه هو الراجح الذي تقتضيه الأحاديث . والله أعلم .



( فرع ) : قال أصحابنا : لا يجوز للإمام ولا للساعي بيع شيء من مال الزكاة من غير ضرورة ، بل يوصلها إلى المستحقين بأعيانها ; لأن أهل الزكاة أهل رشد لا ولاية عليهم . فلم يجز بيع مالهم بغير إذنهم ، فإن وقعت ضرورة بأن وقف عليه بعض الماشية أو خاف هلاكه أو كان في الطريق خطر ، أو احتاج إلى رد جبران ، أو إلى مؤنة النقل ، أو قبض بعض شاة ، وما أشبهه جاز البيع للضرورة كما سبق في آخر باب صدقة الغنم أنه يجوز دفع القيمة في مواضع للضرورة . قال أصحابنا : ولو وجبت ناقة أو بقرة أو شاة واحدة ، فليس للمالك بيعها وتفرقة ثمنها على الأصناف بلا خلاف ، بل يجمعهم ويدفعها إليهم ، وكذا حكم الإمام عند الجمهور ، وخالفهم البغوي فقال : إن رأى الإمام ذلك فعله ، وإن رأى البيع وتفرقة الثمن فعله ، والمذهب الأول . قال أصحابنا : وإذا باع في الموضع الذي لا يجوز فيه البيع فالبيع باطل ، ويسترد المبيع ، فإن تلف ضمنه . والله أعلم .



( فرع ) : قال أصحابنا : إذا تلف من الماشية شيء في يد الساعي أو المالك إن كان بتفريط ، بأن قصر في حفظها أو عرف المستحقين وأمكنه التفريق عليهم ، فأخر من غير عذر ضمنها ; لأنه متعد بذلك ، وإن لم يفرط لم يضمن كالوكيل ، وناظر مال اليتيم ، إذا تلف في يده شيء بلا تفريط لا يضمن والله أعلم . وفي فتاوى القفال أن الإمام إذا لم يفرق الزكاة بعد التمكن ولا عذر له حتى تلفت عنده ، ضمنها كما سبق ، قال : والوكيل بتفرقة الزكاة ، لو أخر تفرقتها حتى تلف المال لم يضمن ، قال : لأن الوكيل لا يجب عليه التفريق بخلاف الإمام .



[ ص: 152 ] فرع ) قال أصحابنا : لو جمع الساعي الزكاة ثم تلفت في يده بلا تفريط قبل أن تصل إلى الإمام استحق أجرته في بيت المال ; لأنه أجير ، وممن صرح به صاحب الشامل والبيان ، ونقله صاحب البيان عن صاحب الفروع .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث