الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              فَصْلٌ وَالْأَفْعَالُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ اللَّهِ أَوْ حَقِّ الْآدَمِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا هُوَ حُقٌّ لِلَّهِ خَالِصًا كَالْعِبَادَاتِ ، وَأَصْلُهُ التَّعَبُّدُ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَإِذَا طَابَقَ الْفِعْلُ الْأَمْرَ ; صَحَّ ، وَإِلَّا ; فَلَا . وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ التَّعَبُّدَ رَاجِعٌ إِلَى عَدَمِ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى ، وَبِحَيْثُ لَا يَصِحُّ فِيهِ إِجْرَاءُ الْقِيَاسِ ، وَإِذَا لَمْ يُعْقَلُ مَعْنَاهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ فِيهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدَّهُ لَا يَتَعَدَّى ، فَإِذَا وَقَعَ طَابَقَ قَصْدَ الشَّارِعِ وَإِنْ لَا ; خَالَفَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُخَالَفَةَ قَصْدِ الشَّارِعِ مُبْطِلٌ لِلْعَمَلِ ; فَعَدَمُ مُطَابَقَةِ الْأَمْرِ مُبْطِلٌ لِلْعَمَلِ . وَأَيْضًا ; فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ عَدَمَ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ الْوُقُوفُ عِنْدَمَا حَدَّهُ الشَّارِعُ ; فَيَكْفِي فِي ذَلِكَ عَدَمُ تَحَقُّقِ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ [ وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ الْبَرَاءَةُ ] ، وَعَدَمُ تَحَقُّقِ الْبَرَاءَةِ [ مِنْهُ إِنْ لَمْ تَحْصُلْ الْمُطَابَقَةُ ، وَعَدَمُ تَحْقِيقِ الْبَرَاءَةِ ] مُوجِبٌ لِطَلَبِ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ بِفِعْلٍ مُطَابِقٍ ، لَا بِفِعْلٍ غَيْرِ مُطَابِقٍ . وَالنَّهْيُ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا نَظِيرُ الْأَمْرِ ; فَإِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إِمَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ بِإِطْلَاقٍ ، وَإِمَّا لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي أَنَّ الْفِعْلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِقَصْدِ الشَّارِعِ ; إِمَّا بِأَصْلِهِ ; كَزِيَادَةِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ ، أَوْ تَرْكِ الصَّلَاةِ ، وَإِمَّا بِوَصْفِهِ ; كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ ; إِذْ لَوْ كَانَ مَقْصُودًا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ ، وَلَأُمِرَ بِهِ أَوْ أُذِنَ فِيهِ ; فَإِنَّ الْإِذْنَ هُوَ الْمَعْرُوفُ أَوَّلًا بِقَصْدِ الشَّارِعِ فَلَا تَتَعَدَّاهُ . فَعَلَى هَذَا إِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ ، أَوِ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُطَابِقِ ; فَذَلِكَ إِمَّا لِعَدَمِ صِحَّةِ الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ عِنْدَهُ ، وَإِمَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ حَتْمٍ وَلَا نَهْيٍ حَتْمٍ ، وَإِمَّا لِرُجُوعِ جِهَةِ الْمُخَالَفَةِ إِلَى وَصْفٍ مُنْفَكٍّ ; كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الِانْفِكَاكِ ، وَإِمَّا لِعَدِّ النَّازِلَةِ مِنْ بَابِ الْمَفْهُومِ وَالْمَعْنَى الْمُعَلَّلِ بِالْمَصَالِحِ ; فَيَجْرِي عَلَى حُكْمِهِ ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ هَذَا قَلِيلٌ ، وَأَنَّ التَّعَبُّدَ هُوَ الْعُمْدَةُ . وَالثَّانِي : مَا هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعَبْدِ ، وَالْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ ، وَحُكْمُهُ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ إِذَا صَارَ مُطَّرَحًا شَرْعًا ; فَهُوَ كَغَيْرِ الْمُعْتَبَرِ ، إِذْ لَوِ اعْتُبِرَ لَكَانَ هُوَ الْمُعْتَبَرَ ، وَالْفَرْضُ خِلَافُهُ كَقَتْلِ النَّفْسِ ; إِذْ لَيْسَ لِلْعَبْدِ خِيَرَةٌ فِي إِسْلَامِ نَفْسِهِ لِلْقَتْلِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَالْفِتَنِ وَنَحْوِهَا ، فَإِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْمَنْهِيَّ أَوِ الْمَأْمُورَ غَيْرَ الْمُطَابِقِ بَعْدَ الْوُقُوعِ ; فَذَلِكَ لِلْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ ، وَلِأَمْرٍ رَابِعٍ وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ فِيهِ هُوَ الْمُغَلَّبُ . وَالثَّالِثُ : مَا اشْتَرَكَ فِيهِ الْحَقَّانِ وَحَقُّ الْعَبْدِ هُوَ الْمُغَلَّبُ ، وَأَصْلُهُ مَعْقُولِيَّةُ الْمَعْنَى ، فَإِذَا طَابَقَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ; فَلَا إِشْكَالَ فِي الصِّحَّةِ ; لِحُصُولِ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ بِذَلِكَ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا حَسْبَمَا يَتَهَيَّأُ لَهُ ، وَإِنْ وَقَعَتِ الْمُخَالَفَةُ فَهُنَا نَظَرٌ ; أَصْلُهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ ، فَإِمَّا أَنْ يَحْصُلَ مَعَ ذَلِكَ حَقُّ الْعَبْدِ وَلَوْ بَعْدَ الْوُقُوعِ ، عَلَى حَدِّ مَا كَانَ يَحْصُلُ عِنْدَ الْمُطَابَقَةِ أَوْ أَبْلَغَ ، أَوْ لَا ; فَإِنْ فَرَضَ غَيْرَ حَاصِلٍ ; فَالْعَمَلُ بَاطِلٌ لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ لَمْ يَحْصُلْ ، وَإِنْ حَصَلَ - وَلَا يَكُونُ حُصُولُهُ إِلَّا مُسَبِّبًا عَنْ سَبَبٍ آخَرَ غَيْرِ السَّبَبِ الْمُخَالِفِ - ; صَحَّ وَارْتَفَعَ مُقْتَضَى النَّهْيِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ الْعَبْدِ ، وَلِذَلِكَ يُصَحِّحُ مَالِكٌ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ إِذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ; لِأَنَّ النَّهْيَ لِأَجْلِ فَوْتِ الْعِتْقِ ، فَإِذَا حَصَلَ ; فَلَا مَعْنَى لِلْفَسْخِ عِنْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ الْمَمْلُوكِ ، وَكَذَلِكَ يَصِحُّ الْعَقْدُ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ إِذَا أَسْقَطَ ذُو الْحَقِّ حَقَّهُ ; لِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ فَرَضْنَاهُ لِحَقِّ الْعَبْدِ ، فَإِذَا رَضِيَ بِإِسْقَاطِهِ ; فَلَهُ ذَلِكَ ، وَأَمْثِلَةُ هَذَا الْقِسْمِ كَثِيرَةٌ ، فَإِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْعَمَلَ الْمُخَالِفَ بَعْدَ الْوُقُوعِ ; فَذَلِكَ لِأَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية