[ ص: 42 ] [ ص: 43 ] nindex.php?page=treesubj&link=20472كل مسألة لا ينبني عليها عمل ; فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي ، وأعني بالعمل : عمل القلب وعمل الجوارح ، من حيث هو مطلوب شرعا .
والدليل على ذلك استقراء الشريعة ; فإنا رأينا الشارع يعرض عما لا يفيد عملا مكلفا به ; ففي القرآن الكريم
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=189يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج [ البقرة : 189 ] .
[ ص: 44 ] فوقع الجواب بما يتعلق به العمل ; إعراضا عما قصده السائل من السؤال عن الهلال : لم يبدو في أول الشهر دقيقا كالخيط ، ثم يمتلئ حتى يصير بدرا ، ثم يعود إلى حالته الأولى ؟ .
ثم قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=189وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها [ البقرة : 189 ] ، بناء على تأويل من تأول أن الآية كلها نزلت في هذا المعنى ; فكان من جملة الجواب أن هذا السؤال في التمثيل إتيان للبيوت من ظهورها ، والبر إنما هو التقوى ،
[ ص: 45 ] لا العلم بهذه الأمور التي لا تفيد نفعا في التكليف ، ولا تجر إليه .
وقال تعالى بعد سؤالهم عن الساعة أيان مرساها :
nindex.php?page=tafseer&surano=79&ayano=43فيم أنت من ذكراها أي : إن السؤال عن هذا سؤال عما لا يعني ; إذ يكفي من علمها أنه لا بد منها ، ولذلك
nindex.php?page=hadith&LINKID=10337325لما سئل عليه الصلاة والسلام عن الساعة ; قال للسائل ما أعددت لها ؟ ; إعراضا عن صريح سؤاله إلى ما يتعلق بها مما فيه فائدة ، ولم يجبه عما سأل .
وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=101يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم [ المائدة : 101 ] .
نزلت في رجل سأل : من أبي ؟ روي أنه عليه السلام قام يوما يعرف الغضب في وجهه ; فقال : لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم ، فقام رجل فقال : يا رسول الله من أبي ؟ قال : أبوك
حذافة . فنزلت .
وفي الباب روايات أخر .
وقال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس في سؤال
بني إسرائيل عن صفات البقرة : " لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم " ، وهذا يبين أن سؤالهم لم
[ ص: 46 ] يكن فيه فائدة .
وعلى هذا المعنى يجري الكلام في الآية قبلها عند من روى أن الآية نزلت فيمن سأل : أحجنا هذا لعامنا أم للأبد ؟ فقال عليه السلام : للأبد ،
[ ص: 47 ] ولو قلت : نعم ؛ لوجبت ، وفي بعض رواياته :
nindex.php?page=hadith&LINKID=10337326فذروني ما تركتكم ; فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبياءهم الحديث ، وإنما سؤالهم هنا زيادة لا فائدة عمل فيها ; لأنهم لو سكتوا لم يقفوا عن عمل ، فصار السؤال لا فائدة فيه .
ومن هنا نهى عليه السلام عن قيل وقال وكثرة السؤال لأنه مظنة
nindex.php?page=treesubj&link=18482السؤال عما لا يفيد ، وقد سأله
جبريل عن الساعة ; فقال ما المسئول عنها
[ ص: 48 ] بأعلم من السائل ; فأخبره أن ليس عنده من ذلك علم ، وذلك يبين أن السؤال عنها لا يتعلق به تكليف ، ولما كان ينبني على ظهور أماراتها الحذر منها ومن الوقوع في الأفعال التي هي من أماراتها ، والرجوع إلى الله عندها ; أخبره بذلك ، ثم ختم عليه السلام ذلك الحديث بتعريفه
عمر أن
جبريل أتاهم ليعلمهم دينهم ; فصح إذا أن من جملة دينهم في فصل السؤال عن الساعة أنه مما لا يجب العلم به [ أعني علم زمان إتيانها ] ; فليتنبه لهذا المعنى في الحديث وفائدة سؤاله له عنها .
وقال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=10337327إن أعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته ، وهو مما نحن فيه ; فإنه إذا لم يحرم ; فما فائدة السؤال عنه
[ ص: 49 ] بالنسبة إلى العمل ؟ وقرأ
nindex.php?page=showalam&ids=2عمر بن الخطاب :
nindex.php?page=tafseer&surano=80&ayano=31وفاكهة وأبا [ عبس : 31 ] وقال : هذه الفاكهة ; فما الأب ؟ ، ثم قال : نهينا عن التكلف . وفي القرآن الكريم
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=85ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي [ الإسراء : 85 ] .
وهذا بحسب الظاهر يفيد أنهم لم يجابوا ، وأن هذا مما لا يحتاج إليه
[ ص: 50 ] في التكليف .
وروي أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ملوا ملة ، فقالوا يا رسول الله ! حدثنا . فأنزل الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=23الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها الآية [ الزمر : 23 ] .
وهو كالنص في الرد عليهم فيما سألوا ، وأنه لا ينبغي السؤال إلا فيما يفيد في التعبد لله ، ثم ملوا ملة فقالوا : حدثنا حديثا فوق الحديث ودون القرآن ; فنزلت سورة يوسف .
[ ص: 51 ] انظر الحديث في فضائل القرآن
لأبي عبيد .
وتأمل خبر
nindex.php?page=showalam&ids=2عمر بن الخطاب مع
صبيغ في سؤاله الناس عن أشياء من القرآن لا ينبني عليها حكم تكليفي ، وتأديب
عمر - رضي الله عنه - له .
[ ص: 52 ] وقد سأل
ابن الكواء nindex.php?page=showalam&ids=8علي بن أبي طالب عن
nindex.php?page=tafseer&surano=51&ayano=1والذاريات ذروا nindex.php?page=tafseer&surano=51&ayano=2فالحاملات وقرا [ الذاريات : 1 - 2 ] إلخ ; فقال له
علي : " ويلك سل تفقها ولا تسأل تعنتا " ، ثم أجابه ; فقال له
ابن الكواء : أفرأيت السواد الذي في القمر ؟ فقال : " أعمى سأل عن عمياء " . ، ثم أجابه ، ثم سأله عن أشياء ، وفي الحديث طول .
[ ص: 53 ] وقد كان
nindex.php?page=showalam&ids=16867مالك بن أنس يكره الكلام فيما ليس تحته عمل ، ويحكي كراهيته عمن تقدم .
وبيان عدم الاستحسان فيه من أوجه متعددة ، منها : أنه شغل عما يعني من أمر التكليف الذي طوقه المكلف بما لا يعني ; إذ لا ينبني على ذلك فائدة ; لا في الدنيا ، ولا في الآخرة ، أما في الآخرة ; فإنه يسأل عما أمر به أو نهي عنه ، وأما في الدنيا ; فإن علمه بما علم من ذلك لا يزيده في تدبير رزقه ولا ينقصه ، وأما اللذة الحاصلة عنه في الحال ; فلا تفي مشقة اكتسابها وتعب طلبها ، بلذة حصولها ، وإن فرض أن فيه فائدة في الدنيا ، فمن شرط كونها فائدة شهادة الشرع لها بذلك ، وكم من لذة وفائدة يعدها الإنسان كذلك ; وليست في أحكام الشرع إلا على الضد ، كالزنى ، وشرب الخمر ، وسائر وجوه الفسق والمعاصي التي يتعلق بها غرض عاجل ، فإذا قطع الزمان فيما لا يجني ثمرة في الدارين ، مع تعطيل ما يجني الثمرة من فعل مالا ينبغي .
ومنها : أن الشرع قد جاء ببيان ما تصلح به أحوال العبد في الدنيا والآخرة على أتم الوجوه وأكملها ، فما خرج عن ذلك قد يظن أنه على خلاف ذلك ، وهو مشاهد في التجربة العادية ; فإن عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم فيها الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم ، ويثور بينهم الخلاف والنزاع المؤدي إلى التقاطع والتدابر والتعصب ، حتى تفرقوا شيعا ، وإذا فعلوا ذلك خرجوا عن السنة ، ولم يكن أصل التفرق إلا بهذا
[ ص: 54 ] السبب ؛ حيث تركوا الاقتصار من العلم على ما يعني ، وخرجوا إلى ما لا يعني ، فذلك فتنة على المتعلم والعالم ، وإعراض الشارع - مع حصول السؤال - عن الجواب من أوضح الأدلة على أن اتباع مثله من العلم - فتنة أو تعطيل للزمان في غير تحصيل .
- ومنها : أن تتبع النظر في كل شيء وتطلب علمه - من شأن الفلاسفة الذين يتبرأ المسلمون منهم ، ولم يكونوا كذلك إلا بتعلقهم بما يخالف السنة ، فاتباعهم في نحلة هذا شأنها خطأ عظيم ، وانحراف عن الجادة .
ووجوه عدم الاستحسان كثيرة .
; فإن قيل : العلم محبوب على الجملة ، ومطلوب على الإطلاق ، وقد جاء الطلب فيه على صيغ العموم والإطلاق فتنتظم صيغه كل علم ، ومن جملة العلوم ما يتعلق به عمل ، وما لا يتعلق به عمل ; فتخصيص أحد النوعين بالاستحسان دون الآخر تحكم ، وأيضا ; فقد قال العلماء : إن تعلم كل علم فرض كفاية كالسحر ، والطلسمات ، وغيرهما من العلوم البعيدة الغرض عن العمل ، فما ظنك بما قرب منه ، كالحساب ، والهندسة ، وشبه ذلك ، وأيضا ;
[ ص: 55 ] فعلم التفسير من جملة العلوم المطلوبة ، وقد لا ينبني عليه عمل ، وتأمل حكاية
nindex.php?page=showalam&ids=16785الفخر الرازي : أن بعض العلماء مر بيهودي ، وبين يديه مسلم يقرأ عليه علم هيئة العالم ، فسأل اليهودي عما يقرأ عليه ، فقال له : أنا أفسر له آية من كتاب الله . فسأله ما هي ؟ وهو متعجب ، فقال : قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=50&ayano=6أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج قال اليهودي : فأنا أبين له كيفية بنائها ، وتزيينها . فاستحسن ذلك العالم منه . هذا معنى الحكاية لا لفظها .
وأيضا ; فإن قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=185أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء [ الأعراف : 185 ] يشمل كل علم ظهر في الوجود ، من معقول أو منقول مكتسب أو موهوب ، وأشباهها من الآيات ، ويزعم الفلاسفة أن
nindex.php?page=treesubj&link=28627حقيقة الفلسفة إنما هو النظر في الموجودات على الإطلاق من حيث تدل على صانعها ، ومعلوم طلب النظر في الدلائل والمخلوقات ، فهذه وجوه تدل على عموم الاستحسان في كل علم على الإطلاق والعموم .
فالجواب عن الأول : إن عموم الطلب مخصوص ، وإطلاقه مقيد بما تقدم من الأدلة ، والذي يوضحه أمران :
أحدهما : أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين لم يخوضوا في هذه الأشياء التي ليس تحتها عمل ، مع أنهم كانوا أعلم بمعنى العلم المطلوب ، بل قد عد
عمر ذلك في نحو
nindex.php?page=tafseer&surano=80&ayano=31وفاكهة وأبا [ عبس : 31 ] من التكلف الذي نهي
[ ص: 56 ] عنه ، وتأديبه صبيغا ظاهر فيما نحن فيه ، مع أنه لم ينكر عليه ، ولم يفعلوا ذلك إلا لأن رسول الله - صلى الله وسلم - لم يخض في شيء من ذلك ، ولو كان لنقل ، لكنه لم ينقل ; فدل على عدمه .
والثاني : ما ثبت في كتاب " المقاصد " أن هذه الشريعة أمية لأمة أمية ، وقد قال عليه السلام
nindex.php?page=hadith&LINKID=10337328نحن أمة أمية لا نحسب ، ولا نكتب الشهر هكذا ، وهكذا ، وهكذا إلى نظائر ذلك ، والمسألة مبسوطة هنالك ، والحمد لله .
وعن الثاني : إنا لا نسلم ذلك على الإطلاق ، وإنما فرض الكفاية رد كل فاسد وإبطاله ، علم ذلك الفاسد أو جهل ; إلا أنه لا بد من علم أنه فاسد ، والشرع متكفل بذلك ، والبرهان على ذلك أن
موسى عليه السلام لم يعلم علم
[ ص: 57 ] السحر الذي جاء به السحرة ، مع أنه بطل على يديه بأمر هو أقوى من السحر ، وهو المعجزة ، ولذلك لما سحروا أعين الناس ، واسترهبوهم ، وجاءوا بسحر عظيم ; خاف
موسى من ذلك ، ولو كان عالما به لم يخف كما لم يخف العالمون به ، وهم السحرة فقال الله له :
nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=68لا تخف إنك أنت الأعلى ، ثم قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=69إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى [ طه : 68 ] .
وهذا تعريف بعد التنكير ، ولو كان عالما به لم يعرف به ، والذي كان يعرف من ذلك أنهم مبطلون في دعواهم على الجملة ، وهكذا الحكم في كل مسألة من هذا الباب فإذا حصل الإبطال ، والرد بأي وجه حصل ، ولو بخارقة على يد ولي لله أو بأمر خارج عن ذلك العلم ناشئ عن فرقان التقوى ; فهو المراد ، فلم يتعين إذا طلب معرفة تلك العلوم من الشرع .
وعن الثالث : إن علم التفسير مطلوب فيما يتوقف عليه فهم المراد من الخطاب ، فإذا كان المراد معلوما فالزيادة على ذلك تكلف ، ويتبين ذلك في مسألة
عمر ، وذلك أنه لما قرأ
nindex.php?page=tafseer&surano=80&ayano=31وفاكهة وأبا [ عبس : 31 ] توقف في معنى الأب ، وهو معنى إفرادي لا يقدح عدم العلم به في علم المعنى التركيبي في الآية ; إذ هو مفهوم من حيث أخبر الله تعالى في شأن طعام الإنسان أنه أنزل من السماء ماء فأخرج به أصنافا كثيرة مما هو من طعام الإنسان مباشرة ; كالحب ، والعنب ، والزيتون ، والنخل ، ومما هو من طعامه بواسطة ، مما هو مرعى للأنعام على الجملة ; فبقي التفصيل في كل فرد من تلك الأفراد فضلا ;
[ ص: 58 ] فلا على الإنسان أن لا يعرفه ، فمن هذا الوجه والله أعلم عد البحث عن معنى الأب من التكلف ، وإلا ; فلو توقف عليه فهم المعنى التركيبي من جهته لما كان من التكلف ، بل من المطلوب علمه لقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=38&ayano=29ليدبروا آياته [ ص : 29 ] ، ولذلك سأل الناس على المنبر عن معنى التخوف في قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=47أو يأخذهم على تخوف [ النحل : 47 ] ; فأجابه الرجل الهذلي بأن التخوف في لغتهم التنقص ، وأنشده شاهدا عليه :
تخوف الرحل منها تامكا قردا كما تخوف عود النبعة السفن
فقال
عمر : " يا أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم ; فإن فيه تفسير كتابكم " .
[ ص: 59 ] ولما كان السؤال في محافل الناس عن معنى :
nindex.php?page=tafseer&surano=77&ayano=1والمرسلات عرفا [ المرسلات : 1 ] ،
nindex.php?page=tafseer&surano=79&ayano=3والسابحات سبحا [ النازعات : 3 ] مما يشوش على العامة من غير بناء عمل عليه ; أدب
عمر صبيغا بما هو مشهور .
فإذا تفسير قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=50&ayano=6أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها الآية [ ق : 6 ] بعلم الهيئة الذي ليس تحته عمل - غير سائغ ، ولأن ذلك من قبيل مالا تعرفه العرب ، والقرآن إنما نزل بلسانها ، وعلى معهودها ، وهذا المعنى مشروح في كتاب المقاصد بحول الله .
وكذلك القول في كل علم يعزى إلى الشريعة لا يؤدي فائدة عمل ، ولا هو مما تعرفه العرب ، فقد تكلف أهل العلوم الطبيعية وغيرها - الاحتجاج على صحة الأخذ في علومهم بآيات من القرآن وأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما استدل
[ ص: 60 ] أهل العدد ، بقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=113فاسأل العادين [ المؤمنون : 113 ] .
وأهل [ النسب العددية أو الهندسية ] بقوله تعالى (
nindex.php?page=tafseer&surano=8&ayano=65إن يكن منكم عشرون . . . . مائتين ) [ الأنفال : 65 ] إلى آخر الآيتين .
وأهل الكيمياء بقوله عز وجل :
nindex.php?page=tafseer&surano=13&ayano=17أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها [ الرعد : 17 ] .
وأهل التعديل النجومي بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=55&ayano=5الشمس والقمر بحسبان [ الرحمن : 5 ] .
وأهل المنطق في أن نقيض الكلية السالبة جزئية موجبة بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=91إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الآية [ الأنعام : 91 ] .
وعلى بعض الضروب الحملية ، والشرطية بأشياء أخر .
وأهل خط الرمل بقوله سبحانه :
nindex.php?page=tafseer&surano=46&ayano=4أو أثارة من علم [ الأحقاف : 4 ] ، وقوله عليه السلام :
nindex.php?page=hadith&LINKID=10337329كان نبي يخط في الرمل إلى غير ذلك مما هو مسطور
[ ص: 61 ] [ ص: 62 ] [ ص: 63 ] [ ص: 64 ] [ ص: 65 ] في الكتب ، وجميعه يقطع بأنه مقصود لما تقدم .
وبه تعلم الجواب عن السؤال الرابع ، وأن قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=185أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء [ الأعراف : 185 ] لا يدخل فيه من وجوه الاعتبار علوم الفلسفة التي لا عهد للعرب بها ، ولا يليق بالأميين الذين بعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمي بملة سهلة سمحة ، والفلسفة على فرض أنها جائزة الطلب - صعبة المأخذ ، وعرة المسلك ، بعيدة الملتمس ، لا يليق الخطاب بتعلمها كي تتعرف آيات الله ، ودلائل توحيده للعرب الناشئين في محض الأمية ، فكيف وهي مذمومة على ألسنة أهل الشريعة ، منبه على ذمها بما تقدم
[ ص: 66 ] في أول المسألة .
فإذا ثبت هذا ; فالصواب
nindex.php?page=treesubj&link=18478أن ما لا ينبني عليه عمل ; غير مطلوب في الشرع .
; فإن كان ثم ما يتوقف عليه المطلوب ، كألفاظ اللغة ، وعلم النحو ، والتفسير ، وأشباه ذلك ; فلا إشكال أن ما يتوقف عليه المطلوب مطلوب ، إما شرعا ، وإما عقلا ، حسبما تبين في موضعه ، لكن هنا معنى آخر لا بد من الالتفاف إليه ، وهو :
[ ص: 42 ] [ ص: 43 ] nindex.php?page=treesubj&link=20472كُلُّ مَسْأَلَةٍ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا عَمَلٌ ; فَالْخَوْضُ فِيهَا خَوْضٌ فِيمَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى اسْتِحْسَانِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ ، وَأَعْنِي بِالْعَمَلِ : عَمَلَ الْقَلْبِ وَعَمَلَ الْجَوَارِحِ ، مِنْ حَيْثُ هُوَ مَطْلُوبٌ شَرْعًا .
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِقْرَاءُ الشَّرِيعَةِ ; فَإِنَّا رَأَيْنَا الشَّارِعَ يُعْرِضُ عَمَّا لَا يُفِيدُ عَمَلًا مُكَلَّفًا بِهِ ; فَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=189يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [ الْبَقَرَةِ : 189 ] .
[ ص: 44 ] فَوَقَعَ الْجَوَابُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعَمَلُ ; إِعْرَاضًا عَمَّا قَصَدَهُ السَّائِلُ مِنَ السُّؤَالِ عَنِ الْهِلَالِ : لِمَ يَبْدُو فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ دَقِيقًا كَالْخَيْطِ ، ثُمَّ يَمْتَلِئُ حَتَّى يَصِيرَ بَدْرًا ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى حَالَتِهِ الْأُولَى ؟ .
ثُمَّ قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=189وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا [ الْبَقَرَةِ : 189 ] ، بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ أَنَّ الْآيَةَ كُلَّهَا نَزَلَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى ; فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ فِي التَّمْثِيلِ إِتْيَانٌ لِلْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا ، وَالْبِرُّ إِنَّمَا هُوَ التَّقْوَى ،
[ ص: 45 ] لَا الْعِلْمُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تُفِيدُ نَفْعًا فِي التَّكْلِيفِ ، وَلَا تَجُرُّ إِلَيْهِ .
وَقَالَ تَعَالَى بَعْدَ سُؤَالِهِمْ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مَرْسَاهَا :
nindex.php?page=tafseer&surano=79&ayano=43فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا أَيْ : إِنَّ السُّؤَالَ عَنْ هَذَا سُؤَالٌ عَمَّا لَا يَعْنِي ; إِذْ يَكْفِي مِنْ عِلْمِهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا ، وَلِذَلِكَ
nindex.php?page=hadith&LINKID=10337325لَمَّا سُئِلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنِ السَّاعَةِ ; قَالَ لِلسَّائِلِ مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ ; إِعْرَاضًا عَنْ صَرِيحِ سُؤَالِهِ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِمَّا فِيهِ فَائِدَةٌ ، وَلَمْ يُجِبْهُ عَمَّا سَأَلَ .
وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=101يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [ الْمَائِدَةِ : 101 ] .
نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ سَأَلَ : مَنْ أَبِي ؟ رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَامَ يَوْمًا يُعْرَفُ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ; فَقَالَ : لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِي ؟ قَالَ : أَبُوكَ
حُذَافَةُ . فَنَزَلَتْ .
وَفِي الْبَابِ رِوَايَاتٌ أُخَرُ .
وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=11ابْنُ عَبَّاسٍ فِي سُؤَالِ
بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ صِفَاتِ الْبَقَرَةِ : " لَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً مَا لَأَجْزَأَتْهُمْ وَلَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ " ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ سُؤَالَهُمْ لَمْ
[ ص: 46 ] يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ .
وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَجْرِي الْكَلَامُ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا عِنْدَ مَنْ رَوَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ سَأَلَ : أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا أَمْ لِلْأَبَدِ ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لِلْأَبَدِ ،
[ ص: 47 ] وَلَوْ قُلْتُ : نَعَمْ ؛ لَوَجَبَتْ ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=10337326فَذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ ; فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ أَنْبِيَاءَهُمْ الْحَدِيثَ ، وَإِنَّمَا سُؤَالُهُمْ هُنَا زِيَادَةٌ لَا فَائِدَةَ عَمَلٍ فِيهَا ; لِأَنَّهُمْ لَوْ سَكَتُوا لَمْ يَقِفُوا عَنْ عَمَلٍ ، فَصَارَ السُّؤَالُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ .
وَمِنْ هُنَا نَهَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ
nindex.php?page=treesubj&link=18482السُّؤَالِ عَمَّا لَا يُفِيدُ ، وَقَدْ سَأَلَهُ
جِبْرِيلُ عَنِ السَّاعَةِ ; فَقَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا
[ ص: 48 ] بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ; فَأَخْبَرَهُ أَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمٌ ، وَذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ ، وَلَمَّا كَانَ يَنْبَنِي عَلَى ظُهُورِ أَمَارَاتِهَا الْحَذَرُ مِنْهَا وَمِنَ الْوُقُوعِ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَمَارَاتِهَا ، وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ عِنْدَهَا ; أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ ، ثُمَّ خَتَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ بِتَعْرِيفِهِ
عُمَرَ أَنَّ
جِبْرِيلَ أَتَاهُمْ لِيُعَلِّمَهُمْ دِينَهُمْ ; فَصَحَّ إِذًا أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ دِينِهِمْ فِي فَصْلِ السُّؤَالِ عَنِ السَّاعَةِ أَنَّهُ مِمَّا لَا يَجِبُ الْعِلْمُ بِهِ [ أَعْنِي عِلْمَ زَمَانِ إِتْيَانِهَا ] ; فَلْيُتَنَبَّهْ لِهَذَا الْمَعْنَى فِي الْحَدِيثِ وَفَائِدَةِ سُؤَالِهِ لَهُ عَنْهَا .
وَقَالَ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=10337327إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ ، وَهُوَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ ; فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُحَرَّمْ ; فَمَا فَائِدَةُ السُّؤَالِ عَنْهُ
[ ص: 49 ] بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَمَلِ ؟ وَقَرَأَ
nindex.php?page=showalam&ids=2عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=80&ayano=31وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [ عَبَسَ : 31 ] وَقَالَ : هَذِهِ الْفَاكِهَةُ ; فَمَا الْأَبُّ ؟ ، ثُمَّ قَالَ : نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ . وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=85وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الْإِسْرَاءِ : 85 ] .
وَهَذَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ يُفِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يُجَابُوا ، وَأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ
[ ص: 50 ] فِي التَّكْلِيفِ .
وَرُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَلُّوا مَلَّةً ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ! حَدِّثْنَا . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=23اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا الْآيَةَ [ الزُّمَرِ : 23 ] .
وَهُوَ كَالنَّصِّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِيمَا سَأَلُوا ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي السُّؤَالُ إِلَّا فِيمَا يُفِيدُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ ، ثُمَّ مَلُّوا مَلَّةً فَقَالُوا : حَدِّثْنَا حَدِيثًا فَوْقَ الْحَدِيثِ وَدُونَ الْقُرْآنِ ; فَنَزَلَتْ سُورَةُ يُوسُفَ .
[ ص: 51 ] انْظُرِ الْحَدِيثَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ
لِأَبِي عُبَيْدٍ .
وَتَأَمَّلْ خَبَرَ
nindex.php?page=showalam&ids=2عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ
صَبِيغٍ فِي سُؤَالِهِ النَّاسَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْقُرْآنِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ ، وَتَأْدِيبَ
عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَهُ .
[ ص: 52 ] وَقَدْ سَأَلَ
ابْنُ الْكَوَّاءِ nindex.php?page=showalam&ids=8عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ
nindex.php?page=tafseer&surano=51&ayano=1وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا nindex.php?page=tafseer&surano=51&ayano=2فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا [ الذَّارِيَاتِ : 1 - 2 ] إِلَخْ ; فَقَالَ لَهُ
عَلِيٌّ : " وَيْلَكَ سَلْ تَفَقُّهًا وَلَا تَسْأَلْ تَعَنُّتًا " ، ثُمَّ أَجَابَهُ ; فَقَالَ لَهُ
ابْنُ الْكَوَّاءِ : أَفَرَأَيْتَ السَّوَادَ الَّذِي فِي الْقَمَرِ ؟ فَقَالَ : " أَعْمَى سَأَلَ عَنْ عَمْيَاءَ " . ، ثُمَّ أَجَابَهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ ، وَفِي الْحَدِيثِ طُولٌ .
[ ص: 53 ] وَقَدْ كَانَ
nindex.php?page=showalam&ids=16867مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَكْرَهُ الْكَلَامَ فِيمَا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ ، وَيَحْكِي كَرَاهِيَّتَهُ عَمَّنْ تَقَدَّمَ .
وَبَيَانُ عَدَمِ الِاسْتِحْسَانِ فِيهِ مِنْ أَوْجُهٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، مِنْهَا : أَنَّهُ شُغْلٌ عَمَّا يَعْنِي مِنْ أَمْرِ التَّكْلِيفِ الَّذِي طُوِّقَهُ الْمُكَلَّفُ بِمَا لَا يَعْنِي ; إِذْ لَا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ فَائِدَةٌ ; لَا فِي الدُّنْيَا ، وَلَا فِي الْآخِرَةِ ، أَمَّا فِي الْآخِرَةِ ; فَإِنَّهُ يُسْأَلُ عَمَّا أُمِرَ بِهِ أَوْ نُهِيَ عَنْهُ ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا ; فَإِنَّ عِلْمَهُ بِمَا عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ لَا يَزِيدُهُ فِي تَدْبِيرِ رِزْقِهِ وَلَا يَنْقُصُهُ ، وَأَمَّا اللَّذَّةُ الْحَاصِلَةُ عَنْهُ فِي الْحَالِ ; فَلَا تَفِي مَشَقَّةَ اكْتِسَابِهَا وَتَعَبَ طَلَبِهَا ، بِلَذَّةِ حُصُولِهَا ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ فِيهِ فَائِدَةً فِي الدُّنْيَا ، فَمِنْ شَرْطِ كَوْنِهَا فَائِدَةً شَهَادَةُ الشَّرْعِ لَهَا بِذَلِكَ ، وَكَمْ مِنْ لَذَّةٍ وَفَائِدَةٍ يَعُدُّهَا الْإِنْسَانُ كَذَلِكَ ; وَلَيْسَتْ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ إِلَّا عَلَى الضِّدِّ ، كَالزِّنَى ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَسَائِرِ وُجُوهِ الْفِسْقِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا غَرَضٌ عَاجِلٌ ، فَإِذًا قَطَعَ الزَّمَانَ فِيمَا لَا يَجْنِي ثَمَرَةً فِي الدَّارَيْنِ ، مَعَ تَعْطِيلِ مَا يَجْنِي الثَّمَرَةَ مِنْ فِعْلِ مَالَا يَنْبَغِي .
وَمِنْهَا : أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ جَاءَ بِبَيَانِ مَا تَصْلُحُ بِهِ أَحْوَالُ الْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ وَأَكْمَلِهَا ، فَمَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، وَهُوَ مُشَاهَدٌ فِي التَّجْرِبَةِ الْعَادِيَّةِ ; فَإِنَّ عَامَّةَ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعُلُومِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا ثَمَرَةٌ تَكْلِيفِيَّةٌ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِيهَا الْفِتْنَةُ وَالْخُرُوجُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ، وَيَثُورُ بَيْنَهُمُ الْخِلَافُ وَالنِّزَاعُ الْمُؤَدِّي إِلَى التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ وَالتَّعَصُّبِ ، حَتَّى تَفَرَّقُوا شِيَعًا ، وَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ خَرَجُوا عَنِ السُّنَّةِ ، وَلَمْ يَكُنْ أَصْلُ التَّفَرُّقِ إِلَّا بِهَذَا
[ ص: 54 ] السَّبَبِ ؛ حَيْثُ تَرَكُوا الِاقْتِصَارَ مِنَ الْعِلْمِ عَلَى مَا يَعْنِي ، وَخَرَجُوا إِلَى مَا لَا يَعْنِي ، فَذَلِكَ فِتْنَةٌ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ وَالْعَالِمِ ، وَإِعْرَاضُ الشَّارِعِ - مَعَ حُصُولِ السُّؤَالِ - عَنِ الْجَوَابِ مِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَ مِثْلِهِ مِنَ الْعِلْمِ - فِتْنَةٌ أَوْ تَعْطِيلٌ لِلزَّمَانِ فِي غَيْرِ تَحْصِيلٍ .
- وَمِنْهَا : أَنَّ تَتَبُّعَ النَّظَرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَتَطَلُّبَ عِلْمِهِ - مِنْ شَأْنِ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ يَتَبَرَّأُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ ، وَلَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إِلَّا بِتَعَلُّقِهِمْ بِمَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ ، فَاتِّبَاعُهُمْ فِي نِحْلَةٍ هَذَا شَأْنُهَا خَطَأٌ عَظِيمٌ ، وَانْحِرَافٌ عَنِ الْجَادَّةِ .
وَوُجُوهُ عَدَمِ الِاسْتِحْسَانِ كَثِيرَةٌ .
; فَإِنْ قِيلَ : الْعِلْمُ مَحْبُوبٌ عَلَى الْجُمْلَةِ ، وَمَطْلُوبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَقَدْ جَاءَ الطَّلَبُ فِيهِ عَلَى صِيَغِ الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ فَتَنْتَظِمُ صِيغُهُ كُلَّ عِلْمٍ ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْعُلُومِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَمَلٌ ، وَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَمَلٌ ; فَتَخْصِيصُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ بِالِاسْتِحْسَانِ دُونَ الْآخَرِ تَحَكُّمٌ ، وَأَيْضًا ; فَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّ تَعَلُّمَ كُلِّ عِلْمٍ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَالسِّحْرِ ، وَالطَّلْسَمَاتِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعُلُومِ الْبَعِيدَةِ الْغَرَضِ عَنِ الْعَمَلِ ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا قَرُبَ مِنْهُ ، كَالْحِسَابِ ، وَالْهَنْدَسَةِ ، وَشِبْهِ ذَلِكَ ، وَأَيْضًا ;
[ ص: 55 ] فَعِلْمُ التَّفْسِيرِ مِنْ جُمْلَةِ الْعُلُومِ الْمَطْلُوبَةِ ، وَقَدْ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَمَلٌ ، وَتَأَمَّلْ حِكَايَةَ
nindex.php?page=showalam&ids=16785الْفَخْرِ الرَّازِيِّ : أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ مَرَّ بِيَهُودِيٍّ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ مُسْلِمٌ يَقْرَأُ عَلَيْهِ عِلْمَ هَيْئَةِ الْعَالَمِ ، فَسَأَلَ الْيَهُودِيَّ عَمَّا يَقْرَأُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ : أَنَا أُفَسِّرُ لَهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ . فَسَأَلَهُ مَا هِيَ ؟ وَهُوَ مُتَعَجِّبٌ ، فَقَالَ : قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=50&ayano=6أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ قَالَ الْيَهُودِيُّ : فَأَنَا أُبَيِّنُ لَهُ كَيْفِيَّةَ بِنَائِهَا ، وَتَزْيِينِهَا . فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ الْعَالِمُ مِنْهُ . هَذَا مَعْنَى الْحِكَايَةِ لَا لَفْظُهَا .
وَأَيْضًا ; فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=185أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [ الْأَعْرَافِ : 185 ] يَشْمَلُ كُلَّ عِلْمٍ ظَهَرَ فِي الْوُجُودِ ، مِنْ مَعْقُولٍ أَوْ مَنْقُولٍ مُكْتَسَبٍ أَوْ مَوْهُوبٍ ، وَأَشْبَاهَهَا مِنَ الْآيَاتِ ، وَيَزْعُمُ الْفَلَاسِفَةُ أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=28627حَقِيقَةَ الْفَلْسَفَةِ إِنَّمَا هُوَ النَّظَرُ فِي الْمَوْجُودَاتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ حَيْثُ تَدُلُّ عَلَى صَانِعِهَا ، وَمَعْلُومٌ طَلَبُ النَّظَرِ فِي الدَّلَائِلِ وَالْمَخْلُوقَاتِ ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ تَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الِاسْتِحْسَانِ فِي كُلِّ عِلْمٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ .
فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : إِنَّ عُمُومَ الطَّلَبِ مَخْصُوصٌ ، وَإِطْلَاقَهُ مُقَيَّدٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ ، وَالَّذِي يُوَضِّحُهُ أَمْرَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ لَمْ يَخُوضُوا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَيْسَ تَحْتَهَا عَمَلٌ ، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ الْمَطْلُوبِ ، بَلْ قَدْ عَدَّ
عُمَرُ ذَلِكَ فِي نَحْوِ
nindex.php?page=tafseer&surano=80&ayano=31وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [ عَبَسَ : 31 ] مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي نُهِيَ
[ ص: 56 ] عَنْهُ ، وَتَأْدِيبُهُ صَبِيغًا ظَاهِرٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخُضْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ ، لَكِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ; فَدَلَّ عَلَى عَدَمِهِ .
وَالثَّانِي : مَا ثَبَتَ فِي كِتَابِ " الْمَقَاصِدِ " أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ أُمِّيَّةٌ لِأُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
nindex.php?page=hadith&LINKID=10337328نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَحْسِبُ ، وَلَا نَكْتُبُ الشَّهْرَ هَكَذَا ، وَهَكَذَا ، وَهَكَذَا إِلَى نَظَائِرِ ذَلِكَ ، وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ هُنَالِكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
وَعَنِ الثَّانِي : إِنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَإِنَّمَا فَرْضُ الْكِفَايَةِ رَدُّ كُلِّ فَاسِدٍ وَإِبْطَالُهُ ، عُلِمَ ذَلِكَ الْفَاسِدُ أَوْ جُهِلَ ; إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ أَنَّهُ فَاسِدٌ ، وَالشَّرْعُ مُتَكَفِّلٌ بِذَلِكَ ، وَالْبُرْهَانُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَعْلَمْ عِلْمَ
[ ص: 57 ] السِّحْرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ السَّحَرَةُ ، مَعَ أَنَّهُ بَطَلَ عَلَى يَدَيْهِ بِأَمْرٍ هُوَ أَقْوَى مِنَ السِّحْرِ ، وَهُوَ الْمُعْجِزَةُ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ، وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ; خَافَ
مُوسَى مِنْ ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ لَمْ يَخَفْ كَمَا لَمْ يَخَفِ الْعَالِمُونَ بِهِ ، وَهُمُ السَّحَرَةُ فَقَالَ اللَّهُ لَهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=68لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ، ثُمَّ قَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=69إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [ طه : 68 ] .
وَهَذَا تَعْرِيفٌ بَعْدَ التَّنْكِيرِ ، وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ ، وَالَّذِي كَانَ يَعْرِفُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ مُبْطِلُونَ فِي دَعْوَاهُمْ عَلَى الْجُمْلَةِ ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَإِذَا حَصَلَ الْإِبْطَالُ ، وَالرَّدُّ بِأَيِّ وَجْهٍ حَصَلَ ، وَلَوْ بِخَارِقَةٍ عَلَى يَدِ وَلِيٍّ لِلَّهِ أَوْ بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَلِكَ الْعِلْمِ نَاشِئٍ عَنْ فُرْقَانِ التَّقْوَى ; فَهُوَ الْمُرَادُ ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ إِذًا طَلَبُ مَعْرِفَةِ تِلْكَ الْعُلُومِ مِنَ الشَّرْعِ .
وَعَنِ الثَّالِثِ : إِنَّ عِلْمَ التَّفْسِيرِ مَطْلُوبٌ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَهْمُ الْمُرَادِ مِنَ الْخِطَابِ ، فَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ مَعْلُومًا فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ تَكَلُّفٌ ، وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ
عُمَرَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ
nindex.php?page=tafseer&surano=80&ayano=31وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [ عَبَسَ : 31 ] تَوَقَّفَ فِي مَعْنَى الْأَبِّ ، وَهُوَ مَعْنًى إِفْرَادِيٌّ لَا يَقْدَحُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِهِ فِي عِلْمِ الْمَعْنَى التَّرْكِيبِيِّ فِي الْآيَةِ ; إِذْ هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ حَيْثُ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ طَعَامِ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ أَصْنَافًا كَثِيرَةً مِمَّا هُوَ مِنْ طَعَامِ الْإِنْسَانِ مُبَاشَرَةً ; كَالْحَبِّ ، وَالْعِنَبِ ، وَالزَّيْتُونِ ، وَالنَّخْلِ ، وَمِمَّا هُوَ مِنْ طَعَامِهِ بِوَاسِطَةٍ ، مِمَّا هُوَ مَرْعًى لِلْأَنْعَامِ عَلَى الْجُمْلَةِ ; فَبَقِيَ التَّفْصِيلُ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَفْرَادِ فَضْلًا ;
[ ص: 58 ] فَلَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَعْرِفَهُ ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ عُدَّ الْبَحْثُ عَنْ مَعْنَى الْأَبِّ مِنَ التَّكَلُّفِ ، وَإِلَّا ; فَلَوْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ فَهْمُ الْمَعْنَى التَّرْكِيبِيِّ مِنْ جِهَتِهِ لَمَا كَانَ مِنَ التَّكَلُّفِ ، بَلْ مِنَ الْمَطْلُوبِ عِلْمُهُ لِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=38&ayano=29لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ ص : 29 ] ، وَلِذَلِكَ سَأَلَ النَّاسُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَنْ مَعْنَى التَّخَوُّفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=47أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ [ النَّحْلِ : 47 ] ; فَأَجَابَهُ الرَّجُلُ الْهُذَلِيُّ بِأَنَّ التَّخَوُّفَ فِي لُغَتِهِمُ التَّنَقُّصُ ، وَأَنْشَدَهُ شَاهِدًا عَلَيْهِ :
تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنْهَا تَامِكًا قَرِدًا كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
فَقَالَ
عُمَرُ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَمَسَّكُوا بِدِيوَانِ شِعْرِكُمْ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ ; فَإِنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ كِتَابِكُمْ " .
[ ص: 59 ] وَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ فِي مَحَافِلِ النَّاسِ عَنْ مَعْنَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=77&ayano=1وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا [ الْمُرْسَلَاتِ : 1 ] ،
nindex.php?page=tafseer&surano=79&ayano=3وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا [ النَّازِعَاتِ : 3 ] مِمَّا يُشَوِّشُ عَلَى الْعَامَّةِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءِ عَمَلٍ عَلَيْهِ ; أَدَّبَ
عُمَرُ صَبِيغًا بِمَا هُوَ مَشْهُورٌ .
فَإِذًا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=50&ayano=6أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا الْآيَةَ [ ق : 6 ] بِعِلْمِ الْهَيْئَةِ الَّذِي لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ - غَيْرُ سَائِغٍ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ مَالَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ ، وَالْقُرْآنُ إِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهَا ، وَعَلَى مَعْهُودِهَا ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَشْرُوحٌ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ بِحَوْلِ اللَّهِ .
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي كُلِّ عِلْمٍ يُعْزَى إِلَى الشَّرِيعَةِ لَا يُؤَدِّي فَائِدَةَ عَمَلٍ ، وَلَا هُوَ مِمَّا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ ، فَقَدْ تَكَلَّفَ أَهْلُ الْعُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ وَغَيْرِهَا - الِاحْتِجَاجَ عَلَى صِحَّةِ الْأَخْذِ فِي عُلُومِهِمْ بِآيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا اسْتَدَلَّ
[ ص: 60 ] أَهْلُ الْعَدَدِ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=23&ayano=113فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [ الْمُؤْمِنُونَ : 113 ] .
وَأَهْلُ [ النِّسَبِ الْعَدَدِيَّةِ أَوِ الْهَنْدَسِيَّةِ ] بِقَوْلِهِ تَعَالَى (
nindex.php?page=tafseer&surano=8&ayano=65إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ . . . . مِائَتَيْنِ ) [ الْأَنْفَالِ : 65 ] إِلَى آخَرِ الْآيَتَيْنِ .
وَأَهْلُ الْكِيمِيَاءِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ :
nindex.php?page=tafseer&surano=13&ayano=17أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا [ الرَّعْدِ : 17 ] .
وَأَهْلُ التَّعْدِيلِ النُّجُومِيِّ بِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=55&ayano=5الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [ الرَّحْمَنِ : 5 ] .
وَأَهْلُ الْمَنْطِقِ فِي أَنَّ نَقِيضَ الْكُلِّيَّةِ السَّالِبَةِ جُزْئِيَّةٌ مُوجَبَةٌ بِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=91إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الْآيَةَ [ الْأَنْعَامِ : 91 ] .
وَعَلَى بَعْضِ الضُّرُوبِ الْحَمْلِيَّةِ ، وَالشُّرْطِيَّةِ بِأَشْيَاءَ أُخَرَ .
وَأَهْلُ خَطِّ الرَّمْلِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=46&ayano=4أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [ الْأَحْقَافِ : 4 ] ، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=10337329كَانَ نَبِيٌّ يَخُطُّ فِي الرَّمْلِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَسْطُورٌ
[ ص: 61 ] [ ص: 62 ] [ ص: 63 ] [ ص: 64 ] [ ص: 65 ] فِي الْكُتُبِ ، وَجَمِيعُهُ يَقْطَعُ بِأَنَّهُ مَقْصُودٌ لِمَا تَقَدَّمَ .
وَبِهِ تَعْلَمُ الْجَوَابَ عَنِ السُّؤَالِ الرَّابِعِ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=185أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [ الْأَعْرَافِ : 185 ] لَا يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ وُجُوهِ الِاعْتِبَارِ عُلُومُ الْفَلْسَفَةِ الَّتِي لَا عَهْدَ لِلْعَرَبِ بِهَا ، وَلَا يَلِيقُ بِالْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأُمِّيُّ بِمِلَّةٍ سَهْلَةٍ سَمْحَةٍ ، وَالْفَلْسَفَةُ عَلَى فَرْضِ أَنَّهَا جَائِزَةُ الطَّلَبِ - صَعْبَةُ الْمَأْخَذِ ، وَعِرَةُ الْمَسْلَكِ ، بَعِيدَةُ الْمُلْتَمَسِ ، لَا يَلِيقُ الْخِطَابُ بِتَعَلُّمِهَا كَيْ تَتَعَرَّفَ آيَاتِ اللَّهِ ، وَدَلَائِلَ تَوْحِيدِهِ لِلْعَرَبِ النَّاشِئِينَ فِي مَحْضِ الْأُمِّيَّةِ ، فَكَيْفَ وَهِيَ مَذْمُومَةٌ عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ ، مُنَبَّهٌ عَلَى ذَمِّهَا بِمَا تَقَدَّمَ
[ ص: 66 ] فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ; فَالصَّوَابُ
nindex.php?page=treesubj&link=18478أَنَّ مَا لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَمَلٌ ; غَيْرُ مَطْلُوبٍ فِي الشَّرْعِ .
; فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ ، كَأَلْفَاظِ اللُّغَةِ ، وَعِلْمِ النَّحْوِ ، وَالتَّفْسِيرِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ; فَلَا إِشْكَالَ أَنَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ مَطْلُوبٌ ، إِمَّا شَرْعًا ، وَإِمَّا عَقْلًا ، حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ ، لَكِنْ هُنَا مَعْنًى آخَرُ لَا بُدَّ مِنَ الِالْتِفَافِ إِلَيْهِ ، وَهُوَ :