الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ مَقَاصِدُ الشَّارِعِ فِي بَثِّ الْمَصَالِحِ فِي التَّشْرِيعِ أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً عَامَّةً ، لَا تَخْتَصُّ بِبَابٍ دُونَ بَابٍ ، وَلَا بِمَحَلٍّ دُونَ مَحَلٍّ ، وَلَا بِمَحَلِّ وِفَاقٍ دُونَ مَحَلِّ خِلَافٍ ، وَبِالْجُمْلَةِ الْأَمْرُ فِي الْمَصَالِحِ مُطَّرِدٌ مُطْلَقًا فِي كُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ وَجُزْئِيَّاتِهَا . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مُطْلَقِ الْمَصَالِحِ ، وَأَنَّ الْأَحْكَامَ مَشْرُوعَةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ ، وَلَوِ اخْتَصَّتْ لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً لِلْمَصَالِحِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، لَكِنَّ الْبُرْهَانَ قَامَ عَلَى ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَصَالِحَ فِيهَا غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ - وَهُوَ الْقَرَافِيُّ - : أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَصَالِحِ إِنَّمَا يَسْتَمِرُّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُصِيبَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَاحِدٌ ، لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الْعَقْلِيَّةَ أَنَّ الرَّاجِحَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الشَّيْءَ وَالنَّقِيضَ ، بَلْ مَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا كَانَ الْآخَرُ مَرْجُوحًا ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا ، وَهُوَ الْمُفْتِي بِالرَّاجِحِ ، وَغَيْرُهُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مُخْطِئًا; لِأَنَّهُ مُفْتٍ بِالْمَرْجُوحِ ، فَتَتَنَاقَضُ قَاعِدَةُ الْمُصَوِّبِينَ مَعَ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ ، وَأَنَّ الشَّرَائِعَ تَابِعَةٌ لِلْمَصَالِحِ . هَذَا مَا قَالَ . وَنَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَقُولُوا : إِنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْأَحْكَامِ الْإِجْمَاعِيَّةِ ، أَمَّا فِي مَوَاطِنِ الْخِلَافِ; فَلَمْ يَكُنِ الصَّادِرُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الْحُكْمَ تَابِعٌ لِلرَّاجِحِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، بَلْ فِيمَا فِي الظُّنُونِ فَقَطْ; كَانَ رَاجِحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ مَرْجُوحًا ، وَسُلِّمَ أَنَّ قَاعِدَةَ التَّصْوِيبِ تَأْبَى قَاعِدَةَ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ لِتُعِينَ الرَّاجِحَ ، وَكَانَ يَقُولُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْقَائِلِ بِالتَّصْوِيبِ أَنْ يَصْرِفَ الْخَطَأَ فِي حَدِيثِ الْحَاكِمِ إِلَى الْأَسْبَابِ; لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْخَطَأَ يَقَعُ فِيهَا ، وَحَمْلُ كَلَامِ الشَّارِعِ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَوْلَى ، هَذَا مَا نُقِلَ عَنْهُ . وَيَظْهَرُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ جَارِيَةٌ عَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ ; لِأَنَّ الْأَحْكَامَ عَلَى مَذْهَبِ التَّصْوِيبِ إِضَافِيَّةٌ; إِذْ حُكْمُ اللَّهِ عِنْدَهُمْ تَابِعٌ لِنَظَرِ الْمُجْتَهِدِ ، وَالْمَصَالِحُ تَابِعَةٌ لِلْحُكْمِ أَوْ مَتْبُوعَةٌ لَهُ فَتَكُونُ الْمَصَالِحُ أَوِ الْمَفَاسِدُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ثَابِتَةً بِحَسَبِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَفِي ظَنِّهِ ، وَلَا فَرْقَ هُنَا بَيْنَ الْمُخَطِّئَةِ وَالْمُصَوِّبَةِ ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمَالِكِيِّ أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ فِي الْخُضَرِ وَالْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ جَائِزٌ ، فَجِهَةُ الْمَصْلَحَةِ عِنْدَهُ هِيَ الرَّاجِحَةُ ، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِي ظَنِّهِ; لِأَنَّهَا عِنْدَهُ خَارِجَةٌ عَنْ حُكْمِ الرِّبَا الْمُحَرَّمِ ، فَالْمُقْدِمُ عَلَى التَّفَاضُلِ فِيهَا مُقْدِمٌ عَلَى مَا هُو جَائِزٌ ، وَمَا هُوَ جَائِزٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ ، لَا فِي الدُّنْيَا ، وَلَا فِي الْآخِرَةِ ، بَلْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِأَجْلِهَا أُجِيزَ ، وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الرِّبَا فِيهَا غَيْرُ جَائِزٍ ، فَهِيَ عِنْدُهُ دَاخِلَةٌ تَحْتَ حُكْمِ الرِّبَا الْمُحَرَّمِ ، وُجْهَةُ الْمَصْلَحَةِ عِنْدَهُ هِيَ الْمَرْجُوحَةُ لَا الرَّاجِحَةُ ، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى مَا ظَنَّهُ فَلَا ضَرَرَ لَاحِقٌ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ، فَحُكْمُ الْمُصَوِّبُ هَاهُنَا حُكْمُ الْمُخَطِّئِ . وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّنَاقُضُ وَاقِعًا إِذَا عُدَّ الرَّاجِحُ مَرْجُوحًا مِنْ نَاظِرٍ وَاحِدٍ ; بَلْ هُوَ مِنْ نَاظِرَيْنِ ظَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعِلَّةَ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا الْحُكْمَ مَوْجُودَةً فِي الْمَحَلِّ بِحَسَبِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَهُ ، وَفِي ظَنِّهِ لَا مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ; إِذْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ ، فَهَاهُنَا اتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا بَعْدُ ، فَالْمُخَطِّئَةُ حَكَمَتْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ هُوَ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَهُ وَفِي ظَنِّهِ ، وَالْمُصَوِّبَةُ حَكَمَتْ بِنَاءً عَلَى أَنْ لَا حُكْمَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، بَلْ هُوَ مَا ظَهَرَ الْآنَ ، وَكِلَاهُمَا بِأَنَّ حُكْمَهُ عَلَى عِلَّةٍ مَظْنُونٍ بِهَا أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ . وَيَتَّفِقُ هَاهُنَا مَنْ يَقُولُ بِاعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ لُزُومًا أَوْ تُفَضُّلًا ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَصَالِحَ وَالْمَفَاسِدَ مِنْ صِفَاتِ الْأَعْيَانِ ، أَوْ لَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِ الْأَعْيَانِ ، وَهَذَا مَجَالٌ يَحْتَمِلُ بَسْطًا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا ، وَهُوَ مِنْ مَبَاحِثِ أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا; لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى الِاعْتِذَارِ الَّذِي اعْتَذَرَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، وَارْتَفَعَ إِشْكَالُ الْمَسْأَلَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَتَأَمَّلْ; فَإِنَّ الْجُوَيْنِيَّ نَقَلَ اتِّفَاقَ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّصْوِيبِ اجْتِهَادًا وَحُكْمًا ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَصَوُّرَ اجْتِمَاعِ قَاعِدَةِ التَّصْوِيبِ عِنْدَهُمْ مَعَ الْقَوْلِ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ ، وَأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الذَّوَاتِ; فَكَلَامُ الْقَرَافِيِّ مُشْكِلٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية