الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              فَصْلٌ هَذَا الْقِسْمُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ جِدًّا ، وَقَدْ مَرَّ مِنْهَا فِيمَا تَقَدَّمَ تَفْرِيعًا عَلَى الْمَسَائِلِ الْمُقَرَّرَةِ كَثِيرٌ ، وَسَيَأْتِي مِنْهُ مَسَائِلُ أُخَرُ تَفْرِيعًا أَيْضًا وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ خَاتِمَةٍ تَكُرُّ عَلَى كِتَابِ الْمَقَاصِدِ بِالْبَيَانِ ، وَتُعَرِّفُ بِتَمَامِ الْمَقْصُودِ فِيهِ بِحَوْلِ اللَّهِ ، فَإِنَّ لِلْقَائِلِ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمَسَائِلِ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِمَقْصُودِ الشَّارِعِ ، فَبِمَاذَا يُعْرَفُ مَا هُوَ مَقْصُودٌ لَهُ مِمَّا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ لَهُ ؟ وَالْجَوَابُ : أَنَّ النَّظَرَ هَا هُنَا يَنْقَسِمُ بِحَسَبِ التَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يُقَالَ : إِنَّ مَقْصِدَ الشَّارِعِ غَائِبٌ عَنَّا حَتَّى يَأْتِيَنَا مَا يُعَرِّفُنَا بِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ الْكَلَامِيِّ مُجَرَّدًا عَنْ تَتَبُّعِ الْمَعَانِي الَّتِي يَقْتَضِيهَا الِاسْتِقْرَاءُ وَلَا تَقْتَضِيهَا الْأَلْفَاظُ بِوَضْعِهَا اللُّغَوِيِّ ، إِمَّا مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّكَالِيفَ لَمْ يُرَاعَ فِيهَا مَصَالِحُ الْعِبَادِ عَلَى حَالٍ ، وَإِمَّا مَعَ الْقَوْلِ بِمَنْعِ وُجُوبِ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي بَعْضٍ فَوَجْهُهَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ لَنَا عَلَى التَّمَامِ ، أَوْ غَيْرُ مَعْرُوفٍ أَلْبَتَّةَ ، وَيُبَالَغُ فِي هَذَا حَتَّى يُمْنَعَ الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ ، وَيُؤَكِّدُهُ مَا جَاءَ فِي ذَمِّ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ ، وَحَاصِلُ هَذَا الْوَجْهِ الْحَمْلُ عَلَى الظَّاهِرِ مُطْلَقًا ، وَهُوَ رَأْيُ الظَّاهِرِيَّةِ الَّذِينَ يَحْصُرُونَ مَظَانَّ الْعِلْمِ بِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ فِي الظَّوَاهِرِ وَالنُّصُوصِ وَلَعَلَّهُ يُشَارُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِهِ بِإِطْلَاقٍ أَخْذٌ فِي طَرَفٍ تَشْهَدُ الشَّرِيعَةُ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ كَمَا قَالُوا . وَالثَّانِي فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنْ هَذَا إِلَّا أَنَّهُ ضَرْبَانِ : الْأَوَّلُ : دَعْوَى أَنَّ مَقْصِدَ الشَّارِعِ لَيْسَ فِي هَذِهِ الظَّوَاهِرِ وَلَا مَا يُفْهَمُ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَمْرٌ آخَرُ وَرَاءَهُ ، وَيَطَّرِدُ هَذَا فِي جَمِيعِ الشَّرِيعَةِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي ظَاهِرِهَا مُتَمَسَّكٌ يُمْكِنُ أَنْ يُلْتَمَسَ مِنْهُ مَعْرِفَةُ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ ، وَهَذَا رَأْيُ كُلِّ قَاصِدٍ لِإِبْطَالِ الشَّرِيعَةِ ، وَهُمُ الْبَاطِنِيَّةُ فَإِنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا بِالْإِمَامِ الْمَعْصُومِ لَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِالْقَدْحِ فِي النُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ الشَّرْعِيَّةِ لِكَيْ يُفْتَقَرَ إِلَيْهِ عَلَى زَعْمِهِمْ ، وَمَآلُ هَذَا الرَّأْيِ إِلَى الْكُفْرِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إِلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ . فَلْنَنْزِلْ عَنْهُ إِلَى قِسْمٍ آخَرَ يُقَرِّبُ مِنْ مُوَازَنَةِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ الضَّرْبُ الثَّانِي ، بِأَنْ يُقَالَ : إِنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ الِالْتِفَاتُ إِلَى مَعَانِي الْأَلْفَاظِ بِحَيْثُ لَا تُعْتَبَرُ الظَّوَاهِرُ وَالنُّصُوصُ إِلَّا بِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ ، فَإِنْ خَالَفَ النَّصُّ الْمَعْنَى النَّظَرِيَّ اطُّرِحْ ، وَقُدِّمَ الْمَعْنَى النَّظَرِيُّ ، وَهُوَ إِمَّا بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، أَوْ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، لَكِنْ مَعَ تَحْكِيمِ الْمَعْنَى جِدًّا حَتَّى تَكُونَ الْأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ تَابِعَةً لِلْمَعَانِي النَّظَرِيَّةِ ، وَهُوَ رَأْيُ الْمُتَعَمِّقِينَ فِي الْقِيَاسِ الْمُقَدِّمِينَ لَهُ عَلَى النُّصُوصِ ، وَهَذَا فِي طَرَفٍ آخَرَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يُقَالَ بِاعْتِبَارِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا عَلَى وَجْهٍ لَا يُخِلُّ فِيهِ الْمَعْنَى بِالنَّصِّ وَلَا بِالْعَكْسِ لِتَجْرِيَ الشَّرِيعَةُ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا تَنَاقُضَ ، وَهُوَ الَّذِي أَمَّهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ فِي الضَّابِطِ الَّذِي بِهِ يُعَرِّفُ مَقْصِدَ الشَّارِعِ . فَنَقُولُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ : إِنَّهُ يُعْرَفُ مِنْ جِهَاتٍ : إِحْدَاهَا : مُجَرَّدُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الِابْتِدَائِيِّ التَّصْرِيحِيِّ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ مَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ أَمْرًا لِاقْتِضَائِهِ الْفِعْلَ ، فَوُقُوعُ الْفِعْلِ عِنْدَ وُجُودِ الْأَمْرِ بِهِ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ ، وَكَذَلِكَ النَّهْيُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ مُقْتَضٍ لِنَفْيِ الْفِعْلِ ، أَوِ الْكَفِّ عَنْهُ فَعَدَمُ وُقُوعِهِ مَقْصُودٌ لَهُ ، وَإِيقَاعُهُ مُخَالِفٌ لِمَقْصُودِهِ كَمَا أَنَّ عَدَمَ إِيقَاعِ الْمَأْمُورِ بِهِ مُخَالِفٌ لِمَقْصُودِهِ ، فَهَذَا وَجْهٌ ظَاهِرٌ عَامٌّ لِمَنِ اعْتَبَرَ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى عِلَّةٍ وَلِمَنِ اعْتَبَرَ الْعِلَلَ وَالْمَصَالِحَ ، وَهُوَ الْأَصْلُ الشَّرْعِيُّ . وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالِابْتِدَائِيِّ تَحَرُّزًا مِنَ الْأَمْرِ ، أَوِ النَّهْيِ الَّذِي قُصِدَ بِهِ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [ الْجُمْعَةِ : 9 ] ، فَإِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ لَيْسَ نَهْيًا مُبْتَدَأً ، بَلْ هُوَ تَأْكِيدٌ لِلْأَمْرِ بِالسَّعْيِ فَهُوَ مِنَ النَّهْيِ الْمَقْصُودِ بِالْقَصْدِ الثَّانِي . فَالْبَيْعُ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ كَمَا نُهِيَ عَنِ الرِّبَا وَالزِّنَا مَثَلًا ، بَلْ لِأَجْلِ تَعْطِيلِ السَّعْيِ عِنْدَ الِاشْتِغَالِ بِهِ ، وَمَا شَأْنُهُ هَذَا فَفِي فَهْمِ قَصْدِ الشَّارِعِ مِنْ مُجَرَّدِهِ نَظَرٌ وَاخْتِلَافٌ مَنْشَؤُهُ مِنْ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَرْجَمَةِ بِالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ . وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالتَّصْرِيحِيِّ تَحَرُّزًا مِنَ الْأَمْرِ ، أَوِ النَّهْيِ الضِّمْنِىِّ الَّذِي لَيْسَ بِمُصَرَّحٍ بِهِ كَالنَّهْيِ عَنْ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْأَمْرُ وَالْأَمْرُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ ، فَإِنَّ النَّهْيَ وَالْأَمْرَ هَا هُنَا إِنْ قِيلَ بِهِمَا فَهُمَا بِالْقَصْدِ الثَّانِي ، لَا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ; إِذْ مَجْرَاهُمَا عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِمَا مَجْرَى التَّأْكِيدِ لِلْأَمْرِ ، أَوِ النَّهْيِ الْمُصَرَّحِ بِهِ . فَأَمَّا إِنْ قِيلَ بِالنَّفْيِ فَالْأَمْرُ أَوْضَحُ فِي عَدَمِ الْقَصْدِ ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِمَا لَا يَتِمُّ الْمَأْمُورُ إِلَّا بِهِ ، الْمَذْكُورُ فِي مَسْأَلَةِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ . فَدَلَالَةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي هَذَا عَلَى مَقْصُودِ الشَّارِعِ مُتَنَازَعٌ فِيهِ فَلَيْسَ دَاخِلًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَلِذَلِكَ قُيِّدَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ بِالتَّصْرِيحِيِّ . وَالثَّانِيَةُ : اعْتِبَارُ عِلَلِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلِمَاذَا أُمِرَ بِهَذَا الْفِعْلِ ؟ وَلِمَاذَا نُهِيَ عَنْ هَذَا الْآخَرِ ؟ وَالْعِلَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً أَوْ لَا ، فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً اتُّبِعَتْ فَحَيْثُ وُجِدَتْ وُجِدَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنَ الْقَصْدِ ، أَوْ عَدَمِهِ كَالنِّكَاحِ لِمَصْلَحَةِ التَّنَاسُلِ وَالْبَيْعِ لِمَصْلَحَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالْحُدُودِ لِمَصْلَحَةِ الِازْدِجَارِ ، وَتُعْرَفُ الْعِلَّةُ هُنَا بِمَسَالِكِهَا الْمَعْلُومَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، فَإِذَا تَعَيَّنَتْ عُلِمَ أَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ مَا اقْتَضَتْهُ تِلْكَ الْعِلَلُ مِنَ الْفِعْلِ ، أَوْ عَدَمِهِ ، وَمِنَ التَّسَبُّبِ ، أَوْ عَدَمِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ الْقَطْعِ عَلَى الشَّارِعِ أَنَّهُ قَصَدَ كَذَا ، وَكَذَا إِلَّا أَنَّ التَّوَقُّفَ هُنَا لَهُ وَجْهَانِ مِنَ النَّظَرِ . أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يَتَعَدَّى الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمُعَيَّنِ ، أَوِ السَّبَبِ الْمُعَيَّنِ; لِأَنَّ التَّعَدِّيَ مَعَ الْجَهْلِ بِالْعِلَّةِ تَحَكُّمٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، وَضَلَالٌ عَلَى غَيْرِ سَبِيلٍ وَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ عَلَى زَيْدٍ بِمَا وُضِعَ حُكْمًا عَلَى عَمْرٍو ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ أَنَّ الشَّارِعَ قَصَدَ الْحُكْمَ بِهِ عَلَى زَيْدٍ أَوْ لَا; لِأَنَّا إِذَا لَمْ نَعْلَمْ ذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمًا عَلَيْهِ فَنَكُونَ قَدْ أَقْدَمْنَا عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّارِعِ فَالتَّوَقُّفُ هُنَا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَحْكَامِ الْمَوْضُوعَةِ شَرْعًا أَنْ لَا يُتَعَدَّى بِهَا مَحَالُّهَا حَتَّى يُعْرَفَ قَصْدُ الشَّارِعِ لِذَلِكَ التَّعَدِّي; لِأَنَّ عَدَمَ نَصْبِهِ دَلِيلًا عَلَى التَّعَدِّي دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ التَّعَدِّي; إِذْ لَوْ كَانَ عِنْدَ الشَّارِعِ مُتَعَدِّيًا لَنَصَبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ، وَوَضَعَ لَهُ مَسْلَكًا ، وَمَسَالِكُ الْعِلَّةِ مَعْرُوفَةٌ ، وَقَدْ خُبِرَ بِهَا مَحَلُّ الْحُكْمِ ، فَلَمْ تُوجَدْ لَهُ عِلَّةٌ يَشْهَدُ لَهَا مَسْلَكٌ مِنَ الْمَسَالِكِ فَصَحَّ أَنَّ التَّعَدِّيَ لِغَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ . فَهَذَانَ مَسْلَكَانِ كِلَاهُمَا مُتَّجِهٌ فِي الْمَوْضِعِ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ مِنْ غَيْرِ جَزْمٍ بِأَنَّ التَّعَدِّيَ الْمَفْرُوضَ غَيْرُ مُرَادٍ ، وَيَقْتَضِي هَذَا إِمْكَانَ أَنَّهُ مُرَادٌ فَيَبْقَى النَّاظِرُ بَاحِثًا حَتَّى يَجِدَ مَخْلَصًا; إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودَ الشَّارِعِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ مَقْصُودًا لَهُ ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي جَزْمَ الْقَضِيَّةِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ فَيَنْبَنِي عَلَيْهِ نَفْيُ التَّعَدِّي مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ ، وَيُحْكَمُ بِهِ عِلْمًا ، أَوْ ظَنًّا بِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لَهُ; إِذْ لَوْ كَانَ مَقْصُودًا لَنَصَبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا وَلَمَّا لَمْ نَجِدْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، فَإِنْ أَتَى مَا يُوَضِّحُ خِلَافَ الْمُعْتَقَدِ رُجِعَ إِلَيْهِ كَالْمُجْتَهِدِ يَجْزِمُ الْقَضِيَّةَ فِي الْحُكْمِ ، ثُمَّ يَطَّلِعُ بَعْدُ عَلَى دَلِيلٍ يَنْسَخُ جَزْمَهُ إِلَى خِلَافِهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَهُمَا مَسْلَكَانِ مُتَعَارِضَانِ; لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ وَالْآخَرَ لَا يَقْتَضِيهِ ، وَهُمَا فِي النَّظَرِ سَوَاءٌ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا تَدَافَعَا أَحْكَامَهُمَا ، فَلَا يَبْقَى إِلَّا التَّوَقُّفُ ، وَحْدَهُ فَكَيْفَ يَتَّجِهَانِ مَعًا ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُمَا قَدْ يَتَعَارَضَانِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ ، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ لِأَنَّهُمَا كَدَلِيلَيْنِ لَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَيَتَفَرَّعَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ عَلَى مَسْأَلَةِ تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ ، وَقَدْ لَا يَتَعَارَضَانِ بِحَسَبِ مُجْتَهِدَيْنَ ، أَوْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتَيْنِ ، أَوْ مَسْأَلَتَيْنِ فَيَقْوَى عِنْدَهُ مَسْلَكُ التَّوَقُّفِ فِي مَسْأَلَةٍ ، وَمَسْلَكُ النَّفْيِ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى ، فَلَا تَعَارُضَ عَلَى الْإِطْلَاقِ . وَأَيْضًا فَقَدْ عَلِمْنَا مِنْ مَقْصِدِ الشَّارِعِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ ، وَأَنَّهُ غَلَّبَ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ جِهَةَ التَّعَبُّدِ ، وَفِي بَابِ الْعَادَاتِ جِهَةَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي وَالْعَكْسُ فِي الْبَابَيْنِ قَلِيلٌ وَلِذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِتْ مَالِكٌ فِي إِزَالَةِ الْأَنْجَاسِ وَرَفْعِ الْأَحْدَاثِ إِلَى مُجَرَّدِ النَّظَافَةِ حَتَّى اشْتَرَطَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ ، وَفِي رَفْعِ الْأَحْدَاثِ النِّيَّةَ ، وَإِنْ حَصَلَتِ النَّظَافَةُ دُونَ ذَلِكَ وَامْتَنَعَ مِنْ إِقَامَةِ غَيْرِ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ مَقَامَهُمَا ، وَمَنَعَ مِنْ إِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ وَاقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ الْعَدَدِ فِي الْكَفَّارَاتِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى عَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، أَوْ مَا مَاثَلَهُ . وَغَلَّبَ فِي بَابِ الْعَادَاتِ الْمَعْنَى فَقَالَ فِيهَا بِقَاعِدَةِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَالِاسْتِحْسَانِ الَّذِي قَالَ فِيهِ : إِنَّهُ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْعِلْمِ إِلَى مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ ، وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِي هَذَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَسْلَكُ النَّفْيِ مُتَمَكِّنٌ فِي الْعِبَادَاتِ ، وَمَسْلَكُ التَّوَقُّفِ مُتَمَكِّنٌ فِي الْعَادَاتِ . وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ تُرَاعَى الْمَعَانِي فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ شَيْءٌ فَيَجْرِي الْبَاقِي عَلَيْهِ ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَالتَّعَبُّدَاتُ فِي بَابِ الْعَادَاتِ ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ شَيْءٌ فَيَجْرِي الْبَاقِي عَلَيْهِ ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الظَّاهِرِيَّةِ وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ مَا تَقَدَّمَ ، وَقَاعِدَةُ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ وَالِاسْتِصْحَابِ رَاجِعَةٌ إِلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ . وَالْجِهَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ لِلشَّارِعِ فِي شَرْعِ الْأَحْكَامِ الْعَادِيَّةِ وَالْعِبَادِيَّةِ مَقَاصِدَ أَصْلِيَّةً ، وَمَقَاصِدَ تَابِعَةً . مِثَالُ ذَلِكَ : النِّكَاحُ ، فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلتَّنَاسُلِ عَلَى الْقَصْدِ الْأَوَّلِ ، وَيَلِيهِ طَلَبُ السَّكَنِ وَالِازْدِوَاجِ ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْحَلَالِ وَالنَّظَرِ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الْمَحَاسِنِ فِي النِّسَاءِ وَالتَّجَمُّلِ بِمَالِ الْمَرْأَةِ أَوْ قِيَامِهَا عَلَيْهِ ، وَعَلَى أَوْلَادِهِ مِنْهَا ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا ، أَوْ إِخْوَتِهِ ، وَالتَّحَفُّظُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ مِنْ شَهْوَةِ الْفَرْجِ وَنَظَرِ الْعَيْنِ ، وَالِازْدِيَادُ مِنَ الشُّكْرِ بِمَزِيدِ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَجَمِيعُ هَذَا مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ النِّكَاحِ ، فَمِنْهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ ، أَوْ مُشَارٌ إِلَيْهِ ، وَمِنْهُ مَا عُلِمَ بِدَلِيلٍ آخَرَ ، وَمَسْلَكٍ اسْتُقْرِئَ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْصُوصِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ التَّوَابِعِ هُوَ مُثْبِتٌ لِلْمَقْصِدِ الْأَصْلِيِّ ، وَمُقَوٍّ لِحِكْمَتِهِ ، وَمُسْتَدْعٍ لِطَلَبِهِ ، وَإِدَامَتِهِ ، وَمُسْتَجْلِبٌ لِتَوَالِي التَّرَاحُمِ وَالتَّوَاصُلِ وَالتَّعَاطُفِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مَقْصِدُ الشَّارِعِ الْأَصْلِيُّ مِنَ التَّنَاسُلِ ، فَاسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ مِمَّا شَأْنُهُ ذَلِكَ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ أَيْضًا كَمَا رُوِيَ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي نِكَاحِ أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ طَلَبًا لِشَرَفِ النَّسَبِ ، وَمُوَاصَلَةِ أَرْفَعِ الْبُيُوتَاتِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَلَا شَكَّ أَنَّ النِّكَاحَ لِمِثْلِ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ سَائِغٌ ، وَأَنَّ قَصْدَ التَّسَبُّبِ لَهُ حَسَنٌ . وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ نَوَاقِضَ هَذِهِ الْأُمُورِ مُضَادَّةٌ لِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ بِإِطْلَاقٍ مِنْ حَيْثُ كَانَ مَآلُهَا إِلَى ضِدِّ الْمُوَاصَلَةِ وَالسَّكَنِ وَالْمُوَافَقَةِ كَمَا إِذَا نَكَحَهَا لِيُحِلَّهَا لِمَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، فَإِنَّهُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِمَنْعِهِ مُضَادٌّ لِقَصْدِ الْمُوَاصَلَةِ الَّتِي جَعَلَهَا الشَّارِعُ مُسْتَدَامَةً إِلَى انْقِطَاعِ الْحَيَاةِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ; إِذْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمُقَاطَعَةَ بِالطَّلَاقِ ، وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَكُلُّ نِكَاحٍ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ ، وَهُوَ أَشَدُّ فِي ظُهُورِ مُحَافَظَةِ الشَّارِعِ عَلَى دَوَامِ الْمُوَاصَلَةِ حَيْثُ نَهَى عَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ . وَهَكَذَا الْعِبَادَاتُ ، فَإِنَّ الْمَقْصِدَ الْأَصْلِيَّ فِيهَا التَّوَجُّهُ إِلَى الْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ ، وَإِفْرَادُهُ بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَيَتْبَعُ ذَلِكَ قَصْدُ التَّعَبُّدِ لِنَيْلِ الدَّرَجَاتِ فِي الْآخِرَةِ ، أَوْ لِيَكُونَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ هَذِهِ التَّوَابِعَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْمَقْصُودِ الْأَوَّلِ ، وَبَاعِثَةٌ عَلَيْهِ ، وَمُقْتَضِيَةٌ لِلدَّوَامِ فِيهِ سِرًّا وَجَهْرًا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْقَصْدُ إِلَى التَّابِعِ لَا يَقْتَضِي دَوَامَ الْمَتْبُوعِ وَلَا تَأْكِيدَهُ كَالتَّعَبُّدِ بِقَصْدِ حِفْظِ الْمَالِ وَالدَّمِ ، أَوْ لِيَنَالَ مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ ، أَوْ مِنْ تَعْظِيمِهِمْ كَفِعْلِ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرَائِينَ ، فَإِنَّ الْقَصْدَ إِلَى هَذِهِ الْأُمُورِ لَيْسَ بِمُؤَكَّدٍ وَلَا بَاعِثٍ عَلَى الدَّوَامِ ، بَلْ هُوَ مُقَوٍّ لِلتَّرْكِ ، وَمُكَسِّلٌ عَنِ الْفِعْلِ وَلِذَلِكَ لَا يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ إِلَّا رَيْثَمَا يَتَرَصَّدُ بِهِ مَطْلُوبَهُ ، فَإِنْ بَعُدَ عَلَيْهِ تَرَكَهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ [ الْحَجِّ : 11 ] الْآيَةَ . فَمِثْلُ هَذَا الْمَقْصِدِ مُضَادٌّ لِقَصْدِ الشَّارِعِ إِذَا قُصِدَ الْعَمَلُ لِأَجْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَاهُ حَاصِلًا بِالتَّبَعِيَّةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، فَإِنَّ النَّاكِحَ عَلَى الْمَقْصِدِ الْمُؤَكِّدِ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ الْفِرَاقُ فَيَسْتَوِي مَعَ النَّاكِحِ لِلْمُتْعَةِ وَالتَّحْلِيلِ وَالْمُتَعَبِّدِ لِلَّهِ عَلَى الْقَصْدِ الْمُؤَكِّدِ ، يَحْصُلُ لَهُ حِفْظُ الدَّمِ وَالْمَالِ ، وَنَيْلُ الْمَرَاتِبِ وَالتَّعْظِيمُ فَيَسْتَوِي مَعَ الْمُتَعَبِّدِ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ قَاصِدَ التَّابِعِ الْمُؤَكِّدِ حَرٍ بِالدَّوَامِ ، وَقَاصِدُ التَّابِعِ غَيْرُ الْمُؤَكِّدِ حَرٍ بِالِانْقِطَاعِ . فَإِنْ قِيلَ : هَذِهِ الْمُضَادَّةُ هَلْ تَعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ تَقْتَضِي عَيْنًا أَمْ يُكْتَفَى فِيهَا بِكَوْنِهَا لَا تَقْتَضِي الْمُوَافَقَةَ ؟ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ يَقْتَضِي الْمُقَاطَعَةَ عَيْنًا ، فَلَا يَصِحُّ; لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ لِقَصْدِ الشَّارِعِ عَيْنِيَّةٌ ، وَنِكَاحُ الْقَاصِدِ لِمُضَارَّةِ الزَّوْجَةِ ، أَوْ لِأَخْذِ مَالِهَا ، أَوْ لِيُوقِعَ بِهَا ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَا لَا يَقْتَضِي مُوَاصَلَةً وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي عَيْنَ الْمُقَاطَعَةِ - مُخَالِفٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ فِي شَرْعِ النِّكَاحِ وَلَكِنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْمُخَالَفَةَ عَيْنًا; إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَصْدِ مُضَارَّةِ الزَّوْجَةِ وُقُوعُهَا وَلَا مِنْ وُقُوعِ الْمُضَارَّةِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ ضَرْبَةَ لَازِبٍ لِجَوَازِ الصُّلْحِ ، أَوِ الْحُكْمِ عَلَى الزَّوْجِ ، أَوْ زَوَالِ ذَلِكَ الْخَاطِرِ السَّبَبِيِّ ، وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ الْأَوَّلُ مُقْتَضِيًا فَلَيْسَ اقْتِضَاؤُهُ عَيْنِيًّا . فَالْجَوَابُ أَنَّ اقْتِضَاءَ الْمُخَالَفَةِ الْعَيْنِيَّةِ لَا شَكَّ فِي امْتِنَاعِهَا ، وَبُطْلَانِ مُقْتَضَاهَا مُطْلَقًا فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ مَعًا ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُتَعَبَّدَ لِلَّهِ بِمَا يَظْهَرُ أَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي الْمَقَاصِدِ ، وَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مَشْرُوعًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُتَزَوَّجَ بِذَلِكَ الْقَصْدِ ، وَأَمَّا مَا لَا يَقْتَضِي الْمُخَالَفَةَ عَيْنًا كَالنِّكَاحِ بِقَصْدِ الْمُضَارَّةِ ، وَكَنِكَاحِ التَّحْلِيلِ عِنْدَ مَنْ يُصَحِّحُهُ ، فَإِنَّ هُنَا وَجْهَيْنِ مِنَ النَّظَرِ ، فَإِنَّ الْقَصْدَ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُوَافِقٍ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ عَيْنُ الْمُخَالَفَةِ ، فَمَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ جَانِبُ عَدَمِ الْمُوَافَقَةِ مَنَعَ ، وَمَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ جَانِبُ عَدَمِ تَعَيُّنِ الْمُخَالَفَةِ لَمْ يَمْنَعْ ، وَيَظْهَرُ هَذَا فِي مِثَالِ نِكَاحِ الْمُضَارَّةِ ، فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ بِالنِّكَاحِ الْجَائِزِ فِي نَفْسِهِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْمَمْنُوعِ . فَالنِّكَاحُ مُنْفَرِدٌ بِالْحُكْمِ فِي نَفْسِهِ ، وَهُوَ فِي الْبَقَاءِ ، أَوِ الْفُرْقَةِ مُمْكِنٌ إِلَّا أَنَّ الْمُضَارَّةَ مَظِنَّةٌ لِلتَّفَرُّقِ فَمَنِ اعْتَبَرَ هَذَا الْمِقْدَارَ مَنَعَ ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ أَجَازَ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية