الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكَلَّفِ التَّعَبُّدُ دُونَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي ، وَأَصْلُ الْعَادَاتِ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْمَعَانِي . أَمَّا الْأَوَّلُ ; فَيَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ : مِنْهَا الِاسْتِقْرَاءُ ; فَإِنَّا وَجَدْنَا الطَّهَارَةَ تَتَعَدَّى مَحَلَّ مُوجِبِهَا ، وَكَذَلِكَ الصَّلَوَاتُ خُصَّتْ بِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى هَيْئَاتٍ مَخْصُوصَةٍ ، إِنْ خَرَجَتْ عَنْهَا لَمْ تَكُنْ عِبَادَاتٍ ، وَوَجَدْنَا الْمُوجِبَاتِ فِيهَا تَتَّحِدُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمُوجِبَاتِ ، وَأَنَّ الذِّكْرَ الْمَخْصُوصَ فِي هَيْئَةٍ مَا مَطْلُوبٌ ، وَفِي هَيْئَةٍ أُخْرَى غَيْرُ مَطْلُوبٍ ، وَأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ مَخْصُوصَةٌ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ وَإِنْ أَمْكَنَتِ النَّظَافَةُ بِغَيْرِهِ ، وَأَنَّ التَّيَمُّمَ - وَلَيْسَتْ فِيهِ نَظَافَةٌ حِسِّيَّةٌ - يَقُومُ مَقَامَ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ الْمُطَهِّرِ ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْعِبَادَاتِ ; كَالصَّوْمِ ، وَالْحَجِّ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَإِنَّمَا فَهِمْنَا مِنْ حِكْمَةِ التَّعَبُّدِ الْعَامَّةِ الِانْقِيَادَ لِأَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِفْرَادِهِ بِالْخُضُوعِ ، وَالتَّعْظِيمِ لِجَلَالِهِ ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ لَا يُعْطِي عِلَّةً خَاصَّةً يُفْهَمُ مِنْهَا حُكْمٌ خَاصٌّ ; إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُحَدَّ لَنَا أَمْرٌ مَخْصُوصٌ ، بَلْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِمُجَرَّدِ التَّعْظِيمِ بِمَا حُدَّ وَمَا لَمْ يُحَدَّ ، وَلَكَانَ الْمُخَالِفُ لِمَا حُدَّ غَيْرَ مَلُومٍ ; إِذْ كَانَ التَّعْظِيمُ بِفِعْلِ الْعَبْدِ الْمُطَابِقِ لِنِيَّتِهِ حَاصِلًا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ ، فَعَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّ الْمَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ الْأَوَّلَ التَّعَبُّدُ لِلَّهِ بِذَلِكَ الْمَحْدُودِ ، وَأَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ شَرْعًا . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ التَّوْسِعَةَ فِي وُجُوهِ التَّعَبُّدِ بِمَا حُدَّ وَمَا لَمْ يُحَدَّ ; لَنَصَبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ دَلِيلًا وَاضِحًا ، كَمَا نَصَبَ عَلَى التَّوْسِعَةِ فِي وُجُوهِ الْعَادَاتِ أَدِلَّةً لَا يُوقَفُ مَعَهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ دُونَ مَا شَابَهَهُ وَقَارَبَهُ وَجَامَعَهُ فِي الْمَعْنَى الْمَفْهُومِ مِنَ الْأَصْلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، وَلَكَانَ ذَلِكَ يَتَّسِعُ فِي أَبْوَابِ الْعِبَادَاتِ ، وَلَمَّا لَمْ نَجِدْ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَلْ عَلَى خِلَافِهِ ; دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ الْوُقُوفُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَحْدُودِ ; إِلَّا أَنْ يُتَبَيَّنَ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ مَعْنًى مُرَادٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ; فَلَا لَوْمَ عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ ; فَلَيْسَ بِأَصْلٍ ، وَإِنَّمَا الْأَصْلُ مَا عَمَّ فِي الْبَابِ وَغَلَبَ فِي الْمَوْضِعِ . وَأَيْضًا ; فَإِنَّ الْمُنَاسِبَ فِيهَا مَعْدُودٌ عِنْدَهُمْ فِيمَا لَا نَظِيرَ لَهُ ; كَالْمَشَقَّةِ فِي قَصْرِ الْمُسَافِرِ وَإِفْطَارِهِ ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَإِلَى هَذَا ; فَأَكْثَرُ الْعِلَلِ الْمَفْهُومَةِ الْجِنْسِ فِي أَبْوَابِ الْعِبَادَاتِ غَيْرُ مَفْهُومَةِ الْخُصُوصِ ; كَقَوْلِهِ : " سَهَا فَسَجَدَ " ، وَقَوْلِهِ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ، وَنَهْيِهِ عَنْ " الصَّلَاةِ طَرَفَيِ النَّهَارِ " ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ . وَكَذَلِكَ مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْخِلَافِيِّونَ فِي قِيَاسِ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ بِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تَعَدَّتْ مَحَلَّ مُوجَبِهَا ; فَتَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ قِيَاسًا عَلَى التَّيَمُّمِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ مُنَاسِبٍ يَصْلُحُ لِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ ، بَلْ هُوَ مِنَ الْمُسَمَّى شُبَهًا ، بِحَيْثُ لَا يَتَّفِقُ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ الْقَائِلُونَ ، وَإِنَّمَا يَقِيسُ بِهِ مَنْ يَقِيسُ بَعْدَ أَنْ لَا يَجِدَ سِوَاهُ ، فَإِذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ لَنَا عِلَّةٌ ظَاهِرَةٌ تَشْهَدُ لَهَا الْمَسَالِكُ الظَّاهِرَةُ ; فَالرُّكْنُ الْوَثِيقُ الَّذِي يَنْبَغِي الِالْتِجَاءُ إِلَيْهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حُدَّ ، دُونَ التَّعَدِّي إِلَى غَيْرِهِ ; لِأَنَّا وَجَدْنَا الشَّرِيعَةَ حِينَ اسْتَقْرَيْنَاهَا تَدُورُ عَلَى التَّعَبُّدِ فِي بَابِ الْعِبَادَاتُ ، فَكَانَ أَصْلًا فِيهَا . وَالثَّالِثُ : أَنَّ وُجُوهَ التَّعَبُّدَاتِ فِي أَزْمِنَةِ الْفَتَرَاتِ لَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهَا الْعُقَلَاءُ اهْتِدَاءَهُمْ لِوُجُوهِ مَعَانِي الْعَادَاتِ ; فَقَدْ رَأَيْتُ الْغَالِبَ فِيهِمُ الضَّلَالَ فِيهَا ، وَالْمَشْيَ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ ، وَمِنْ ثَمَّ حَصَلَ التَّغْيِيرُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَقِلُّ بِدَرْكِ مَعَانِيهَا وَلَا بِوَضْعِهَا ، فَافْتَقَرْنَا إِلَى الشَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ ، وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عُذِرَ أَهْلُ الْفَتَرَاتِ فِي عَدَمِ اهْتِدَائِهِمْ ; فَقَالَ تَعَالَى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الْإِسْرَاءِ : 15 ] . وَقَالَ تَعَالَى : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ النِّسَاءِ : 165 ] . وَالْحُجَّةُ هَاهُنَا هِيَ الَّتِي أَثْبَتَهَا الشَّرْعُ فِي رَفْعِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ; لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الرُّجُوعِ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى مُجَرَّدِ مَا حَدَّهُ الشَّارِعُ ، وَهُوَ مَعْنَى التَّعَبُّدِ ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْوَاقِفُ مَعَ مُجَرَّدِ الِاتِّبَاعِ فِيهِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، وَأَجْرَى عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ ، وَهُوَ رَأْيُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ; إِذْ لَمْ يَلْتَفِتْ فِي رَفْعِ الْأَحْدَاثِ إِلَى مُجَرَّدِ النَّظَافَةِ حَتَّى اشْتَرَطَ النِّيَّةَ وَالْمَاءَ الْمُطْلَقَ وَإِنْ حَصَلَتِ النَّظَافَةُ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَامْتَنَعَ مِنْ إِقَامَةِ غَيْرِ التَّكْبِيرِ مَقَامَهُ ، وَالتَّسْلِيمِ كَذَلِكَ ، وَمَنَعَ مِنْ إِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ ، وَاقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ الْعَدَدِ فِي الْكَفَّارَاتِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُبَالَغَاتِهِ الشَّدِيدَةِ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى مَحْضِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْ مَا مَاثَلَهُ ; فَيَجِبُ أَنَّ يُؤْخَذَ فِي هَذَا الضَّرْبِ التَّعَبُّدُ دُونَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي أَصْلًا يُبْنَى عَلَيْهِ ، وَرُكْنًا يُلْجَأُ إِلَيْهِ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية