الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ الْحِيَلُ فِي الدِّينِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ فِي الْجُمْلَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا لَا يَنْحَصِرُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، لَكِنْ فِي خُصُوصِيَّاتٍ يُفْهَمُ مِنْ مَجْمُوعِهَا مَنْعُهَا وَالنَّهْيُ عَنْهَا عَلَى الْقَطْعِ . فَمِنَ الْكِتَابِ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ [ الْبَقَرَةِ : 8 ] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ . فَذَمَّهُمْ ، وَتَوَعَّدَهُمْ ، وَشَنَّعَ عَلَيْهِمْ ، وَحَقِيقَةُ أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ أَظْهَرُوا كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ إِحْرَازًا لِدِمَائِهِمْ ، وَأَمْوَالِهِمْ لَا لِمَا قُصِدَ لَهُ فِي الشَّرْعِ مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ طَاعَةِ اللَّهِ عَلَى اخْتِيَارٍ ، وَتَصْدِيقٍ قَلْبِيٍّ ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى كَانُوا فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ، وَقِيلَ فِيهِمْ : إِنَّهُمْ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [ الْبَقَرَةِ : 9 ] . وَقَالُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [ الْبَقَرَةِ : 14 ] لِأَنَّهُمْ تَحَيَّلُوا بِمُلَابَسَةِ الدِّينِ ، وَأَهْلِهِ إِلَى أَغْرَاضِهِمُ الْفَاسِدَةِ . وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمُرَائِينَ بِأَعْمَالِهِمْ : كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ [ الْبَقَرَةِ : 264 ] الْآيَةَ . وَقَالَ : وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [ النِّسَاءِ : 38 ] . وَقَالَ : يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [ النِّسَاءِ : 142 ] فَذَمَّ ، وَتَوَعَّدَ; لِأَنَّهُ إِظْهَارٌ لِلطَّاعَةِ لِقَصْدٍ دُنْيَوِيٍّ يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَيْهِ ، وَقَالَ تَعَالَى فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ : فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [ الْقَلَمِ : 17 - 20 ] لَمَّا احْتَالُوا عَلَى إِمْسَاكِ حَقِّ الْمَسَاكِينِ بِأَنْ قَصَدُوا الصِّرَامَ فِي غَيْرِ وَقْتِ إِتْيَانِهِمْ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِهْلَاكِ مَالِهِمْ . وَقَالَ : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ [ الْبَقَرَةِ : 65 ] الْآيَةَ ، وَأَشْبَاهَهَا لِأَنَّهُمُ احْتَالُوا لِلِاصْطِيَادِ فِي السَّبْتِ بِصُورَةِ الِاصْطِيَادِ فِي غَيْرِهِ . وَقَالَ تَعَالَى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا إِلَى قَوْلِهِ : وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا [ الْبَقَرَةِ : 231 ] . وَفُسِّرَتْ بِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَرْتَجِعَ الْمَرْأَةَ يَقْصِدُ بِذَلِكَ مُضَارَّتَهَا بِأَنْ يُطَلِّقَهَا ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تُشَارِفَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ ، ثُمَّ يَرْتَجِعَهَا ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا حَتَّى تُشَارِفَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ ، وَهَكَذَا لَا يَرْتَجِعُهَا لِغَرَضٍ لَهُ فِيهَا سِوَى الْإِضْرَارِ بِهَا . وَقَدْ جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا [ الْبَقَرَةِ : 228 ] إِلَى قَوْلِهِ : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ [ الْبَقَرَةِ : 229 ] أَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِ عَدَدٍ فَكَانَ الرَّجُلُ يَرْتَجِعُ الْمَرْأَةَ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا ، ثُمَّ يَرْتَجِعُهَا كَذَلِكَ قَصْدًا . فَنَزَلَتِ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ [ الْبَقَرَةِ : 229 ] ، وَنَزَلَ مَعَ ذَلِكَ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا [ الْبَقَرَةِ : 229 ] الْآيَةَ فِيمَنْ كَانَ يُضَارُّ الْمَرْأَةَ حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ . وَهَذِهِ كُلُّهَا حِيَلٌ عَلَى بُلُوغِ غَرَضٍ لَمْ يُشْرَعْ ذَلِكَ الْحُكْمُ لِأَجْلِهِ ، وَقَالَ تَعَالَى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ [ النِّسَاءِ : 12 ] يَعْنِي بِالْوَرَثَةِ بِأَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ ، أَوْ يُوصِيَ لِوَارِثٍ احْتِيَالًا عَلَى حِرْمَانِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ . وَقَالَ تَعَالَى : وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا [ النِّسَاءِ : 6 ] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [ النِّسَاءِ : 19 ] الْآيَةَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا الْمَعْنَى . وَمِنَ الْأَحَادِيثِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام - : لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ فَهَذَا نَهْيٌ عَنِ الِاحْتِيَالِ لِإِسْقَاطِ الْوَاجِبِ ، أَوْ تَقْلِيلِهِ . وَقَالَ : لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَسْتَحِلُّونَ مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ . وَقَالَ : مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ تَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ . وَقَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا وَبَاعُوهَا ، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا . وَقَالَ : لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا يُعْزَفُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ . وَيُرْوَى مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَرْفُوعًا : " يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ : يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِأَسْمَاءٍ يُسَمُّونَهَا بِهَا ، وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ ، وَالْقَتْلَ بِالرَّهْبَةِ ، وَالزِّنَى بِالنِّكَاحِ ، وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ " . وَقَالَ : إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ، وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ وَاتَّبَعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ ، وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَلَاءً ، فَلَا يَرْفَعُهُ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ . وَقَالَ : لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ . وَقَالَ : لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ . وَنَهَى عَنْ هَدِيَّةِ الْمِدْيَانِ فَقَالَ : إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا فَأُهْدِيَ إِلَيْهِ ، أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ ، فَلَا يَرْكَبْهَا وَلَا يَقْبَلْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ ، وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ . وَقَالَ : الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ . وَجَعَلَ هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولًا ، وَنَهَى عَنِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ لَمْ يَتُبْ . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ كُلُّهَا دَائِرَةٌ عَلَى أَنَّ التَّحَيُّلَ فِي قَلْبِ الْأَحْكَامِ ظَاهِرًا غَيْرُ جَائِزٍ ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية