الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              فَصْلٌ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مَا بَنَوْا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْعَادِيِّ ; كَالْمُكَاشَفَةِ ; فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُمْ فِيهِ حُكْمَ أَهْلِ الْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ ، بِحَيْثُ يُطْلَبُونَ بِالرُّجُوعِ إِلَى مَا عَلَيْهِ النَّاسُ ؟ أَمْ يُعَامَلُونَ مُعَامَلَةً أُخْرَى خَارِجَةً عَنْ أَحْكَامِ أَهْلِ الْعَوَائِدِ الظَّاهِرَةِ فِي النَّاسِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً فِي الظَّاهِرِ ; لِأَنَّهَا فِي تَحْقِيقِ الْكَشْفِ الْغَيْبِيِّ مُوَافِقَةٌ لَا مُخَالِفَةٌ . وَالَّذِي يَطَّرِدُ بِحَسَبِ مَا ثَبَتَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ وَمَا قَبْلَهَا أَنْ لَا يَكُونُ حُكْمُهُمْ مُخْتَصًّا ، بَلْ يُرَدُّونَ إِلَى أَحْكَامِ أَهْلِ الْعَوَائِدِ الظَّاهِرَةِ وَيَطْلُبُهُمُ الْمُرَبِّي بِذَلِكَ حَتْمًا ، وَقَدْ مَرَّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَيْضًا أَوْجُهٌ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْأَحْكَامَ لَوْ وُضِعَتْ عَلَى حُكْمِ انْخِرَاقِ الْعَوَائِدِ لَمْ تَنْتَظِمْ لَهَا قَاعِدَةٌ ، وَلَمْ يَرْتَبِطْ لِحُكْمِهَا مُكَلَّفٌ إِذْ كَانَتْ ; لَكَوْنِ الْأَفْعَالِ كُلِّهَا دَاخِلَةً تَحْتَ إِمْكَانِ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ ; فَلَا وَجْهَ إِلَّا وَيُمْكِنُ فِيهِ الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ ; فَلَا حُكْمَ لِأَحَدٍ عَلَى فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْبَتِّ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُحْكَمُ بِتَرَتُّبِ ثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ ، وَلَا إِكْرَامٍ وَلَا إِهَانَةٍ ، وَلَا حَقْنِ دَمٍ وَلَا إِهْدَارِهِ ، وَلَا إِنْفَاذِ حُكْمٍ مِنْ حَاكِمٍ ، وَمَا كَانَ هَكَذَا ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُشَرَّعَ مَعَ فَرْضِ اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ ، وَهُوَ الَّذِي انْبَنَتِ الشَّرِيعَةُ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْأُمُورَ الْخَارِقَةَ لَا تَطَّرِدُ أَنْ تَصِيرَ حُكْمًا يُبْنَى عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ ، وَإِذَا اخْتَصَّتْ لَمْ تَجْرِ مَعَ غَيْرِهِمْ ; فَلَا تَكُونُ قَوَاعِدُ الظَّوَاهِرِ شَامِلَةً لَهُمْ ، وَلَا أَيْضًا تَجْرِي فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْهُمْ ; إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُحْكَمَ بِمُقْتَضَى الْخَوَارِقِ عَلَى مَنْ لَيْسَ مَنْ أَهْلِهَا بِاتِّفَاقٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ ، أَعْنِي فِي نَصْبِ أَحْكَامِ الْعَامَّةِ ; إِذْ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَوِ السُّلْطَانِ أَنْ يَحْكُمَ لِلْوَلِيِّ بِمُقْتَضَى كَشْفِهِ ، أَوْ [ كَشْفِ ] السُّلْطَانِ نَفْسِهِ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ مُعَامَلَةٍ بِالْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ ، وَلَا أَيْضًا لِلْوَلِيَّيْنِ إِذَا تَرَافَقَا إِلَى الْحَاكِمِ فِي قَضِيَّةٍ . وَإِذَا فُرِضَ أَنَّهَا غَيْرُ شَامِلَةٍ لَهُمْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ الْبُرْهَانُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ عَامَّةٌ وَأَحْكَامُهَا عَامَّةٌ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، كَيْفَ وَهَمَ يَقُولُونَ : إِنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَعْصِي وَالْمَعَاصِي جَائِزَةٌ عَلَيْهِ ; فَلَا فِعْلَ يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ ظَاهِرَ الشَّرْعِ إِلَّا وَالسَّابِقُ إِلَى بَادِئِ الرَّأْيِ مِنْهُ أَنَّهُ عِصْيَانٌ ; فَلَا يَصِحُّ مَعَ هَذَا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ الْخَارِقَ الَّذِي لَا يَجْرِي عَلَى ظَاهِرِ الشَّرْعِ مَشْرُوعٌ ; لِتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالَاتِ . وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ . وَالرَّابِعُ : أَنَّ أَوْلَى الْخَلْقِ بِهَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ; إِلَّا مَا نَصَّتْ شَرِيعَتُهُ عَلَيْهِ مِمَّا خُصَّ بِهِ وَلَمْ يَعْدُ إِلَى غَيْرِهِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ ، فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَالَ لَهُ : " يُحِلُّ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مَا شَاءَ " ، وَمَنْ قَالَ : " إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ " . فَغَضِبَ وَقَالَ : " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي " . وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُسْتَشْفَى بِهِ وَبِدُعَائِهِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مَسَّ بَشَرَةَ أُنْثَى مِمَّنْ لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ ، وَكَانَتِ النِّسَاءُ يُبَايِعْنَهُ وَلَمْ تَمَسَّ يَدُهُ يَدَ أُنْثَى قَطُّ ، وَلَكِنْ كَانَ يَعْمَلُ فِي الْأُمُورِ عَلَى مُقْتَضَى الظَّوَاهِرِ وَإِنَّ كَانَ عَالِمًا بِهَا ، وَقَدْ مَرَّ مِنْ هَذَا أَشْيَاءُ ، وَهُوَ الَّذِي قَعَّدَ الْقَوَاعِدَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ وَلِيًّا مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ كَانَ حَقِيقًا بِذَلِكَ لَوْ نَزَلَ الْحُكْمُ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْوَلِيِّ وَأَصْحَابِ الْخَوَارِقِ ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، وَهُمُ الْأَوْلِيَاءُ حَقًّا ، وَالْفُضَلَاءُ صِدْقًا . وَفِي قِصَّةِ الرُّبَيْعِ بَيَانٌ لِهَذَا ; حَيْثُ قَالَ وَلَيُّهَا أَوْ مَنْ كَانَ : وَاللَّهِ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ . وَلَمْ يَكْتَفِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ، فَكَانَ يُرْجِئُ الْأَمْرَ حَتَّى يَبْرُزَ أَثَرُ الْقَسَمِ ، بَلْ أَلْجَأَ إِلَى الْقِصَاصِ الَّذِي فِيهِ أَشَدُّ مِحْنَةً حَتَّى عَفَا أَهْلُهُ ; فَحِينَئِذٍ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ، فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَسَمَ قَدْ أَبَرَّهُ اللَّهُ ، وَلَكِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَتَّى ظَهَرَ لَهُ كُرْسِيٌّ وَهُوَ الْعَفْوُ ، وَالْعَفْوُ مُنْتَهِضٌ فِي ظَوَاهِرِ الْحُكْمِ سَبَبًا لِإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ . وَالْخَامِسُ : أَنَّ الْخَوَارِقَ فِي الْغَالِبِ إِذَا جَرَتْ أَحْكَامُهَا مُعَارِضَةً لِلضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ ; فَلَا تَنْتَهِضُ أَنْ تَثْبُتَ وَلَوْ كَضَرَائِرِ الشِّعْرِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِعْمَالٌ لِمُخَالَفَةِ الْمَشْرُوعَاتِ ، وَنَقْضٌ لِمَصَالِحِهَا الْمَوْضُوعَاتِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَانَ عَالِمًا بِالْمُنَافِقِينَ وَأَعْيَانِهِمْ ، وَكَانَ يَعْلَمُ مِنْهُمْ فَسَادًا فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَلَكِنْ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ قَتْلِهِمْ لِمُعَارِضٍ هُوَ أَرْجَحُ فِي الِاعْتِبَارِ ; فَقَالَ : لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ، فَمِثْلُهُ يُلْغَى فِي جَرَيَانِ أَحْكَامِ الْخَوَارِقِ عَلَى أَصْحَابِهَا ; حَتَّى لَا يَعْتَقِدَ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ أَنَّ لِلصُّوفِيَّةِ شَرِيعَةً أُخْرَى ، وَلِهَذَا وَقَعَ إِنْكَارُ الْفُقَهَاءِ لِفِعْلِ أَبِي يَعْزَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ انْفِرَادِ أَصْحَابِ الْخَوَارِقِ بِأَحْكَامٍ خَارِجَةٍ عَنْ أَحْكَامِ الْعَادَاتِ الْجُمْهُورِيَّةِ قَوْلٌ يَقْدَحُ فِي الْقُلُوبِ أُمُورًا يُطْلَبُ بِالتَّحَرُّزِ مِنْهَا شَرْعًا ; فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَصُّوا بِزَائِدٍ عَلَى مَشْرُوعِ الْجُمْهُورِ ، وَلِذَلِكَ أَيْضًا اعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنَ الْغَالِينَ فِيهِمْ مَذْهَبَ الْإِبَاحَةِ ، وَعَضَّدُوا بِمَا سَمِعُوا مِنْهَا رَأْيَهُمْ ، وَهَذَا [ كُلُّهُ ] تَعْرِيضٌ لَهُمْ إِلَى سُوءِ الْمَقَالَةِ . وَحَاشَ لِلَّهِ أَنَّ يَكُونَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ إِلَّا بُرَآءَ مِنْ هَذِهِ الْخَوَارِقِ الْمُنْخَرِقَةِ ، غَيْرَ أَنَّ الْكَلَامَ جَرَى إِلَى الْخَوْضِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ; فَقَدْ عُلِمَ مِنْهُمُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى حُدُودِ الشَّرِيعَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَهُمُ الْقَائِمُونَ بِأَحْكَامِ السُّنَّةِ عَلَى مَا يَنْبَغِي ، الْمُحَافِظُونَ عَلَى اتِّبَاعِهَا ، لَكِنَّ انْحِرَافَ الْفَهْمِ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَفِيمَا قَبْلَهَا طَرَقَ فِي أَحْوَالِهِمْ مَا طَرَقَ ، وَلِأَجْلِهِ وَقَعَ الْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ ; حَتَّى يَتَقَرَّرَ بِحَوْلِ اللَّهِ مَا يُفْهَمُ بِهِ عَنْهُمْ مَقَاصِدُهُمْ ، وَمَا تُوزَنُ بِهِ أَحْوَالُهُمْ ، حَسْبَمَا تُعْطِيهِ حَقِيقَةُ طَرِيقَتِهِمُ الْمُثْلَى ، نَفَعَهُمُ اللَّهُ وَنَفَعَ بِهِمْ . ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى تَمَامِ الْمَسْأَلَةِ ; فَنَقُولُ : وَلَيْسَ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ وَلَا الْكَشْفُ الصَّحِيحُ بِالَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الْجَرَيَانِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَحْكَامِ الْعَادِيَّةِ ، وَالْقُدْوَةُ فِي ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي انْخِرَاقِ الْعَادَاتِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا فِي الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعْصُومًا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ الْمَائِدَةِ : 67 ] ، وَلَا غَايَةَ وَرَاءَ هَذَا ، ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ يَتَحَصَّنُ بِالدِّرْعِ وَالْمِغْفَرِ ، وَيَتَوَقَّى مَا الْعَادَةُ أَنْ يَتَوَقَّى ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نُزُولًا عَنْ رُتْبَتِهِ الْعُلْيَا إِلَى مَا دُونَهَا ، بَلْ هِيَ أَعْلَى . وَمَا ذُكِرَ مِنْ اسْتِوَاءِ الْعَوَائِدِ وَعَدَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ ; فَذَلِكَ أَيْضًا غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْعَوَائِدِ عَلَى مُقْتَضَاهَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ كَانُوا حَازُوا رُتْبَةَ التَّوَكُّلِ ، وَرُؤْيَةَ إِنْعَامِ الْمُنْعَمِ مِنَ الْمُنْعِمِ لَا مِنَ السَّبَبِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَتْرُكُوا الدُّخُولَ فِي الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ الَّتِي نُدِبُوا إِلَيْهَا ، وَلَمْ يَتْرُكْهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي تُسْقِطُ حُكْمَ الْأَسْبَابِ وَتَقْضِي بِانْخِرَامِ الْعَوَائِدِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا الْعَزَائِمُ الَّتِي جَاءَ الشَّرْعُ بِهَا ; لِأَنَّ حَالَ انْخِرَاقِ الْعَوَائِدِ لَيْسَ بِمَقَامٍ يُقَامُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا مَحَلُّهُ مَحَلُّ الرُّخْصَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : قَيِّدْهَا وَتَوَكَّلْ . وَقَدْ كَانَ الْمُكَمِّلُونَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ يَدْخُلُونَ فِي الْأَسْبَابِ تَأَدُّبًا بِآدَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَنَظَرًا إِلَى أَنَّ وَضْعَ اللَّهِ تَعَالَى أَحْوَالَ الْخَلْقِ عَلَى الْعَوَائِدِ الْجَارِيَةِ يُوَضِّحُ أَنَّ الْمَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ الدُّخُولُ تَحْتَ أَحْكَامِ الْعَوَائِدِ ، وَلَمْ يَكُونُوا لِيَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ إِلَى غَيْرِهِ ، وَأَمَّا قِصَّةٌ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَقَوْلُهُ : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [ الْكَهْفِ : 82 ] ، فَيُظْهِرُ بِهِ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ اسْتِدْلَالًا بِهَذَا الْقَوْلِ ، وَيَجُوزُ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِمُقْتَضَى الْوَحْيِ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ ، وَإِنْ سَلِمَ ; فَهِيَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ وَلِأَمْرٍ مَا ، وَلَيْسَتْ جَارِيَةً عَلَى شَرْعِنَا ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ لِوَلِيٍّ وَلَا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ أَنْ يَقْتُلَ صَبِيًّا لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ ، وَإِنَّ عَلِمَ أَنَّهُ طُبِعَ كَافِرًا ، وَأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَبَدًا ، وَأَنَّهُ إِنْ عَاشَ أَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ، وَإِنْ أُذِنَ لَهُ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ قَرَّرَتِ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ أَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى مُقْتَضَى شَرِيعَةٍ أُخْرَى ، وَعَلَى مُقْتَضَى عِتَابِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِعْلَامِهِ أَنَّ ثَمَّ عِلْمًا آخَرَ وَقَضَايَا أُخَرَ لَا يَعْلَمُهَا هُوَ . فَلَيْسَ كُلُّ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْوَلِيُّ مِنَ الْغُيُوبِ يُسَوِّغُ لَهُ شَرْعًا أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهِ ، بَلْ هُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا خَالَفَ الْعَمَلُ بِهِ ظَوَاهِرَ الشَّرِيعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِحَّ رَدُّهُ إِلَيْهَا ; فَهَذَا لَا يَصِحُّ الْعَمَلُ عَلَيْهِ الْبَتَّةَ . وَالثَّانِي : مَا لَمْ يُخَالِفْ [ الْعَمَلُ ] بِهِ شَيْئًا مِنَ الظَّوَاهِرِ ، أَوْ إِنْ ظَهَرَ مِنْهُ خِلَافٌ ; فَيَرْجِعُ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ إِلَيْهَا ; فَهَذَا يُسَوَّغُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا الطَّرِيقُ ; فَهُوَ الصَّوَابُ ، وَعَلَيْهِ يُرَبِّي الْمُرَبِّي ، وَبِهِ يُعَلَّقُ هِمَمُ السَّالِكِينَ تَأَسِّيًا بِسَيِّدِ الْمَتْبُوعِينَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْخُرُوجِ عَنْ مُقْتَضَى الْحُظُوظِ ، وَأَوْلَى بِرُسُوخِ الْقَدَمِ ، وَأَحْرَى بِأَنْ يُتَابَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَيُقْتَدَى بِهِ فِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية