الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              فَصْلٌ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، وَأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَادَاتِ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْمَعَانِي ; فَإِذَا وُجِدَ فِيهَا التَّعَبُّدُ ; فَلَا بُدَّ مِنَ التَّسْلِيمِ وَالْوُقُوفِ مَعَ الْمَنْصُوصِ ; كَطَلَبِ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ ، وَالذَّبْحِ فِي [ الْمَحَلِّ الْمَخْصُوصِ فِي ] الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ ، وَالْفُرُوضِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الْمَوَارِيثِ ، وَعَدَدِ الْأَشْهُرِ فِي الْعِدَدِ الطَّلَاقِيَّةِ وَالْوَفَوِيَّةِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَجَالَ لِلْعُقُولِ فِي فَهْمِ مَصَالِحِهَا الْجُزْئِيَّةِ ; حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهَا غَيْرُهَا ; فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الشُّرُوطَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي النِّكَاحِ مِنَ الْوَلِيِّ وَالصَّدَاقِ وَشِبْهِ ذَلِكَ ; لِتَمْيِيزِ النِّكَاحِ عَنِ السِّفَاحِ ، وَأَنَّ فُرُوضَ الْمَوَارِيثِ تَرَتَّبَتْ عَلَى تَرْتِيبِ الْقُرْبَى مِنَ الْمَيِّتِ ، وَأَنَّ الْعِدَدَ وُالِاسْتِبْرَاءَاتِ الْمُرَادُ بِهَا اسْتِبْرَاءُ الرَّحِمِ خَوْفًا مِنْ اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ ، وَلَكِنَّهَا أُمُورٌ جُمْلِيَّةٌ ; كَمَا أَنَّ الْخُضُوعَ وَالتَّعْظِيمَ وَالْإِجْلَالَ عِلَّةُ شَرْعِ الْعِبَادَاتِ ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ لَا يَقْضِي بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ فِيهَا ، بِحَيْثُ يُقَالُ : إِذَا حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ بِأُمُورٍ أُخَرَ مَثَلًا لَمْ تُشْتَرَطْ تِلْكَ الشُّرُوطُ ، وَمَتَى عُلِمَ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ لَمْ تُشْرَعِ الْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ وَلَا بِالْأَشْهُرِ ، وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . فَإِنْ قِيلَ : وَهَلْ تُوجَدُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ التَّعَبُّدِيَّاتِ عِلَّةٌ يُفْهَمُ مِنْهَا مَقْصِدَ الشَّارِعِ عَلَى الْخُصُوصِ أَمْ لَا ؟ فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ : أَمَّا أُمُورُ التَّعَبُّدَاتِ ; فَعِلَّتُهَا الْمَطْلُوبَةُ مُجَرَّدُ الِانْقِيَادِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا سُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ قَضَاءِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ دُونَ الصَّلَاةِ ; قَالَتْ لِلسَّائِلَةِ : " أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ؟ " إِنْكَارًا عَلَيْهَا أَنْ يُسْئَلَ عَنْ مِثْلِ هَذَا ; إِذْ لَمْ يُوضَعْ التَّعَبُّدُ أَنْ تَفْهَمَ عِلَّتَهُ الْخَاصَّةَ ، ثُمَّ قَالَتْ : كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ ، وَهَذَا يُرَجِّحُ التَّعَبُّدَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْمَشَقَّةِ ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ فِي مَسْأَلَةِ تَسْوِيَةِ الشَّارِعِ بَيْنَ دِيَةِ الْأَصَابِعِ : " هِيَ السُّنَةُ يَا ابْنَ أَخِي " ، وَهُوَ كَثِيرٌ ، وَمَعْنَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ لَا عِلَّةَ . وَأَمَّا الْعَادِيَّاتُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَيْضًا ; فَلَهَا مَعْنًى مَفْهُومٌ ، وَهُوَ ضَبْطُ وَجُوهِ الْمَصَالِحِ ، إِذْ لَوْ تُرِكَ النَّاسُ وَالنَّظَرُ لَانْتَشَرَ وَلَمْ يَنْضَبِطْ ، وَتَعَذَّرَ الرُّجُوعُ إِلَى أَصْلٍ شَرْعِيٍّ ، وَالضَّبْطُ أَقْرَبُ إِلَى الِانْقِيَادِ مَا وُجِدَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ ، فَجَعَلَ الشَّارِعُ لِلْحُدُودِ مَقَادِيرَ مَعْلُومَةً ، وَأَسْبَابًا مَعْلُومَةً لَا تَتَعَدَّى ; كَالثَّمَانِينَ فِي الْقَذْفِ ، وَالْمِائَةِ وَتَغْرِيبِ الْعَامِ فِي الزِّنَا عَلَى غَيْرِ إِحْصَانٍ ، وَخَصَّ قَطْعَ الْيَدِ بِالْكُوعِ وَفِي النِّصَابِ الْمُعَيَّنِ ، وَجَعَلَ مَغِيبَ الْحَشَفَةِ حَدًّا فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ ، وَكَذَلِكَ الْأَشْهُرُ وَالْقُرُوءُ فِي الْعِدَدِ ، وَالنِّصَابِ وَالْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ ، وَمَا لَا يَنْضَبِطُ رُدَّ إِلَى أَمَانَاتِ الْمُكَلَّفِينَ ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسَّرَائِرِ ; كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ ، وَالصَّوْمِ ، وَالْحَيْضِ ، وَالطُّهْرِ ، وَسَائِرِ مَا لَا يُمْكِنُ رُجُوعُهُ إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ ظَاهِرٍ ; فَهَذَا مِمَّا قَدْ يُظَنُّ الْتِفَاتُ الشَّارِعِ إِلَى الْقَصْدِ إِلَيْهِ . وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يُشِيرُ أَصْلُ سَدِّ الذَّرَائِعِ ; لَكِنْ لَهُ نَظَرَانِ : نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ تَشَعُّبِهِ وَانْتِشَارِ وُجُوهِهِ إِذَا تَتَبَّعْنَاهُ ، كَمَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ مَثَلًا ، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ التَّكْلِيفَاتِ ثَبَتَ كَوْنُهَا مَوْكُولَةً إِلَى أَمَانَةِ الْمُكَلَّفِ ; فَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَتَ مِنْهُ إِلَّا إِلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ . وَنَظَرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ لَهُ ضَوَابِطَ قَرِيبَةَ الْمَأْخَذِ وَإِنِ انْتَشَرَتْ فُرُوعُهُ ، وَقَدْ فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ الِالْتِفَاتُ إِلَى كُلِّيِّهِ ، فَلْيَجْرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فِي مَظَانِّهِ ، وَقَدْ مَنَعَ الشَّارِعُ مِنْ أَشْيَاءَ مِنْ جِهَةِ جَرِّهَا إِلَى مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَالتَّوَسُّلِ بِهَا إِلَيْهِ ، وَهُوَ أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ قَدْ اعْتَبَرَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ ; فَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِهِ ، وَمِنَ النَّاسِ مِنْ تَوَسَّطَ بِنَظَرٍ ثَالِثٍ ; فَخَصَّ هَذَا الْمُخْتَلَفَ فِيهِ بِالظَّاهِرِ ، فَسَلَّطَ الْحُكَّامَ عَلَى مَا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ مِنْهُ ضَبْطًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ ، وَوَكَّلَ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إِلَى أَمَانَتِهِ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية