الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ الْعَوَائِدُ الْمُسْتَمِرَّةُ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : الْعَوَائِدُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي أَقَرَّهَا الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ أَوْ نَفَاهَا ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ أَمَرَ بِهَا إِيجَابًا أَوْ نَدْبًا ، أَوْ نَهَى عَنْهَا كَرَاهَةً أَوْ تَحْرِيمًا ، أَوْ أَذِنَ فِيهَا فِعْلًا وَتَرْكًا . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : هِيَ الْعَوَائِدُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ الْخَلْقِ بِمَا لَيْسَ فِي نَفْيِهِ وَلَا إِثْبَاتِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ . فَأَمَّا الْأَوَّلُ ; فَثَابِتٌ أَبَدًا كَسَائِرِ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ ، كَمَا قَالُوا فِي سَلْبِ الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ ، وَفِي الْأَمْرِ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَاتِ ، وَطَهَارَةِ التَّأَهُّبِ لِلْمُنَاجَاةِ ، وَسَتْرِ الْعَوْرَاتِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ عَلَى الْعُرْيِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعَوَائِدِ الْجَارِيَةِ فِي النَّاسِ ، إِمَّا حَسَنَةً عِنْدَ الشَّارِعِ أَوْ قَبِيحَةً ; فَإِنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْأُمُورِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ ; فَلَا تَبْدِيلَ لَهَا وَإِنِ اخْتَلَفَ آرَاءُ الْمُكَلَّفِينَ فِيهَا ; فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْقَلِبَ الْحَسَنُ فِيهَا قَبِيحًا وَلَا الْقَبِيحُ حَسَنًا ، حَتَّى يُقَالَ مَثَلًا : إِنَّ قَبُولَ شَهَادَةِ الْعَبْدِ لَا تَأْبَاهُ مَحَاسِنُ الْعَادَاتِ الْآنَ فَلْنُجِزْهُ ، أَوْ إِنْ كَانَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ الْآنَ لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا قَبِيحٍ ; فَلْنُجِزْهُ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، إِذْ لَوْ صَحَّ مِثْلُ هَذَا لَكَانَ نَسْخًا لِلْأَحْكَامِ الْمُسْتَقِرَّةِ الْمُسْتَمِرَّةِ ، وَالنَّسْخُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاطِلٌ ، فَرَفْعُ الْعَوَائِدِ الشَّرْعِيَّةِ بَاطِلٌ . وَأَمَّا الثَّانِي ; فَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْعَوَائِدُ ثَابِتَةً ، وَقَدْ تَتَبَدَّلُ ، وَمَعَ ذَلِكَ ; فَهِيَ أَسْبَابٌ لِأَحْكَامٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا . فَالثَّابِتَةُ كَوُجُودِ شَهْوَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، وَالْوِقَاعِ وَالنَّظَرِ ، وَالْكَلَامِ وَالْبَطْشِ وَالْمَشْيِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، وَإِذَا كَانَتْ أَسْبَابًا لِمُسَبِّبَاتٍ حَكَمَ بِهَا الشَّارِعُ ، فَلَا إِشْكَالَ فِي اعْتِبَارِهَا وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا وَالْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهَا دَائِمًا . وَالْمُتَبَدِّلَةُ : مِنْهَا : مَا يَكُونُ مُتَبَدِّلًا فِي الْعَادَةِ مِنْ حُسْنٍ إِلَى قُبْحٍ ، وَبِالْعَكْسِ ، مِثْلَ كَشْفِ الرَّأْسِ ; فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْبِقَاعِ فِي الْوَاقِعِ ، فَهُوَ لَذَوِي الْمُرُوءَاتِ قَبِيحٌ فِي الْبِلَادِ الْمَشْرِقِيَّةِ ، وَغَيْرُ قَبِيحٍ فِي الْبِلَادِ الْمَغْرِبِيَّةِ ; فَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ ; فَيَكُونُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ قَادِحًا فِي الْعَدَالَةِ ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْمَغْرِبِ غَيْرَ قَادِحٍ . وَمِنْهَا : مَا يَخْتَلِفُ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْمَقَاصِدِ ; فَتَنْصَرِفُ الْعِبَارَةُ عَنْ مَعْنًى إِلَى عِبَارَةٍ أُخْرَى ، إِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اخْتِلَافِ الْأُمَمِ كَالْعَرَبِ مَعَ غَيْرِهِمْ ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمَّةِ الْوَاحِدَةِ كَاخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ بِحَسَبَ اصْطِلَاحِ أَرْبَابِ الصَّنَائِعِ فِي صَنَائِعِهِمْ مَعَ اصْطِلَاحِ الْجُمْهُورِ ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي ، حَتَّى صَارَ ذَلِكَ اللَّفْظُ إِنَّمَا يُسْبَقُ مِنْهُ إِلَى الْفَهْمِ مَعْنًى مَا ، وَقَدْ كَانَ يُفْهَمُ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ ، أَوْ كَانَ مُشْتَرِكًا فَاخْتَصَّ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، وَالْحُكْمُ أَيْضًا يَتَنَزَّلُ عَلَى مَا هُوَ مُعْتَادٌ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنِ اعْتَادَهُ دُونَ مَنْ لَمْ يَعْتَدْهُ ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَجْرِي كَثِيرًا فِي الْأَيْمَانِ وَالْعُقُودِ وَالطَّلَاقِ ، كِنَايَةً وَتَصْرِيحًا . وَمِنْهَا : مَا يَخْتَلِفُ فِي الْأَفْعَالِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَنَحْوِهَا ; كَمَا إِذَا كَانَتِ الْعَادَةُ فِي النِّكَاحِ قَبْضَ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، أَوْ فِي الْبَيْعِ الْفُلَانِيِّ أَنْ يَكُونَ بِالنَّقْدِ لَا بِالنَّسِيئَةِ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، أَوْ إِلَى أَجَلِ كَذَا دُونَ غَيْرِهِ ; فَالْحُكْمُ أَيْضًا جَارٍ عَلَى ذَلِكَ حَسْبَمَا هُوَ مَسْطُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ . وَمِنْهَا : مَا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ أُمُورٍ خَارِجَةٍ عَنِ الْمُكَلَّفِ ، كَالْبُلُوغِ ; فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ عَوَائِدُ النَّاسِ مِنَ الِاحْتِلَامِ أَوِ الْحَيْضِ ، أَوْ بُلُوغِ سِنِّ مَنْ يَحْتَلِمُ أَوْ مَنْ تَحِيضُ ، وَكَذَلِكَ الْحَيْضُ يُعْتَبَرُ فِيهِ إِمَّا عَوَائِدُ النَّاسِ بِإِطْلَاقٍ أَوْ عَوَائِدُ لِذَاتِ الْمَرْأَةِ أَوْ قَرَابَاتِهَا ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ; فَيُحْكَمُ لَهُمْ شَرْعًا بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ الِانْتِقَالِ . وَمِنْهَا : مَا يَكُونُ فِي أُمُورٍ خَارِقَةٍ لِلْعَادَةِ ; كَبَعْضِ النَّاسِ تَصِيرُ لَهُ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ عَادَةً ، فَإِنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ عَلَى مُقْتَضَى عَادَتِهِ الْجَارِيَةِ لَهُ الْمُطَّرِدَةِ الدَّائِمَةِ ، بِشَرْطِ أَنْ تَصِيرَ الْعَادَةُ الْأَوْلَى الزَّائِلَةُ لَا تَرْجِعُ إِلَّا بِخَارِقَةٍ أُخْرَى ; كَالْبَائِلِ أَوِ الْمُتَغَوِّطِ مِنْ جُرْحٍ حَدَثَ لَهُ حَتَّى صَارَ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ فِي النَّاسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ ; فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَصِرْ كَذَلِكَ ; فَالْحُكْمُ لِلْعَادَةِ الْعَامَّةِ ، وَقَدْ يَكُونُ الِاخْتِلَافُ مِنْ أَوْجُهٍ غَيْرِ هَذِهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ ; فَالْمُعْتَبِرُ فِيهَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ أَنْفُسُ تِلْكَ الْعَادَاتِ ، وَعَلَيْهَا تَتَنَزَّلُ أَحْكَامُهُ لِأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا جَاءَ بِأُمُورٍ مُعْتَادَةٍ ، جَارِيَةٍ عَلَى أُمُورٍ مُعْتَادَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية