الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مَا فِيهِ حَظُّ الْعَبْدِ مَحْضًا - مِنَ الْمَأْذُونِ فِيهِ - يَتَأَتَّى تَخْلِيصُهُ مِنَ الْحَظِّ ; فَيَكُونُ الْعَمَلُ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا ; فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا أُذِنَ فِيهِ أَوْ أُمِرَ بِهِ ، فَإِذَا تَلَقَّى الْإِذْنَ بِالْقَبُولِ مِنْ حَيْثُ كَانَ الْمَأْذُونُ فِيهِ هَدِيَّةً مِنَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ ; صَارَ مُجَرَّدًا مِنَ الْحَظِّ ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا لَبَّى الطَّلَبَ بِالِامْتِثَالِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ لِمَا سِوَاهُ تَجَرَّدَ عَنِ الْحَظِّ ، وَإِذَا تَجَرَّدَ مِنَ الْحَظِّ سَاوَى مَا لَا عِوَضَ عَلَيْهِ شَرْعًا مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي لَا حَظَّ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ; فَهَلْ يَلْحَقُ بِهِ فِي الْحُكْمِ لَمَّا صَارَ مُلْحَقًا بِهِ فِي الْقَصْدِ ؟ هَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ مِنَ النَّظَرِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْحُكْمِ إِلَى مَا سَاوَاهُ فِي الْقَصْدِ ; لِأَنَّ قِسْمَ الْحَظِّ هُنَا قَدْ صَارَ عَيْنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بِالْقَصْدِ ، وَهُوَ الْقِيَامُ بِعِبَادَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ مُخْتَصَّةٍ بِالْخَلْقِ فِي إِصْلَاحِ أَقْوَاتِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ ، أَوْ صَارَ صَاحِبُهُ عَلَى حَظٍّ مِنْ مَنَافِعِ الْخَلْقِ يُشْبِهُ الْخُزَّانَ عَلَى أَمْوَالِ بُيُوتِ الْأَمْوَالِ وَالْعُمَّالِ فِي أَمْوَالِ الْخَلْقِ ، فَكَمَا لَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ هَدِيَّةً وَلَا عِوَضًا عَلَى مَا وَلِيَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَا تَعَبَّدَ بِهِ ; كَذَلِكَ هَاهُنَا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى مِقْدَارِ حَاجَتِهِ يَقْتَطِعُهُ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ ; كَمَا يَقْتَطِعُ الْوَالِي مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَبْذُلُهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ; إِمَّا بِهَدِيَّةٍ ، أَوْ صَدَقَةٍ ، أَوْ إِرْفَاقٍ ، أَوْ إِعْرَاءٍ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، أَوْ يُعِدُّ نَفْسَهُ فِي الْأَخْذِ كَالْغَيْرِ يَأْخُذُ الْغَيْرَ ; لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ كَالْوَكِيلِ عَلَى غَيْرِهِ وَالْقَيِّمِ بِمَصَالِحِهِ عَدَّ نَفْسَهُ مِثْلَ ذَلِكَ الْغَيْرِ ; لِأَنَّهَا نَفْسٌ مَطْلُوبٌ إِحْيَاؤُهَا عَلَى الْجُمْلَةِ . وَمِثْلُ هَذَا مَحْكِيٌّ الْتِزَامُهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْفُضَلَاءِ ، بَلْ هُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي الِاكْتِسَابِ مَاهِرِينَ وَدَائِبِينَ وَمُتَابِعِينَ لِأَنْوَاعِ الِاكْتِسَابَاتِ ، لَكِنْ لَا لِيَدَّخِرُوا لِأَنْفُسِهِمْ ، وَلَا لِيَحْتَجِنُوا أَمْوَالَهُمْ ، بَلْ لِيُنْفِقُوهَا فِي سَبِيلِ الْخَيْرَاتِ ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَمَا نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَيْهِ ، وَمَا حَسَّنَتْهُ الْعَوَائِدُ الشَّرْعِيَّةُ ; فَكَانُوا فِي أَمْوَالِهِمْ كَالْوُلَاةِ عَلَى بُيُوتِ الْأَمْوَالِ ، وَهُمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى دَرَجَاتٍ حَسْبَمَا تَنُصُّهُ أَخْبَارُهُمْ ; فَهَذَا وَجْهٌ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَمَّا صَارُوا عَامِلِينَ لِغَيْرِ حَظٍّ ، عَامَلُوا هَذِهِ الْأَعْمَالَ مُعَامَلَةَ مَا لَا حَظَّ فِيهِ الْبَتَّةَ . وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مُرَاعًى عَلَى الْجُمْلَةِ وَإِنْ قُلْنَا بِثُبُوتِ الْحَظِّ ; أَنَّ طَلَبَ الْإِنْسَانِ لِحَظِّهِ حَيْثُ أُذِنَ لَهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُرَاعَاةِ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْمَخْلُوقِينَ ، فَإِنَّ طَلَبَ الْحَاجَةِ إِذَا كَانَ مُقَيَّدًا بِوُجُودِ الشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ وَوُجُودِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا حَظَّ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَطْلُوبٌ بِهِ ; فَقَدْ خَرَجَ فِي نَفْسِهِ عَنْ مُقْتَضَى حَظِّهِ ، ثُمَّ إِنَّ مُعَامَلَةَ الْغَيْرِ فِي طَرِيقِ حَظِّ النَّفْسِ تَقْتَضِي مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فِي الْمُعَامَلَةِ ، وَالْمُسَامَحَةِ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ ، وَالنَّصِيحَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَتَرْكِ الْغِشِّ كُلِّهِ ، وَتَرْكِ الْمُغَابَنَةِ غَبْنًا يَتَجَاوَزُ الْحَدَّ الْمَشْرُوعَ ، وَأَنْ لَا تَكُونَ الْمُعَامَلَةُ عَوْنًا لَهُ عَلَى مَا يُكْرَهُ شَرْعًا فَيَكُونُ طَرِيقًا إِلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَعُودُ عَلَى طَالِبِ حَظِّهِ بِحَظٍّ أَصْلًا ; فَقَدْ آلَ الْأَمْرُ فِي طَلَبِ الْحَظِّ إِلَى عَدَمِ الْحَظِّ . هَذَا وَالْإِنْسَانُ بَعُدَ فِي طَلَبِ حَظِّهِ قَصْدًا ; فَكَيْفَ إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ حَظِّهِ فِي أَعْمَالِهِ ؟ فَكَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ عِوَضٍ عَلَى تَحَرِّي الْمَشْرُوعِ فِي الْأَعْمَالِ ، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعِبَادَاتِ وَلَا إِلَى الْعَادَاتِ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ; فَكَذَلِكَ فِيمَا صَارَ بِالْقَصْدِ كَذَلِكَ . وَأَيْضًا ; فَإِنَّ فَرْضَ هَذَا الْقَصْدِ لَا يُتَصَوَّرُ مَعَ فَرْضِ طَلَبِ الْحَظِّ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ; فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي حُكْمِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِمَا يَقْتَضِي سَلْبَ الْحَظِّ ، فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِمَا لَا يَتِمُّ ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ إِلَّا بِهِ ، سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَقُلْنَا : إِنَّهُ مَطْلُوبٌ بِهِ طَلَبًا شَرْعِيًّا ، أَمْ لَا ، فَحُكْمُهُ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ حُكْمُ مَا لَيْسَ فِيهِ حَظٌّ الْبَتَّةَ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ ; فَالشَّارِعُ قَدْ طَلَبَ النَّصِيحَةَ مَثَلًا طَلَبًا جَازِمًا ، بِحَيْثُ جَعَلَهُ الشَّارِعُ عُمْدَةَ الدِّينِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الدِّينُ النَّصِيحَةُ ، وَتَوَعَّدَ عَلَى تَرْكِهِ فِي مَوَاضِعَ ، فَلَوْ فَرَضْنَا تَوَقُّفَهَا عَلَى الْعِوَضِ أَوْ حَظٍّ عَاجِلٍ ; لَكَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى اخْتِيَارِ النَّاصِحِ وَالْمَنْصُوحِ ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لَا يَكُونَ طَلَبُهَا جَازِمًا . وَأَيْضًا الْإِيثَارُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ مَمْدُوحٌ فَاعِلُهُ ; فَكَوْنُهُ مَعْمُولًا بِهِ عَلَى عِوَضٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ إِيثَارًا ; لِأَنَّ مَعْنَى الْإِيثَارِ تَقْدِيمُ حَظِّ الْغَيْرِ عَلَى حَظِّ النَّفْسِ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مَعَ طَلَبِ الْعِوَضِ الْعَاجِلِ ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْمَطْلُوبَاتِ الْعَادِيَّةِ وَالْعِبَادِيَّةِ ، فَهَذَا وَجْهٌ نَظَرِيٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ ، يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِمُقْتَضَاهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُ يُرْجَعُ فِي الْحُكْمِ إِلَى أَصْلِهِ مِنَ الْحَظِّ ، لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ أَثْبَتَ لِهَذَا الْعَامِلِ حَظَّهُ فِي عَمَلِهِ ، وَجَعَلَهُ الْمُقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ ، حَتَّى إِنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِجَمِيعِهِ كَانَ سَائِغًا ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَدَّخِرَهُ لِنَفْسِهِ ، أَوْ يَبْذُلَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ ; فَهِيَ هَدِيَّةُ اللَّهِ إِلَيْهِ ، فَكَيْفَ لَا يَقْبَلُهَا ؟ وَهُوَ وَإِنْ أَخَذَهَا بِالْإِذْنِ وَعَلَى مُقْتَضَى حُدُودِ الشَّرْعِ ، فَإِنَّمَا أَخَذَ مَا جُعِلَ لَهُ فِيهِ حَظٌّ ، وَمِنْ حَيْثُ جُعِلَ لَهُ ، وَبِالْقَصْدِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ الْقَصْدُ إِلَيْهِ . وَأَيْضًا ; فَالْحُدُودُ الشَّرْعِيَّةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا حَظٌّ ; فَهِيَ وَسِيلَةٌ وَطَرِيقٌ إِلَى حَظِّهِ ، فَكَمَا لَمْ يَحْكُمْ لِلْمَقْصِدِ بِحُكْمِ الْوَسِيلَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَخْذِ الْإِنْسَانِ مَا لَيْسَ لَهُ فِي الْعَمَلِ بِهِ حَظٌّ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى حَظِّهِ كَالْمُعَاوَضَاتِ ; فَكَذَلِكَ لَا يُحْكَمُ هُنَا لِلْمَأْذُونِ فِيهِ مِنَ الْحَظِّ بِحُكْمِ مَا تَوَسَّلَ بِهِ إِلَيْهِ . وَقَدْ وَجَدْنَا مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ كَثِيرًا يَدَّخِرُونَ الْأَمْوَالَ لِمَصَالِحِ أَنْفُسِهِمْ ، وَيَأْخُذُونَ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا بِمِقْدَارِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي أَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّهِمْ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا اكْتَسَبُوهُ عَادُوا إِلَى الِاكْتِسَابِ ، وَلَمْ يَكُونُوا يَتَّخِذُونَ التِّجَارَةَ أَوِ الصِّنَاعَةَ عِبَادَةً لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ ، بَلْ كَانُوا يَقْتَصِرُونَ عَلَى حُظُوظِ أَنْفُسِهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا إِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّعَفُّفِ وَالْقِيَامِ بِالْعِبَادَةِ ، فَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ زُمْرَةِ الطَّالِبِينَ لِحُظُوظِهِمْ . وَمَا ذُكِرَ أَوَّلًا عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ فِيمَا تَقَدَّمَ ; لِصِحَّةِ حَمْلِهِ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ التَّصَرُّفِ حُظُوظُ أَنْفُسِهِمْ مِنْ حَيْثُ أَثْبَتَهَا الشَّارِعُ لَهُمْ فَيَعْمَلُونَ فِي دُنْيَاهُمْ عَلَى حَسَبِ مَا يَسَعُهُمْ مِنَ الْحُظُوظِ ، وَيَعْمَلُونَ فِي أُخْرَاهُمْ كَذَلِكَ ، فَالْجَمِيعُ مَبْنِيٌّ عَلَى إِثْبَاتِ الْحُظُوظِ ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ أَنْ تَكُونَ الْحُظُوظُ مَأْخُوذَةً مِنْ جِهَةٍ مِمَّا حَدَّ الشَّارِعُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ يَقَعُ فِي طَرِيقِهَا . وَأَيْضًا ; فَإِنَّمَا حُدَّتُ الْحُدُودُ فِي طَرِيقِ الْحَظِّ أَنْ لَا يُخِلُّ الْإِنْسَانُ بِمَصْلَحَةِ غَيْرِهِ فَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ ، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَضَعْ تِلْكَ الْحُدُودَ إِلَّا لِتَجْرِيَ الْمَصَالِحُ عَلَى أَقْوَمِ سَبِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي نَفْسِهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [ فُصِّلَتْ : 46 ] ، وَذَلِكَ عَامٌّ فِي أَعْمَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . وَقَالَ : فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ [ الْفَتْحِ : 10 ] . وَفِي أَخْبَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذِكْرِ الظُّلْمِ وَتَحْرِيمِهِ : يَا عِبَادِيَ ! إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا . وَلَا يَخْتَصُّ مِثْلُ هَذَ بِالْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْمَصَائِبُ النَّازِلَةُ بِالْإِنْسَانِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ ، لِقَوْلِهِ : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشُّورَى : 30 ] . وَقَالَ : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [ الْبَقَرَةِ : 194 ] . وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا تَفُوتُ الْحَصْرَ ; فَالْإِنْسَانُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ طَلَبِهِ حَظَّهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ طَرِيقٌ إِلَى نِيلِ حَظِّهِ ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ لَا يُسَاوِي الْأَوَّلَ فِي امْتِنَاعِ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ جُمْلَةً . وَقَدْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ فِي أَخْذِ حُظُوظِهِمْ عَلَى مَرَاتِبَ : مِنْهُمْ مَنْ لَا يَأْخُذُهَا إِلَّا بِغَيْرِ تَسَبُّبِهِ ; فَيَعْمَلُ الْعَمَلَ أَوْ يَكْتَسِبُ الشَّيْءَ فَيَكُونُ فِيهِ وَكِيلًا عَلَى التَّفْرِقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ بِحَسَبِ مَا قُدِّرَ ، وَلَا يَدَّخِرُ لِنَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ; بَلْ لَا يَجْعَلُ مِنْ ذَلِكَ حَظًّا لِنَفْسِهِ مِنَ الْحُظُوظِ ; إِمَّا لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِ لِنَفْسِهِ لِاطِّرَاحِ حَظِّهَا حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ مِنْ قَبِيلِ مَا يُنْسَى ، وَإِمَّا قُوَّةُ يَقِينٍ بِاللَّهِ ; لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِهِ وَبِيَدِهِ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ حَسْبُهُ فَلَا يُخَيِّبُهُ ، أَوْ عَدَمُ الْتِفَاتٍ إِلَى حَظِّهِ يَقِينًا بِأَنَّ رِزْقَهُ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ النَّاظِرُ لَهُ بِأَحْسَنِ مِمَّا يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ ، أَوْ أَنَفَةً مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى حَظِّهِ مَعَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْوَارِدَةِ عَلَى أَصْحَابِ الْأَحْوَالِ ، وَفِي مِثْلِ هَؤُلَاءِ جَاءَ : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [ الْحَشْرِ : 9 ] . وَقَدْ نُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ رِضَيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَعَثَ لَهَا بِمَالٍ فِي غِرَارَتَيْنِ - قَالَ الرَّاوِي : أَرَاهُ ثَمَانِينَ وَمِائَةَ أَلْفٍ ، فَدَعَتْ بِطَبَقٍ وَهَى يَوْمَئِذٍ صَائِمَةٌ ، فَجَعَلَتْ تُقَسِّمُهُ بَيْنَ النَّاسِ ، فَأَمْسَتْ وَمَا عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ دِرْهَمٌ ، فَلَمَّا أَمْسَتْ قَالَتْ : " يَا جَارِيَةُ هَلُمِّي أَفْطِرِي " ، فَجَاءَتْهَا بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ . فَقِيلَ لَهَا أَمَا اسْتَطَعْتِ فِيمَا قَسَمْتِ أَنْ تَشْتَرِي بِدِرْهَمٍ لَحْمًا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَتْ : لَا تُعَنِّينِي ، لَوْ كُنْتِ ذَكَّرْتِنِي لَفَعَلْتُ . وَخَرَّجَ مَالِكٌ أَنْ مِسْكِينًا سَأَلَ عَائِشَةَ وَهَى صَائِمَةٌ وَلَيْسَ فِي بَيْتِهَا إِلَّا رَغِيفٌ ; فَقَالَتْ لِمَوْلَاةٍ لَهَا : اعْطِيهِ إِيَّاهُ . فَقَالَتْ : لَيْسَ لَكِ مَا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ . فَقَالَتْ : اعْطِيهِ إِيَّاهُ . قَالَتْ : فَفَعَلْتُ . [ قَالَتْ ] : فَمَا أَمْسَيْنَا أَهْدَى لَنَا أَهْلُ بَيْتٍ أَوْ إِنْسَانٍ - مَا [ كَانَ ] يُهْدِي لَنَا شَاةً - وَكَفَنَهَا ; فَدَعَتْنِي عَائِشَةُ ، فَقَالَتْ : كُلِي مِنْ هَذَا . هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِكِ . وَرَوَى عَنْهَا أَنَّهَا قَسَّمَتْ سَبْعِينَ أَلْفًا وَهِيَ تَرْقَعُ ثَوْبَهَا ، وَبَاعَتْ مَا لَهَا بِمِائَةِ أَلْفِ وَقَسَّمَتْهُ ، ثُمَّ أَفْطَرَتْ عَلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ ، وَهَذَا يُشْبِهُ الْوَالِي عَلَى بَعْضِ الْمَمْلَكَةِ ، فَلَا يَأْخُذُ إِلَّا مِنَ الْمَلِكِ ، لِأَنَّهُ قَامَ لَهُ الْيَقِينُ بِقَسْمِ اللَّهِ وَتَدْبِيرِهِ مَقَامَ تَدْبِيرِهِ لِنَفْسِهِ ، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ بِمَا تَقَدَّمَ ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَرَى تَدْبِيرَ اللَّهِ لَهُ خَيْرًا مِنْ تَدْبِيرِهِ لِنَفْسِهِ ، فَإِذَا دَبَّرَ لِنَفْسِهِ انْحَطَّ عَنْ رُتْبَتِهِ إِلَى مَا هُوَ دُونَهَا ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَرْبَابُ الْأَحْوَالِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يُعِدُّ نَفْسَهُ كَالْوَكِيلِ عَلَى مَالِ الْيَتِيمِ ; إِنِ اسْتَغْنَى اسْتَعَفَّ ، وَإِنِ احْتَاجَ أَكَلَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ صَرَفَهُ كَمَا يَصْرِفُ مَالَ الْيَتِيمِ فِي مَنَافِعِهِ ; فَقَدْ يَكُونُ فِي الْحَالِ غَنِيًّا عَنْهُ ; فَيُنْفِقُهُ حَيْثُ يَجِبُ الْإِنْفَاقُ ، وَيُمْسِكُهُ حَيْثُ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ ، وَإِنِ احْتَاجَ أَخَذَ مِنْهُ مِقْدَارَ كِفَايَتِهِ بِحَسَبِ مَا أُذِنَ لَهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا إِقْتَارٍ ، وَهَذَا أَيْضًا بَرَاءَةٌ مِنَ الْحُظُوظِ فِي ذَلِكَ الِاكْتِسَابِ ; فَإِنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِحَظِّهِ لَحَابَى نَفْسَهُ دُونَ غَيْرِهِ ، وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْ ، بَلْ جَعَلَ نَفْسَهُ كَآحَادِ الْخَلْقِ ، فَكَأَنَّهُ قَسَّامٌ فِي الْخَلْقِ يُعِدُّ نَفْسَهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى ; قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ ; فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ . وَفِي حَدِيثِ الْمُؤَاخَاةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ هَذَا ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَفْعَلُ فِي مَغَازِيهِ مِنْ هَذَا مَا هُوَ مَشْهُورٌ ، فَالْإِيثَارُ بِالْحُظُوظِ مَحْمُودٌ غَيْرُ مُضَادٍّ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فِي حَالَتَيْنِ . فَهَؤُلَاءِ وَالَّذِينَ قَبْلَهُمْ لَمْ يُقَيِّدُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ ، وَمَا أَخَذُوا لِأَنْفُسِهِمْ لَا يُعَدُّ سَعْيًا فِي حَظٍّ ; إِذْ لِلْقَصْدِ إِلَيْهِ أَثَرٌ ظَاهِرٌ ، وَهُوَ أَنْ يُؤْثِرَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَمْ يَفْعَلْ هُنَا ذَلِكَ ، بَلْ آثَرَ غَيْرَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، أَوْ سِوَى نَفْسِهِ مَعَ غَيْرِهِ ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَ هَؤُلَاءِ بُرَءَاءَ مِنَ الْحُظُوظِ ، كَأَنَّهُمْ عَدُّوا أَنْفُسَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ حَظٌّ ، وَتَجِدُهُمْ فِي الْإِجَارَاتِ وَالتِّجَارَاتِ لَا يَأْخُذُونَ إِلَّا بِأَقَلِّ مَا يَكُونُ مِنَ الرِّبْحِ أَوِ الْأُجْرَةِ ، حَتَّى يَكُونَ مَا حَاوَلَ أَحَدُهُمْ مِنْ ذَلِكَ كَسْبًا لِغَيْرِهِ لَا لَهُ ، وَلِذَلِكَ بَالَغُوا فِي النَّصِيحَةِ فَوْقَ مَا يَلْزَمُهُمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا وُكَلَاءُ لِلنَّاسِ لَا لِأَنْفُسِهِمْ ; فَأَيْنَ الْحَظُّ هُنَا ؟ بَلْ كَانُوا يَرَوْنَ الْمُحَابَاةَ لِأَنْفُسِهِمْ وَإِنْ جَازَتْ كَالْغِشِّ لِغَيْرِهِمْ ; فَلَا شَكَّ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَاحِقُونَ حُكْمًا بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ ، بِإِلْزَامِهِمْ أَنْفُسِهِمْ لَا بِاللُّزُومِ الشَّرْعِيِّ الْوَاجِبِ ابْتِدَاءً . وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ هَؤُلَاءِ ، بَلْ أَخَذُوا مَا أُذِنَ لَهُمْ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْإِذْنِ ، وَامْتَنَعُوا مِمَّا مُنِعُوا مِنْهُ ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي كُلِّ مَا لَهُمْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ ; فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ بِالِاعْتِبَارِ الْمُتَقَدِّمِ أَهْلُ حُظُوظٍ ، لَكِنْ مَأْخُوذَةٌ مِنْ حَيْثُ يَصِحُّ أَخْذُهَا ، فَإِنْ قِيلَ فِي مِثْلِ هَذَا : إِنَّهُ تَجَرُّدٌ عَنِ الْحَظِّ ، فَإِنَّمَا يُقَالُ مِنْ جِهَةٍ أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهَا بِمُجَرَّدِ أَهْوَائِهِمْ تَحَرٌّزًا مِمَّنْ يَأْخُذُهَا غَيْرَ مُلَاحِظٍ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَهَذَا هُوَ الْحَظُّ الْمَذْمُومُ ، إِذْ لَمْ يَقِفُ دُونَ مَا حُدَّ لَهُ ، بَلْ تَجَرَّأَ كَالْبَهِيمَةِ لَا تَعْرِفُ غَيْرَ الْمَشْيِ فِي شَهَوَاتِهَا ، وَلَا كَلَامَ فِي هَذَا ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَوَّلِ ، وَهُوَ لَمْ يَتَصَرَّفْ إِلَّا لِنَفْسِهِ ، فَلَا يُجْعَلُ فِي حُكْمِ الْوَالِي عَلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، بَلْ هُوَ وَالٍ عَلَى مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ ، وَهُوَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَ بِوَالٍ عَامٍّ ، وَالْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ هِيَ الْمُبَرَّأَةُ مِنَ الْحُظُوظِ ، فَالصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ هَذَا الْقِسْمِ مُعَامَلُونَ حُكْمًا بِمَا قَصَدُوا مِنِ اسْتِيفَاءِ الْحُظُوظِ ; فَيَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ، وَهُمَا مَنْ لَا يَأْخُذُ بِتَسَبُّبٍ أَوْ يَأْخُذُ بِهِ ، لَكِنْ عَلَى نِسْبَةِ الْقِسْمَةِ وَنَحْوِهَا .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية