الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة أَمَّا الْأَوَّلُ ، فَفِيهِ مَسَائِلُ : الْأُولَى : مِنْ شُرُوطِ الْمُكَلَّفِ : الْعَقْلُ ، وَفَهْمُ الْخِطَابِ . فَلَا تَكْلِيفَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ ، لِعَدَمِ الْمُصَحِّحِ لِلِامْتِثَالِ مِنْهُمَا ، وَهُوَ قَصْدُ الطَّاعَةِ . وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ وَالْغَرَامَاتِ فِي مَالَيْهِمَا ، غَيْرُ وَارِدٍ ، إِذْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ ، كَوُجُوبِ الضَّمَانِ بِبَعْضِ أَفْعَالِ الْبَهَائِمِ . شرح مختصر الروضة قَوْلُهُ : " أَمَّا الْأَوَّلُ " يَعْنِي الْمُتَعَلِّقَ مِنَ الشُّرُوطِ بِالْمُكَلَّفِ " فَفِيهِ مَسَائِلُ " : " الْأُولَى : مِنْ شُرُوطِ الْمُكَلَّفِ الْعَقْلُ وَفَهْمُ الْخِطَابِ " ، أَيْ : يَكُونُ عَاقِلًا يَفْهَمُ الْخِطَابَ ، وَلَا بُدَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَقْلِ فَهْمُ الْخِطَابِ ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ ، كَالصَّبِيِّ وَالنَّاسِي وَالسَّكْرَانِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُمْ فِي حُكْمِ الْعُقَلَاءِ مُطْلَقًا ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ ، وَهُمَا لَا يَفْهَمَانِ . قَوْلُهُ : " فَلَا تَكْلِيفَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ " هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ ، أَيْ : إِذَا كَانَ الْعَقْلُ وَالْفَهْمُ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَلَّفِ ، فَلَا تَكْلِيفَ عَلَى صَبِيٍّ ، لِأَنَّهُ لَا يَفْهَمُ ، وَلَا مَجْنُونٍ ، لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " لِعَدَمِ الْمُصَحِّحِ لِلِامْتِثَالِ مِنْهُمَا ، وَهُوَ قَصْدُ الطَّاعَةِ " . أَيْ : إِنَّ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ : الِامْتِثَالُ ، وَهُوَ قَصْدُ الطَّاعَةِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَنْهِيِّ تَحْقِيقًا لِامْتِحَانِ الْمُكَلَّفِ ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ هُودٍ : 7 ] . وَشَرْطُ كَوْنِ الِامْتِثَالِ طَاعَةً ، قَصْدُهَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً فِيمَا عِنْدَهُ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ، فَهَذَا الْقَصْدُ ، هُوَ الْمُصَحِّحُ لِكَوْنِ الِامْتِثَالِ طَاعَةً ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، لِأَنَّهُمَا لَا يَفْهَمَانِ ، وَمَنْ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ ، لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ قَصْدُ مُقْتَضَاهُ . قَوْلُهُ : " وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ وَالْغَرَامَاتِ فِي مَالِهِمَا ، غَيْرُ وَارِدٍ ، إِذْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ ، كَوُجُوبِ الضَّمَانِ بِبَعْضِ أَفْعَالِ الْبَهَائِمِ " . هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ ، تَقْدِيرُهُ : أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ ، إِذَا كَانَا غَيْرَ مُكَلَّفَيْنِ فَلِمَ أَوْجَبْتُمُ الزَّكَاةَ ، وَغَرَامَةَ مَا أَتْلَفَاهُ فِي مَالِهِمَا ؟ وَالزَّكَاةُ وَالْغَرَامَاتُ إِنَّمَا ثَبَتَا بِخِطَابِ الشَّرْعِ ، وَقَدْ ثَبَتَا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَا مُخَاطَبَيْنِ . وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ : أَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ وَالْغَرَامَاتِ فِي مَالِهِمَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ الْخِطَابِيِّ لَهُمَا ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِأَسْبَابِهَا ، كَمَا أَنَّ الْبَهِيمَةَ إِذَا أَتْلَفَتْ زَرْعًا بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ بِتَفْرِيطِ صَاحِبِهَا ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ الضَّمَانِ بِأَفْعَالِ الْبَهَائِمِ ، ضَمِنَ صَاحِبُهَا ، مَعَ أَنَّ الْبَهِيمَةَ لَيْسَتْ مُخَاطَبَةً ، وَلَا مُكَلَّفَةً بِالْإِجْمَاعِ . وَمَعْنَى رَبْطِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ : أَنَّ الشَّرْعَ وَضَعَ أَسْبَابًا تَقْتَضِي أَحْكَامًا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ، تَحْقِيقًا لِلْعَدْلِ فِي خَلْقِهِ ، وَلِمُرَاعَاةِ مَصَالِحِهِمْ تَفَضُّلًا مِنْهُ ، لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا تَكْلِيفٌ وَلَا عِلْمٌ ، حَتَّى كَأَنَّ الشَّرْعَ قَالَ : إِذَا وَقَعَ الشَّيْءُ الْفُلَانِيُّ فِي الْوُجُودِ ، فَاعْلَمُوا أَنِّي حَكَمْتُ بِكَذَا ، كَالْمَوْتِ مَثَلًا ، إِذْ هُوَ سَبَبُ انْتِقَالِ مَالِ الْمَيِّتِ إِلَى وَارِثِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ عَاقِلًا أَوْ غَيْرَ عَاقِلٍ ، عَالِمًا أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ ، مُخْتَارًا أَوْ غَيْرَ مُخْتَارٍ ، فَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَيْهِ قَهْرًا حَتَّى لَوْ كَانَ فِيهِ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ ، لَهُ عِتْقٌ عَلَيْهِ ، وَلَوْ بَاعَ مَالَ مُوَرِّثِهِ يَعْتَقِدُ حَيَاتَهُ ، فَبَانَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْبَيْعِ مَيِّتًا ، صَحَّ الْبَيْعُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَكَذَلِكَ حَوَلَانُ الْحَوْلِ عَلَى اللُّقَطَةِ إِذَا عُرِّفَتْ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُلْتَقِطِ لَهَا قَهْرًا ، وَتَنَصُّفُ الْمَهْرِ بَعْدَ قَبْضِ الزَّوْجَةِ لَهُ ، سَبَبٌ لِمِلْكِ الزَّوْجِ لِنِصْفِهِ قَهْرًا ، كَالْإِرْثِ ، إِذْ لَوْ كَانَ الصَّدَاقُ بَاقِيًا نَصَّفْتَهُ عَلَى خِلَافٍ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ . وَشِرَاءُ الْمُضَارِبِ زَوْجَةَ رَبِّ الْمَالِ ، أَوْ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنْهُ ، سَبَبٌ لِفَسْخِ النِّكَاحِ وَالْعِتْقِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ . وَإِحْبَالُ الْأَمَةِ سَبَبٌ لِصَيْرُورَتِهَا أُمَّ وَلَدٍ ، وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ مَجْنُونًا . وَإِعْسَارُ الزَّوْجِ بِالنَّفَقَةِ ، سَبَبٌ لِفَسْخِ النِّكَاحِ ، حَيْثُ يُقَالُ بِهِ ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا . وَهُوَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ ، الْآتِي ذِكْرُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَكَذَلِكَ مَالُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، وَضَعَهُ الشَّرْعُ سَبَبًا لِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهِ ، وَالْمُخَاطَبُ بِالْإِخْرَاجِ الْوَلِيُّ . وَكَذَلِكَ إِتْلَافَاتُهُمَا سَبَبٌ لِتَعَلُّقِ الضَّمَانِ بِمَالِهِمَا ، وَإِتْلَافُ الْبَهِيمَةِ لِمَا أَتْلَفَتْهُ سَبَبٌ لِضَمَانِ مَالِكِهَا ، وَهُوَ الْمُخَاطَبُ . تَنْبِيهٌ : مَأْخَذُ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، هُوَ تَرَدُّدُ الزَّكَاةِ بَيْنَ كَوْنِهَا عِبَادَةً ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا ، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا ، كَالصَّلَاةِ ، أَوْ مُؤْنَةً مَالِيَّةً ، فَتَجِبُ فِي مَالِهِمَا ، كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَالزَّوْجَاتِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ فِيهَا الشَّائِبَتَيْنِ ، أَمَّا شَائِبَةُ الْعِبَادَةِ ، فَبِدَلِيلِ أَنَّ النِّيَّةَ تَجِبُ فِيهَا ، حَتَّى لَوْ أُخْرِجَتْ بِغَيْرِ نِيَّةٍ مِنَ الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ ، لَمْ تَقَعِ الْمَوْقِعَ ، وَإِذَا أَخَذَهَا الْإِمَامُ قَهْرًا مِنَ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا ، أَجْزَأَتْ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهَا ثَانِيًا ، لَا بِمَعْنَى بَرَاءَةِ عُهْدَتِهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى . وَأَمَّا شَائِبَةُ النَّفَقَةِ الْمَالِيَّةِ ، فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ مَصْرِفَهَا لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَصْنَافِ ، فَكَأَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ نَفَقَةَ الْفُقَرَاءِ بِقَرَابَةِ الْإِسْلَامِ ، فَلِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الزَّكَاةِ حِكْمَتَانِ ظَاهِرَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : فِي مَصْدَرِهَا ، وَهُمُ الْأَغْنِيَاءُ ، بِالِابْتِلَاءِ بِبَذْلِ الْمَالِ الْمَحْبُوبِ فِي طَاعَةِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ . وَالثَّانِيَةُ : فِي مَوْرِدِهَا ، وَهُمُ الْفُقَرَاءُ ، بِإِقَامَةِ أَوَدِهِمْ مِنْ جِهَةِ الْأَغْنِيَاءِ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : الْفُقَرَاءُ عِيَالُ الْأَغْنِيَاءِ . وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ : لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلْقَهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ ، فَرَضَ لِلْفُقَرَاءِ كِفَايَتَهُمْ فِي مَالِ الْأَغْنِيَاءِ ، لَكِنَّ الْأَغْنِيَاءَ ضَيَّقُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ ، إِمَّا بِمَنْعِ مَا يَجِبُ ، أَوْ بِأَخْذِ مَا لَا يُسْتَحَقُّ . وَإِذَا ثَبَتَ تَرَدُّدُ الزَّكَاةِ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالنَّفَقَةِ ، فَأَبُو حَنِيفَةَ غَلَّبَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ ، وَغَيْرُهُ غَلَّبَ مَعْنَى النَّفَقَةِ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ ، لِأَنَّا نَقُولُ : بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ فِيهَا الْعِبَادَةَ ، يَتَضَرَّرُ الصَّبِيُّ بِإِيجَابِهَا فِي مَالِهِ ، إِذْ يُوجِبُ فِي مَالِهِ مَالٌ لَا يَلْزَمُهُ . وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ فِيهَا النَّفَقَةَ ، يَتَضَرَّرُ الْفُقَرَاءُ بِمَنْعِهِمْ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ ، وَإِذَا تَعَارَضَ الضَّرَرُ ، فَمُرَاعَاةُ جَانِبِ الْفُقَرَاءِ أَوْلَى ، لِأَنَّ مَا يَأْخُذُونَهُ جُزْءٌ يَسِيرٌ مِنَ الْمَالِ ، وَالْبَاقِي أَكْثَرُ ، وَقَدْ رَاعَى الْعُلَمَاءُ جَانِبَهُمْ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ بَابِ الزَّكَاةِ ، كَضَمِّ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ مِنَ الْمَالِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ ، وَفِي الْإِخْرَاجِ بِالْوَزْنِ أَوْ بِالْقِيمَةِ ، وَفِي تَقْوِيمِ الْعُرُوضِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لَهُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَأَمَّا وُجُوبُ الضَّمَانِ بِإِتْلَافِهِمَا ، وَإِتْلَافِ كُلِّ مُخْطِئٍ ، وَإِتْلَافِ الْبَهِيمَةِ لِلْأَمْوَالِ ، فَأَصْلُهُ أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالتَّكْلِيفِ وَالْعَدْلِ ، وَبَابُهُمَا مُخْتَلِفٌ ، كَمَا قَرَّرْتُهُ فِي " الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى " . وَمِنَ الْعَدْلِ ، أَلَّا تَذْهَبَ حُقُوقُ النَّاسِ الْمَالِيَّةُ هَدْرًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، لِمَا عُلِمَ مِنْ وَضْعِ أَمْرِهِمْ عَلَى الْفَقْرِ ، وَالْحَاجَةِ إِلَى قِوَامِ الْمَعَاشِ ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ سَبَبًا لِاسْتِدْرَاكِ الضَّرَرِ الْمَالِيِّ ، وَإِنْ صَدَرَتْ عَنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ ، تَحْقِيقًا لِلْعَدْلِ . فَإِنْ قِيلَ : الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ ، أَنَّ الْعُقُوبَاتِ لَا تُنَاسِبُ إِلَّا مَنْ قَصَدَ انْتِهَاكَ الْمَحَارِمِ ، وَالْمُخْطِئُ وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ لَمْ يَنْتَهِكْ حُرْمَةً حَتَّى يُعَاقَبَ عَلَيْهَا بِالْغَرَامَةِ ، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ ، لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ زَاجِرٌ ، وَالضَّمَانُ جَابِرٌ ، وَلِهَذَا لَمْ تَتَدَاخَلْ ، بِخِلَافِ بَعْضِ الزَّوَاجِرِ ، كَالْحُدُودِ ، فَإِنَّهَا تَتَدَاخَلُ ، فَعَلَى هَذَا وُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ ، زَاجِرٌ تَرَتَّبَ عَلَى خِطَابٍ تَكْلِيفِيٍّ ، وَوُجُوبُ الدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ ، جَابِرٌ تَرَتَّبَ عَلَى خِطَابٍ وَضْعِيٍّ سَبَبِيٍّ ، وَكَذَلِكَ الْحَدُّ عَلَى الزِّنَى بِالْمُكْرَهَةِ ، زَاجِرٌ ، وَوُجُوبُ الْمَهْرِ لَهَا وَلِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ جَابِرٌ ، وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ . الثَّانِي : لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الضَّمَانَ عُقُوبَةٌ ، وَأَنَّ عَدَمَ انْتِهَاكِ الْحُرْمَةِ يَقْتَضِي دَفْعَهَا ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا يُعَارِضُهُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَمِ الضَّمَانِ مِنْ تَضَرُّرِ الْإِنْسَانِ ، لِفَوَاتِ عَيْنِ مَالِهِ ، فَرَجَّحَ الشَّارِعُ هَذَا الْمُعَارِضَ ، وَتَرَكَ لَهُ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ فِي بَابِ الْعُقُوبَاتِ ، وَجَعَلَهُ عَدْلًا عَامًّا بَيْنَ الْخَلْقِ ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ تَارَةً يَكُونُ مُتْلِفًا ، فَيَضْمَنُ ، وَتَارَةً يَكُونُ مُتْلَفًا لَهُ ، فَيَأْخُذُ ، وَتَارَةً تُتْلِفُ دَابَّتُهُ مَالَ غَيْرِهِ فَيَضْمَنُ لَهُ ، وَتَارَةً تُتْلِفُ دَابَّةُ غَيْرِهِ مَالَهُ فَيُضْمَنُهُ ، فَكَانَ هَذَا أَوْلَى مِنْ تَضْيِيعِ حُقُوقِ النَّاسِ ، لِمُرَاعَاةِ قَاعِدَةٍ مُنَاسِبَةٍ لَا يَضُرُّ انْخِرَامُهَا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية