الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              فَصْلٌ وَمِنْهَا : أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ مِنِ اتِّبَاعِ مَعْهُودِ الْأُمِّيِّينَ ، وَهُمُ الْعَرَبُ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِمْ ، فَإِنْ كَانَ لِلْعَرَبِ فِي لِسَانِهِمْ عُرْفٌ مُسْتَمِرٌّ; فَلَا يَصِحُّ الْعُدُولُ عَنْهُ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عُرْفٌ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُجْرَى فِي فَهْمِهَا عَلَى مَا لَا تَعْرِفُهُ . وَهَذَا جَارٍ فِي الْمَعَانِي وَالْأَلْفَاظِ وَالْأَسَالِيبِ ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ مَعْهُودَ الْعَرَبِ أَنْ لَا تَرَى الْأَلْفَاظَ تَعَبُّدًا عِنْدَ مُحَافَظَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي ، وَإِنْ كَانَتْ تُرَاعِيهَا أَيْضًا; فَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ عِنْدَهَا بِمُلْتَزَمٍ ، بَلْ قَدْ تَبْنِي عَلَى أَحَدِهِمَا مَرَّةً ، وَعَلَى الْآخَرِ أُخْرَى ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي صِحَّةِ كَلَامِهَا وَاسْتِقَامَتِهِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءُ : أَحَدُهَا : خُرُوجُهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهَا عَنْ أَحْكَامِ الْقَوَانِينِ الْمُطَّرِدَةِ وَالضَّوَابِطِ الْمُسْتَمِرَّةِ ، وَجَرَيَانُهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ مَنْثُورِهَا عَلَى طَرِيقِ مَنْظُومِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا حَاجَةٌ ، وَتَرْكُهَا لِمَا هُوَ أَوْلَى فِي مَرَامِيهَا ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ قَلِيلًا فِي كَلَامِهَا وَلَا ضَعِيفًا ، بَلْ هُوَ كَثِيرٌ قَوِيٌّ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ . وَالثَّانِي : أَنَّ مِنْ شَأْنِهَا الِاسْتِغْنَاءَ بِبَعْضِ الْأَلْفَاظِ عَمَّا يُرَادُ فِيهَا أَوْ يُقَارِبُهَا ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ اخْتِلَافًا وَلَا اضْطِرَابًا إِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ عَلَى اسْتِقَامَةٍ ، وَالْكَافِي مِنْ ذَلِكَ نُزُولُ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْأَحَادِيثِ وَكَلَامِ السَّلَفِ الْعَارِفِينَ بِالْقُرْآنِ كَثِيرٌ ، وَقَدِ اسْتَمَرَّ أَهْلُ الْقِرَاءَاتِ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا بِالرِّوَايَاتِ الَّتِي صَحَّتْ عِنْدَهُمْ مِمَّا وَافَقَ الْمُصْحَفَ ، وَأَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ قَارِئُونَ لِلْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا إِشْكَالٍ ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ مَا يَعُدُّهُ النَّاظِرُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ اخْتِلَافًا فِي الْمَعْنَى; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ بِحَسَبِ مَقْصُودِ الْخِطَابِ ، كَـ مَالِكِ [ الْفَاتِحَةِ : 4 ] . وَ " مَلِكِ " [ الْفَاتِحَةِ : 4 ] . " وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ " [ الْبَقَرَةِ : 9 ] . " وَمَا يُخَادِعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ " [ الْبَقَرَةِ : 9 ] . لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا [ الْعَنْكَبُوتِ : 58 ] . " لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا " . إِلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذَا; لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ بِحَسَبِ فَهْمِ مَا أُرِيدَ مِنَ الْخِطَابِ ، وَهَذَا كَانَ عَادَةَ الْعَرَبِ . أَلَا تَرَى مَا حَكَى ابْنُ جِنِّي عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ ، وَحُكِيَ عَنْ غَيْرِهِ أَيْضًا; قَالَ : سَمِعْتُ ذَا الرُّمَّةِ يُنْشِدُ : وَظَاهِرْ لَهَا مِنْ يَابِسِ الشَّخْتِ وَاسْتَعِنْ عَلَيْهَا الصَّبَا وَاجْعَلْ يَدَيْكَ لَهَا سِتْرَا . فَقُلْتُ : أَنْشَدْتَنِي : مِنْ بَائِسِ; فَقَالَ : يَابِسٌ وَبَائِسٌ وَاحِدٌ . فَأَنْتَ تَرَى ذَا الرُّمَّةِ لَمْ يَعْبَأْ بِالِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْبُؤْسِ وَالْيُبْسِ; لَمَّا كَانَ مَعْنَى الْبَيْتِ قَائِمًا عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَصَوَابًا عَلَى كِلْتَا الطَّرِيقَتَيْنِ ، وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَحْوَلِ : " الْبُؤْسُ وَالْيُبْسُ وَاحِدٌ " ; يَعْنِي : بِحَسَبِ قَصْدِ الْكَلَامِ لَا بِحَسَبِ تَفْسِيرِ اللُّغَةِ . وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى; قَالَ : أَنْشَدَنِي ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : وَمَوْضِعُ زَيْنٍ لَا أُرِيدُ مَبِيتَهُ كَأَنِّي بِهِ مِنْ شِدَّةِ الرَّوْعِ آنِسُ . فَقَالَ لَهُ شَيْخٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : لَيْسَ هَكَذَا أَنْشَدْتَنَا ، وَإِنَّمَا أَنْشَدْتَنَا : وَمَوْضِعُ ضِيقٍ ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! تَصْحَبُنَا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا وَلَا تَعْلَمُ أَنَّ الزَّيْنَ وَالضِّيقَ وَاحِدٌ ؟ ! وَقَدْ جَاءَتْ أَشْعَارُهُمْ عَلَى رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَبِأَلْفَاظٍ مُتَبَايِنَةٍ ، يُعْلَمُ مِنْ مَجْمُوعِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَلْتَزِمُونَ لَفْظًا وَاحِدًا عَلَى الْخُصُوصِ ، بِحَيْثُ يُعَدُّ مُرَادِفُهُ أَوْ مُقَارَبُهُ عَيْبًا أَوْ ضَعْفًا ، إِلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ لَا يَكُونُ مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَوَاضِعِ مَحْمُولًا عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا مَعْهُودُهَا الْغَالِبُ مَا تَقَدَّمَ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهَا قَدْ تُهْمِلُ بَعْضَ أَحْكَامِ اللَّفْظِ وَإِنْ كَانَتْ تَعْتَبِرُهُ عَلَى الْجُمْلَةِ; كَمَا اسْتَقْبَحُوا الْعَطْفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلِ مُطْلَقًا ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا لَهُ لَفْظٌ; وَمَا لَيْسَ لَهُ لَفْظٌ ، فَقُبِّحَ " قُمْتُ وَزِيدٌ " كَمَا قُبِّحَ " قَامَ وَزِيدٌ " وَجَمَعُوا فِي الرِّدْفِ بَيْنَ عَمُودٍ وَيَعُودُ مِنْ غَيْرِ اسْتِكْرَاهٍ ، وَوَاوُ عَمُودٍ أَقْوَى فِي الْمَدِّ ، وَجَمَعُوا بَيْنَ سَعِيدٍ وَعَمُودٍ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا الْأَلْفَاظُ فِي قِيَاسِهَا النَّظَرِيِّ ، لَكِنَّهَا تُهْمِلُهَا وَتُولِيهَا جَانِبَ الْإِعْرَاضِ ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِعَدَمِ تَعَمُّقِهَا فِي تَنْقِيحِ لِسَانِهَا . وَالرَّابِعُ : أَنَّ الْمَمْدُوحَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعَرَبِيَّةِ مَا كَانَ بَعِيدًا عَنْ تَكَلُّفِ الِاصْطِنَاعِ ، وَلِذَلِكَ إِذَا اشْتَغَلَ الشَّاعِرُ الْعَرَبِيُّ بِالتَّنْقِيحِ اخْتُلِفَ فِي الْأَخْذِ عَنْهُ; فَقَدْ كَانَ الْأَصْمَعِيُّ يَعِيبُ الْحُطَيْئَةَ ، وَاعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ : " وَجَدْتُ شِعْرَهُ كُلَّهُ جَيِّدًا; فَدَلَّنِي عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصْنَعُهُ ، وَلَيْسَ هَكَذَا الشَّاعِرُ الْمَطْبُوعُ ، إِنَّمَا الشَّاعِرُ الْمَطْبُوعُ الَّذِي يَرْمِي بِالْكَلَامِ عَلَى عَوَاهِنِهِ ، جَيِّدِهِ عَلَى رَدِيئِهِ " ، وَمَا قَالَهُ هُوَ الْبَابُ الْمُنْتَهَجُ ، وَالطَّرِيقُ الْمَهَيْعُ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ; فَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ ، وَمِنْ زَاوَلَ كَلَامَ الْعَرَبِ وَقَفَ مِنْ هَذَا عَلَى عِلْمٍ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ; فَلَا يَسْتَقِيمُ لِلْمُتَكَلِّمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ يَتَكَلَّفَ فِيهِمَا فَوْقَ مَا يَسَعُهُ لِسَانُ الْعَرَبِ ، وَلْيَكُنْ شَأْنُهُ الِاعْتِنَاءَ بِمَا شَأْنُهُ أَنْ تَعْتَنِيَ الْعَرَبُ بِهِ ، وَالْوُقُوفَ عِنْدَ مَا حَدَّتْهُ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية