الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 307 ] [ ص: 308 ] 21 - ومن كتاب الجنائز باب الأمر بالقيام للجنازة

حديث عامر بن ربيعة في القيام للجنازة - رأي الشافعي - حديث جابر بن عبد الله في القيام للجنازة - حديث أبي موسى الأشعري في القيام - من رأى القيام - رأي الإمام أحمد - من لم ير القيام - حجة من لم ير القيام - حديث مسعود بن الحكم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم للجنازة ثم جلس - حديث الإمام علي في نفس المعنى - حديث أبي موسى الأشعري - القيام للملائكة المصاحبين للجنازة - الإمام علي يوضح رواية أبي موسى - قول الشافعي : القعود أولى .

أخبرنا طاهر بن محمد بن طاهر ، أخبرنا مكي بن منصور ، أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي ، أخبرنا محمد بن يعقوب ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سفيان ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن عامر بن ربيعة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع .

[ ص: 309 ] هذا حديث صحيح ثابت ، أخرجاه في الصحيح من حديث سفيان .

وقال الشافعي : هذا لا يعدو أن يكون منسوخا ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام لها لعلة قد رواها بعض المحدثين ؛ أنها كانت جنازة يهودي ، فقام لها كراهية أن تطوله .

أخبرني أبو طالب محمد بن علي بن أحمد القاضي ، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن الحسن في كتابه ، أخبرنا الحسن بن أحمد ، أخبرنا دعلج بن أحمد ، أخبرنا محمد بن علي ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا إسماعيل ، حدثنا هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن مقسم ، عن جابر بن عبد الله قال : مرت بنا جنازة ، فقام لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقمنا معه ، فقلنا : يا رسول الله إنها جنازة يهودي . فقال : إن الموت فزع ، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا .

أخبرني أبو الفضل صالح بن محمد ، أخبرنا الحسن بن أحمد بن الحسن ، أخبرنا أحمد بن عبد الله ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، حدثنا عباس بن مجاشع ، حدثنا محمد بن أبي يعقوب ، حدثنا حسان ، حدثنا ليث ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا [ ص: 310 ] مرت جنازة فقوموا لها ؛ فإنما تقومون لمن معها من الملائكة .

وفي الباب عن نفر من الصحابة .

وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب :

فقال بعضهم : على الجالس أن يقوم إذا رأى الجنازة حتى تخلفه ، وممن رأى ذلك : أبو مسعود البدري ، وأبو سعيد الخدري ، وقيس بن سعد ، وسهل بن حنيف ، وسالم بن عبد الله .

وقال أحمد بن حنبل : إن قام لم أعبه ، وإن قعد فلا بأس به ، وبه قال إسحاق الحنظلي .

وقال أكثر أهل العلم : ليس على أحد القيام للجنازة ، وروينا ذلك عن علي بن أبي طالب ، والحسن بن علي ، وعلقمة ، والأسود ، والنخعي ، ونافع بن جبير ، وفعله سعيد بن المسيب ، وبه قال عروة بن الزبير ، ومالك ، وأهل الحجاز ، والشافعي وأصحابه ، وذهبوا إلى أن الأمر بالقيام منسوخ ، وتمسكوا في ذلك بأحاديث .

قرأت على أبي طاهر روح بن بدر بن ثابت ، أخبرك أبو الفتح أحمد بن محمد بن أحمد التاجر في كتابه ، عن أبي سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، أخبرنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ ، عن [ ص: 311 ] نافع بن جبير ، عن مسعود بن الحكم ، عن علي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم للجنازة ثم جلس بعد .

هذا حديث صحيح ، أخرجه مسلم في الصحيح من حديث ليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد .

أخبرني محمد بن علي بن أحمد القاضي ، عن أحمد بن الحسن بن أحمد ، أخبرنا الحسن بن أحمد بن شاذان ، أخبرنا دعلج بن أحمد ، أخبرنا محمد بن علي ، حدثنا سعيد ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة ، حدثني واقد بن عبد الله بن عمرو بن سعد قال : شهدت جنازة في بني سلمة ، فقمت ، فقال لي نافع بن جبير : اجلس ؛ فإني سأخبرك في هذا بثبت ، حدثني مسعود بن الحكم الزرقي ، أنه سمع علي بن أبي طالب في رحبة الكوفة وهو يقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بالقيام في الجنازة ، ثم جلس بعد ذلك ، وأمرنا بالجلوس .

[ ص: 312 ] وقال أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن ، حدثنا أبو بكر محمد بن الفضل الطبري ، حدثنا يحيى بن محمد البصري ، حدثنا أبو حذيفة ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن أبي معمر قال : مرت بنا جنازة فقمنا ، فقال علي : من أفتاكم هذا ؟ قلنا : أبو موسى الأشعري . فقال : ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا مرة ، كان يتشبه بأهل الكتاب ، فلما نسخ ذلك ونهي عنه انتهى .

ورواه عاصم عن سفيان الثوري بالإسناد ، وقال فيه : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرة ثم نهي عنه ، فهذه الألفاظ كلها تدل على أن القعود أولى من القيام .

قرأت على أبي منصور محمد بن أحمد بن الفرج ، أخبرك عبد القادر بن محمد ، أخبرنا أبو علي التميمي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن محمد ، حدثني أبي ، حدثنا أبو النصر ، حدثنا أبو معاوية - يعني شيبان - عن ليث ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا مرت جنازة فإن كان مسلما أو يهوديا أو نصرانيا فقوموا لها ، فإنه ليس يقوم لها ولكن يقوم لمن معها من الملائكة .

قال ليث : فذكرت هذا الحديث لمجاهد ، فقال : حدثني عبد الله بن سخبرة الأزدي قال : إنا لجلوس مع علي ننتظر جنازة إذ مرت بنا أخرى ، فقمنا ، فقال علي : ما يقيمكم ؟ فقلنا : هذا ما يأتونا به أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - قال : وما ذلك ؟ قلت : زعم أبو موسى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 313 ] قال : إذا مرت جنازة فإن كان مسلما أو يهوديا أو نصرانيا فقوموا لها ؛ فإنه ليس يقوم لها ولكن يقوم لمن معها من الملائكة . فقال علي : ما فعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قط غير مرة برجل من اليهود ، وكانوا أهل كتاب ، وكان يتشبه بهم ، فإذا نهي انتهى ، فما عاد لها بعد .

قال الشافعي : فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تركه بعد فعله ، والحجة في الآخر من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن كان الأول واجبا فالآخر من أمره ناسخ ، وإن كان استحبابا فالآخر هو الاستحباب ، وإن كان مباحا لا بأس بالقيام والقعود ، فالقعود أولى ؛ لأنه الآخر من فعله - صلى الله عليه وسلم - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث