الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              فَصْلٌ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا انْبَنَى عَلَيْهِ قَوَاعِدُ : مِنْهَا : أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ كَانَ الْمُتَّبَعُ فِيهِ الْهَوَى بِإِطْلَاقٍ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ أَوِ التَّخْيِيرِ ; فَهُوَ بَاطِلٌ بِإِطْلَاقٍ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعَمَلِ مِنْ حَامِلٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ ، وَدَاعٍ يَدْعُو إِلَيْهِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِتَلْبِيَةِ الشَّارِعِ فِي ذَلِكَ مَدْخَلٌ ، فَلَيْسَ إِلَّا مُقْتَضَى الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ بِإِطْلَاقٍ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الْحَقِّ بِإِطْلَاقٍ ، فَهَذَا الْعَمَلُ بَاطِلٌ بِإِطْلَاقٍ بِمُقْتَضَى الدَّلَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَتَأَمَّلْ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ رِضَيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْمُوَطَّأِ : إِنَّكَ فِي زَمَانٍ كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ ، قَلِيلٌ قُرَّاؤُهُ ، تُحْفَظُ فِيهِ حُدُودُ الْقُرْآنِ ، وَتَضِيعُ حُرُوفُهُ ، قَلِيلٌ مَنْ يَسْأَلُ ، كَثِيرٌ مَنْ يُعْطِي ، يُطِيلُونَ فِي الصَّلَاةِ ، وَيَقْصُرُونَ فِي الْخُطْبَةِ ، يَبْدَءُونَ أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ أَهْوَائِهِمْ ، وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ ، كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ ، تُحْفَظُ فِيهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ ، وَتَضِيعُ حُدُودُهُ ، كَثِيرٌ مَنْ يَسْأَلُ ، قَلِيلٌ مَنْ يُعْطِي ، يُطِيلُونَ فِيهِ الْخُطْبَةَ ، وَيُقْصِرُونَ الصَّلَاةَ ، يُبَدُّونَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ . فَأَمَّا الْعِبَادَاتُ ; فَكَوْنُهَا بَاطِلَةً ظَاهِرٌ ، وَأَمَّا الْعَادَاتُ ; فَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ عَدَمِ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، فَوُجُودُهَا فِي ذَلِكَ وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ ، وَكَذَلِكَ الْإِذْنُ فِي عَدَمِ أَخْذِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمُنْعِمِ بِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَفِي هَذَا الْكِتَابِ . وَكُلُّ فِعْلٍ كَانَ الْمُتَّبَعُ فِيهِ بِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ أَوِ التَّخْيِيرِ ; فَهُوَ صَحِيحٌ وَحَقٌّ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهِ مِنْ طَرِيقِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ ، وَوَافَقَ فِيهِ صَاحِبُهُ قَصْدَ الشَّارِعِ ; فَكَانَ كُلُّهُ صَوَابًا ، وَهُوَ ظَاهِرٌ . وَأَمَّا إِنِ امْتَزَجَ فِيهِ الْأَمْرَانِ ; فَكَانَ مَعْمُولًا بِهِمَا ; فَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ وَالسَّابِقِ ، فَإِنْ كَانَ السَّابِقُ أَمْرَ الشَّارِعِ بِحَيْثُ قَصَدَ الْعَامِلُ نَيْلَ غَرَضِهِ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ ; فَلَا إِشْكَالَ فِي إِلْحَاقِهِ بِالْقِسْمِ الثَّانِي ، وَهُوَ مَا كَانَ الْمُتَّبَعُ فِيهِ مُقْتَضَى الشَّرْعِ خَاصَّةً لِأَنَّ طَلَبِ الْحُظُوظِ وَالْأَغْرَاضِ لَا يُنَافِي وَضْعَ الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ; لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ مَوْضُوعَةٌ أَيْضًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ ، فَإِذَا جُعِلَ الْحَظُّ تَابِعًا ; فَلَا ضَرَرَ عَلَى الْعَامِلِ . إِلَّا أَنَّ هُنَا شَرْطًا مُعْتَبَرًا ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَجْهُ الَّذِي حَصَلَ أَوْ يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُهُ مِمَّا تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّارِعَ شَرَعَهُ لِتَحْصِيلِ مِثْلِ ذَلِكَ الْغَرَضِ ، وَإِلَّا ; فَلَيْسَ السَّابِقُ فِيهِ أَمْرَ الشَّارِعِ ، وَبَيَانُ هَذَا الشَّرْطِ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ . وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ وَالسَّابِقُ هُوَ الْهَوَى وَصَارَ أَمْرُ الشَّارِعِ كَالتَّبَعِ ; فَهُوَ لَاحِقٌ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ . وَعَلَامَةُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ تَحَرِّي قَصْدِ الشَّارِعِ وَعَدَمُ ذَلِكَ ; فَكُلُّ عَمَلٍ شَارَكَ الْعَامِلُ فِيهِ هَوَاهُ فَانْظُرْ فَإِنْ كَفَّ هَوَاهُ وَمُقْتَضَى شَهْوَتِهِ عِنْدَ نَهْيِ الشَّارِعِ ; فَالْغَالِبُ وَالسَّابِقُ لِمِثْلِ هَذَا أَمْرُ الشَّارِعِ ، وَهَوَاهُ تَبَعٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُفَّ عِنْدَ وُرُودِ النَّهْيِ عَلَيْهِ ; فَالْغَالِبُ وَالسَّابِقُ لَهُ الْهَوَى وَالشَّهْوَةُ ، وَإِذْنُ الشَّارِعِ تَبَعٌ لَا حُكْمَ لَهُ عِنْدَهُ ; فَوَاطِئُ زَوْجَتِهِ وَهَيَ طَاهِرٌ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَابِعًا لِهَوَاهُ ، أَوْ لِإِذْنِ الشَّارِعِ ، فَإِنْ حَاضَتْ فَانْكَفَّ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ هَوَاهُ تَبَعٌ ، وَإِلَّا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ السَّابِقُ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية