الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى مَقَاصِدِ الْمُكَلَّفِ فِي التَّكْلِيفِ ، وَفِيهِ مَسَائِلُ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : إِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَالْمَقَاصِدَ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا تَنْحَصِرُ . وَيَكْفِيكَ مِنْهَا أَنَّ الْمَقَاصِدَ تُفَرِّقُ بَيْنَ مَا هُوَ عَادَةٌ وَمَا هُوَ عِبَادَةٌ ، وَفِي الْعِبَادَاتِ بَيْنَ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَغَيْرُ وَاجِبٍ ، وَفِي الْعَادَاتِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ وَالصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ ، وَالْعَمَلُ الْوَاحِدُ يُقْصَدُ بِهِ أَمْرٌ فَيَكُونُ عِبَادَةً ، وَيُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ فَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ ، بَلْ يُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ فَيَكُونُ إِيمَانًا ، وَيُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ فَيَكُونُ كُفْرًا كَالسُّجُودِ لِلَّهِ أَوْ لِلصَّنَمِ . وَأَيْضًا فَالْعَمَلُ إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ الْقَصْدُ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ ، وَإِذَا عُرِّيَ عَنِ الْقَصْدِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْهَا كَفِعْلِ النَّائِمِ وَالْغَافِلِ وَالْمَجْنُونِ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ الْبَيِّنَةِ : 5 ] . فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [ الزُّمَرِ : 2 ] . إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [ النَّحْلِ : 106 ] . وَقَالَ : وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [ التَّوْبَةِ : 54 ] . وَقَالَ : وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا [ الْبَقَرَةِ : 231 ] بَعْدَ قَوْلِهِ : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [ الْبَقَرَةِ : 231 ] . وَقَالَ : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ [ النِّسَاءِ : 12 ] . وَقَالَ : لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ إِلَى قَوْلِهِ : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً [ آلِ عِمْرَانَ : 28 ] . وَفِي الْحَدِيثِ : إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى إِلَى آخِرِهِ . وَقَالَ : مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَفِيهِ : أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ شَرِيكًا تَرَكْتُ نَصِيبِي لِشَرِيكِي . وَتَصْدِيقُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [ الْكَهْفِ : 110 ] . وَأَبَاحَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ مَا لَمْ يَصِدْهُ أَوْ يُصَدْ لَهُ ، وَهَذَا الْمَكَانُ أَوْضَحُ فِي نَفْسِهِ مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ . لَا يُقَالُ : إِنَّ الْمَقَاصِدَ وَإِنِ اعْتُبِرَتْ عَلَى الْجُمْلَةِ فَلَيْسَتْ مُعْتَبَرَةً بِإِطْلَاقٍ وَفِي كُلِّ حَالٍ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءُ ، مِنْهَا الْأَعْمَالُ الَّتِي يَجِبُ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهَا شَرْعًا ، فَإِنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْفِعْلِ يُعْطِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ فِيمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ امْتِثَالَ أَمْرِ الشَّارِعِ ، إِذْ لَمْ يَحْصُلِ الْإِكْرَاهُ إِلَّا لِأَجْلِهِ ، فَإِذَا فَعَلَهُ وَهُوَ قَاصِدٌ لِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ غَيْرُ قَاصِدٍ لِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالنِّيَّةِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهِ ، وَهُوَ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ كَانَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً ، فَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ يُطَالَبَ بِالْعَمَلِ أَيْضًا ثَانِيًا ، وَيَلْزَمُ فِي الثَّانِي مَا لَزِمَ فِي الْأَوَّلِ ، وَيَتَسَلْسَلُ ، أَوْ يَكُونَ الْإِكْرَاهُ عَبَثًا ، وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ ، أَوْ يَصِحَّ الْعَمَلُ بِلَا نِيَّةٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ . وَمِنْهَا أَنَّ الْأَعْمَالَ ضَرْبَانِ : عَادَاتٌ ، وَعِبَادَاتٌ . فَأَمَّا الْعَادَاتُ فَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ : إِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ فِي الِامْتِثَالِ بِهَا إِلَى نِيَّةٍ ، بَلْ مُجَرَّدُ وُقُوعِهَا كَافٍ كَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَالْمَغْصُوبِ وَالنَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجَاتِ وَالْعِيَالِ وَغَيْرِهَا ، فَكَيْفَ يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَقَاصِدَ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ . وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ فَلَيْسَتِ النِّيَّةُ بِمَشْرُوطَةٍ فِيهَا بِإِطْلَاقٍ أَيْضًا ، بَلْ فِيهَا تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا ، فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ ، وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَالزَّكَاةُ ، وَهِيَ عِبَادَاتٌ . وَأَلْزَمُوا الْهَازِلَ الْعِتْقَ وَالنَّذْرَ كَمَا أَلْزَمُوهُ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ وَالرَّجْعَةَ . وَفِي الْحَدِيثِ : ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ : النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : مَنْ نَكَحَ لَاعِبًا أَوْ طَلَّقَ لَاعِبًا أَوْ أَعْتَقَ لَاعِبًا فَقَدْ جَازَ . وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَرْبَعٌ جَائِزَاتٌ إِذَا تُكُلِّمَ بِهِنَّ : الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالنَّذْرُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْهَازِلَ مِنْ حَيْثُ هُوَ هَازِلٌ لَا قَصْدَ لَهُ فِي إِيقَاعِ مَا هَزَلَ بِهِ ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَنْ رَفَضَ نِيَّةَ الصَّوْمِ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ وَلَمْ يُفْطِرْ - أَنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ ، وَمَنْ سَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ مَثَلًا ظَانًّا لِلتَّمَامِ فَتَنَفَّلَ بَعْدَهَا بِرَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ - أَجَزَأَتْ عَنْهُ رَكْعَتَا النَّافِلَةِ عَنْ رَكْعَتَيِ الْفَرِيضَةِ . وَأَصْلُ مَسْأَلَةِ الرَّفْضِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، فَجَمِيعُ هَذَا ظَاهِرٌ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَةِ مَعَ فَقْدِ النِّيَّةِ فِيهَا حَقِيقَةً . وَمِنْهَا أَنَّ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ قَصْدُ الِامْتِثَالِ عَقْلًا ، وَهُوَ النَّظَرُ الْأَوَّلُ الْمُفْضِي إِلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِ الصَّانِعِ وَالْعِلْمِ بِمَا لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ . فَإِنَّ قَصْدَ الِامْتِثَالِ فِيهِ مُحَالٌ حَسَبَمَا قَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ ، فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّ كُلَّ عَمَلٍ لَا يَصِحُّ بِدُونِ نِيَّةٍ ؟ . وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كُلُّهُ دَلَّ عَلَى نَقِيضِ الدَّعْوَى ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عَمَلٍ بِنِيَّةٍ وَلَا أَنَّ كَلَّ تَصَرُّفٍ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَقَاصِدُ هَكَذَا مُطْلَقًا; لِأَنَّا نُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ نَقُولَ : إِنَّ الْمَقَاصِدَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْأَعْمَالِ ضَرْبَانِ : ضَرْبٌ هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ كُلِّ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُخْتَارٌ ، وَهُنَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ كُلَّ عَمَلٍ مُعْتَبَرٌ بِنِيَّتِهِ فِيهِ شَرْعًا قُصِدَ بِهِ امْتِثَالُ أَمْرِ الشَّارِعِ أَوْ لَا ، وَتَتَعَلَّقُ إِذْ ذَاكَ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ ، فَإِنَّ كُلَّ فَاعِلٍ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ إِنَّمَا يَقْصِدُ بِعَمَلِهِ غَرَضًا مِنَ الْأَغْرَاضِ حَسَنًا كَانَ أَوْ قَبِيحًا ، مَطْلُوبَ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ أَوْ غَيْرَ مَطْلُوبٍ شَرْعًا ، فَلَوْ فَرَضْنَا الْعَمَلَ مَعَ عَدَمِ الِاخْتِيَارِ كَالْمُلْجَأِ وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِهِمْ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ ، فَلَيْسَ هَذَا النَّمَطُ بِمَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ ، فَبَقِيَ مَا كَانَ مَفْعُولًا بِالِاخْتِيَارِ ، لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْقَصْدِ ، وَإِذْ ذَاكَ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الْكُلِّيَّةِ عَمَلٌ أَلْبَتَّةَ . وَكُلُّ مَا أُورِدَ فِي السُّؤَالِ لَا يَعْدُو هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ ، فَإِنَّهُ إِمَّا مَقْصُودٌ لِمَا قُصِدَ لَهُ مِنْ رَفْعِ مُقْتَضَى الْإِكْرَاهِ أَوِ الْهَزْلِ أَوْ طَلَبِ الدَّلِيلِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَتَنَزَّلُ ذَلِكَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ بِالِاعْتِبَارِ وَعَدَمِهِ . وَإِمَّا غَيْرُ مَقْصُودٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ عَلَى حَالٍ ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ فَمِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ لَا مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ ، فَالْمُمْسِكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ لِنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ إِنْ صَحَّحْنَا صَوْمَهُ فَمِنْ جِهَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ ، كَأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ نَفْسَ الْإِمْسَاكِ سَبَبًا فِي إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ أَوْ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ شَرْعًا ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهِ وُجُوبًا ، وَكَذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كُلِّ فِعْلٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّعَبُّدِيَّاتِ مِنْ حَيْثُ هِيَ تَعَبُّدِيَّاتٌ ، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا الدَّاخِلَةَ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ لَا تَصِيرُ تَعَبُّدِيَّةً إِلَّا مَعَ الْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ ، أَمَّا مَا وُضِعَ عَلَى التَّعَبُّدِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهِمَا فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ ، وَأَمَّا الْعَادِيَّاتُ فَلَا تَكُونُ تَعَبُّدُيَّاتٍ إِلَّا بِالنِّيَّاتِ وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ شَيْءٌ إِلَّا النَّظَرُ الْأَوَّلُ لِعَدَمِ إِمْكَانِهِ ، لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ قَصْدَ التَّعَبُّدِ فِيهِ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ عَلَيْهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ أَلْبَتَّةَ; بِنَاءً عَلَى مَنْعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ ، أَمَّا تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِنَفْسِ الْعَمَلِ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ; لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ قَادِرٌ عَلَيْهِ مُتَمَكِّنٌ مِنْ تَحْصِيلِهِ بِخِلَافِ قَصْدِ التَّعَبُّدِ بِالْعَمَلِ ، فَإِنَّهُ مُحَالٌ ، فَصَارَ فِي عِدَادِ مَا لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ تَتَضَمَّنْهُ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى طَلَبِ هَذَا الْقَصْدِ أَوِ اعْتِبَارِهِ شَرْعًا . وَالثَّانِي مِنْ وَجْهَيِ الْجَوَابِ : بِالْكَلَامِ عَلَى تَفَاصِيلِ مَا اعْتُرِضَ بِهِ . فَأَمَّا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ فَمَا كَانَ مِنْهَا غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إِلَى نِيَّةِ التَّعَبُّدِ وَقَصْدِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ عِبَادَةٌ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ حَصَلَتْ فَائِدَتُهُ ، فَتَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ شَرْعًا كَأَخْذِ الْأَمْوَالِ مِنْ أَيْدِي الْغُصَّابِ ، وَمَا افْتَقَرَ مِنْهَا إِلَى نِيَّةِ التَّعَبُّدِ فَلَا يُجْزِئُ فِعْلُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكْرَهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ حَتَّى يَنْوِيَ الْقُرْبَةَ ، كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الصَّلَاةِ ، لَكِنَّ الْمُطَالَبَةَ تَسْقُطُ عَنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ فَلَا يُطَالِبُهُ الْحَاكِمُ بِإِعَادَتِهَا; لِأَنَّ بَاطِنَ الْأَمْرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْعِبَادِ ، فَلَمْ يُطَالَبُوا بِالشَّقِّ عَنِ الْقُلُوبِ . وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الْعَادِيَّةُ وَإِنْ لَمْ تَفْتَقِرْ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهَا إِلَى نِيَّةٍ فَلَا تَكُونُ عِبَادَاتٍ وَلَا مُعْتَبَرَاتٍ فِي الثَّوَابِ إِلَّا مَعَ قَصْدِ الِامْتِثَالِ وَإِلَّا كَانَتْ بَاطِلَةً . وَبَيَانُ بُطْلَانِهَا فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَعْمَالِ التَّعَبُّدِيَّةِ ، فَإِنَّ الْقَائِلَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا بَانٍ عَلَى أَنَّهَا كَالْعَادِيَّاتِ وَمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى ، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِيمَا كَانَ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى ، فَالطَّهَارَةُ وَالزَّكَاةُ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَفَّ قَدِ اسْتَحَقَّهُ الْوَقْتُ ، فَلَا يَنْعَقِدُ لِغَيْرِهِ وَلَا يَصْرِفُهُ قَصْدُ سِوَاهُ وَلِهَذَا نَظَائِرُ فِي الْعَادِيَّاتِ كَنِكَاحِ الشِّغَارِ ، فَإِنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُنْعَقِدٌ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدُوهُ . وَأَمَّا النَّذْرُ وَالْعِتْقُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَاصِدَ لِإِيقَاعِ السَّبَبِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْمُسَبَّبِ لَا يَنْفَعُهُ عَدَمُ قَصْدِهِ لَهُ عَنْ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ وَالْهَازِلُ كَذَلِكَ; لِأَنَّهُ قَاصِدٌ لِإِيقَاعِ السَّبَبِ بِلَا شَكٍّ . وَهُوَ فِي الْمُسَبَّبِ إِمَّا غَيْرُ قَاصِدٍ لَهُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ ، وَإِمَّا قَاصِدٌ أَنْ لَا يَقَعَ ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيَلْزَمُهُ الْمُسَبَّبُ شَاءَ أَمْ أَبَى . وَإِذْ قُلْنَا بِعَدَمِ اللُّزُومِ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَاطِقٌ بِاللَّفْظِ غَيْرُ قَاصِدٍ لِمَعْنَاهُ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ مُجَرَّدَ الْهَزْلِ بِاللَّفْظِ ، وَمُجَرَّدُ الْهَزْلِ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ حُكْمٌ إِلَّا حُكْمُ نَفْسِ الْهَزْلِ ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ أَوْ غَيْرُهَا ، وَقَدْ عُلِّلَ اللُّزُومُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِأَنَّ الْجِدَّ وَالْهَزْلَ أَمْرٌ بَاطِنٌ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ جِدٌّ وَمُصَاحِبٌ لِلْقَصْدِ لِإِيقَاعِ مَدْلُولِهِ ، أَوْ يُقَالُ : إِنَّهُ قَاصِدٌ بِالْعَقْدِ - الَّذِي هُوَ جِدٌّ شَرْعِيٌّ - اللَّعِبَ ، فَنَاقَضَ مَقْصُودَ الشَّارِعِ ، فَبَطَلَ حُكْمُ الْهَزْلِ فِيهِ ، فَصَارَ إِلَى الْجِدِّ . وَمَسْأَلَةُ رَفْضِ نِيَّةِ الصَّوْمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ انْعَقَدَ عَلَى الصِّحَّةِ ، فَالنِّيَّةُ الْأُولَى مُسْتَصْحَبَةٌ حُكْمًا حَتَّى يَقَعَ الْإِفْطَارُ الْحَقِيقِيُّ ، وَهُوَ لَمْ يَكُنْ ، فَصَحَّ الصَّوْمُ ، وَمِثْلُهُ نِيَابَةُ رَكْعَتَيِ النَّافِلَةِ عَنِ الْفَرِيضَةِ لِأَنَّ ظَنَّ الْإِتْمَامِ لَمْ يَقْطَعْ عِنْدَ الْمُصَحِّحِ حُكْمَ النِّيَّةِ الْأُولَى ، فَكَانَ السَّلَامُ بَيْنَهُمَا وَالِانْتِقَالُ إِلَى نِيَّةِ التَّنَفُّلِ لَغْوًا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا ، وَعَلَى هَذَا السَّبِيلِ تَجْرِي مَسْأَلَةُ الرَّفْضِ . وَأَمَّا النَّظَرُ الْأَوَّلُ فَقَصْدُ التَّعَبُّدِ فِيهِ مُحَالٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية