الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة وَلَوْ عُلِّقَتْ عَنِ الْعِلْمِ ، لَكَانَ أَوْلَى ، وَتَقْدِيرُهُ : الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ عَنِ الْأَدِلَّةِ . وَعَلَى هَذَا إِنْ جُعِلَتْ عَنْ بِمَعْنَى مِنْ ، كَانَ أَدَلَّ عَلَى الْمَقْصُودِ ، إِذْ يُقَالُ : عَلِمْتُ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ ، وَلَا يُقَالُ : عَلِمْتُهُ عَنْهُ ، إِلَّا بِالتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ . شرح مختصر الروضة قَوْلُهُ : " وَلَوْ عُلِّقَتْ عَنْ بِالْعِلْمِ ، لَكَانَ أَوْلَى ، وَتَقْدِيرُهُ ، الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ عَنِ الْأَدِلَّةِ " . قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ : عَنْ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِّ الْمَذْكُورِ : " عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ " لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُتَعَلِّقٍ ، وَفِيهِ احْتِمَالَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ سَبَقَ تَقْدِيرُهُ . وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي : أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلْمِ فِي قَوْلِنَا : الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ، لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى عَلِمَ يَعْلَمُ عِلْمًا ، وَالْمَصْدَرُ يَدُلُّ عَلَى الْفِعْلِ بِالِالْتِزَامِ ، لِأَنَّهُ فَرْعُهُ مِنْ جِهَةِ التَّصْرِيفِ ، وَبِالتَّضْمِينِ ، لِأَنَّهُ جُزْءُ مَدْلُولِهِ ، إِذْ مَدْلُولُ الْفِعْلِ الزَّمَانُ وَالْمَصْدَرُ ، فَدَلَالَتُهُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الِالْتِزَامِ وَالتَّضَمُّنِ ، وَهُمَا دَلَالَتَانِ قَوِيَّتَانِ ، وَالتَّعَلُّقُ الْمَذْكُورُ فِي التَّحْقِيقِ ، هُوَ بِمَا فِي الْعِلْمِ مِنْ مَعْنَى الْعَقْلِ ، وَهُوَ عَلِمَ أَوْ يَعْلَمُ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ تَعْلِيقَ عَنْ بِلَفْظِ الْعِلْمِ ، أَوْلَى مِنْ تَعْلِيقِهِ بِمَحْذُوفٍ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ ، لِأَنَّ لَفْظَ الْعِلْمِ مَوْجُودٌ فِي الْحَدِّ ، فَكَأَنَّ التَّعْلِيقَ بِهِ أَوْلَى مِنَ التَّعْلِيقِ بِمَعْدُومٍ مُقَدَّرٍ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّعْلِيقِ أَنْ يَكُونَ بِالْأَلْفَاظِ الْمَوْجُودَةِ ، وَالتَّعَلُّقُ بِالْأَلْفَاظِ الْمُقَدَّرَةِ عِنْدَ عَدَمِ اللَّفْظِ الْمَوْجُودِ ضَرُورَةُ تَصْحِيحِ الْكَلَامِ ، فَالتَّقْدِيرُ إِذًا : الْفِقْهُ ، هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ . قَوْلُهُ : " وَعَلَى هَذَا " أَيْ : عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فِي مُتَعَلِّقِ عَنْ ، وَهُوَ أَنَّهُ الْعِلْمُ " إِنْ جُعِلَتْ عَنْ بِمَعْنَى مِنْ ، كَانَ أَدَلَّ عَلَى الْمَقْصُودِ " ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ : الْفِقْهُ ، هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ مِنْ أَدِلَّتِهَا . قَوْلُهُ : " إِذْ يُقَالُ : عَلِمْتُ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ " إِلَى آخِرِهِ ، هَذَا تَقْدِيرٌ وَتَوْجِيهٌ لِتَأْوِيلِ " عَنْ " بِمَعْنَى " مِنْ " ، وَهُوَ أَنَّ عَلِمَ إِنَّمَا يَتَعَدَّى فِي وَضْعِ اللُّغَةِ بِحَرْفِ " مِنْ " نَحْوَ : " عَلِمْتُ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ " مَثَلًا : عَلِمْتُ الْحُكْمَ مِنَ الدَّلِيلِ ، وَعَلِمْتُ الْخَبَرَ مِنْ فُلَانٍ ، " وَلَا يُقَالُ : عَلِمْتُهُ عَنْهُ " ، أَيْ : لَا يُقَالُ : عَلِمْتُ الشَّيْءَ عَنِ الشَّيْءِ ، وَعَلِمْتُ الْحُكْمَ عَنِ الدَّلِيلِ ، وَالْخَبَرَ عَنْ فُلَانٍ ، " إِلَّا بِالتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ " ، وَهُوَ تَأْوِيلُ " عَنْ " بِمَعْنَى " مِنْ " . وَتَقْرِيرُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، أَنَّ " مِنْ " مَعْنَاهَا فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ ، وَ " عَنْ " مَعْنَاهَا الْمُجَاوَزَةُ ، فَمَعْنَى عَلِمْتُ الْحُكْمَ مِنَ الدَّلِيلِ ، أَنَّ مَبْدَأَ عِلْمِي بِالْحُكْمِ هُوَ الدَّلِيلُ ، أَوِ ابْتِدَاءُ عِلْمِي بِالْحُكْمِ كَانَ مِنَ الدَّلِيلِ ، فَالدَّلِيلُ مَبْدَأُ حُصُولِ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ ، كَمَا أَنَّ الدَّارَ مَبْدَأُ خُرُوجِكَ إِذَا قُلْتَ : خَرَجْتُ مِنَ الدَّارِ . وَمَعْنَى عَلِمْتُ الْحُكْمَ عَنِ الدَّلِيلِ جَاوَزَ الْعِلْمُ الدَّلِيلَ إِلَيَّ ، لَكِنْ " عَنْ " الدَّالَّةُ عَلَى الْمُجَاوَزَةِ تَدُلُّ عَلَى مَبْدَأِ الْعِلْمِ وَنَحْوِهِ بِالِالْتِزَامِ ، إِذْ كُلُّ مُجَاوَزَةٍ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنَ ابْتِدَاءٍ ، وَمِنْ ، تَدُلُّ عَلَى ابْتِدَاءِ الْعِلْمِ وَمَبْدَئِهِ بِالْمُطَابَقَةِ الْوَضْعِيَّةِ ، فَكَانَتْ أَوْلَى ، لِأَنَّهَا أَقْوَى الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثِ . فَتَحَصَّلَ مِمَّا ذَكَرْنَا : أَنَّ قَوْلَنَا : الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ مِنَ الْأَدِلَّةِ ، هُوَ الْأَصْلُ فِي تَعَدِّي عَلِمْتُ ، وَقَوْلَنَا : الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ عَنِ الْأَدِلَّةِ ، لَا يُدَلُّ عَلَيْهِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ تَأْوِيلِ " عَنْ " بِمَعْنَى " مِنْ " ، فَكَانَ التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ " مِنْ " الدَّالَّةِ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ " عَنْ " الَّتِي لَا تَدُلُّ إِلَّا بِوَاسِطَةٍ . وَلَمْ آتِ أَنَا فِي الْمُخْتَصَرِ بِلَفْظِ " مِنْ " عِوَضًا عَنْ لَفْظِ " عَنْ " ، لِأَنَّ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ لِابْنِ الْحَاجِبِ ، وَهُوَ بِلَفْظِ عَنْ ، فَلَمْ أُغَيِّرْ لَفْظَهُ . تَنْبِيهٌ يَتَعَلَّقُ بِتَحْقِيقِ قَوْلِنَا : إِذْ يُقَالُ : " عَلِمْتُ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ " . وَتَقْرِيرُهُ ، أَنَّ " إِذْ " وُضِعَتْ فِي اللُّغَةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الزَّمَنِ الْمَاضِي ، كَقَوْلِكَ : قُمْتُ ، أَيْ : فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي الَّذِي قُمْتَ فِيهِ ، ثُمَّ إِنَّهَا فِي عُرْفِ اللُّغَةِ تُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضُوعِ التَّعْلِيلِ وَالدَّلِيلِ ، فَيُقَالُ مَثَلًا : الْحُكْمُ فِيُ كَذَا كَذَا ، إِذْ يُقَالُ : أَيْ : لِأَنَّهُ يُقَالُ : كَذَا لَا كَذَا ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ : إِلَّا كَذَا ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ كَذَا ، وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ الْعُرْفِيُّ مُطَابِقٌ لِلْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَكَ : قُمْتُ إِذْ قُمْتَ فِي مَعْنَى قَوْلِكَ : قُمْتُ لَمَّا قُمْتَ ، وَلِمَا فِيهَا أَيْضًا مَعْنَى الزَّمَانِ ، لِأَنَّهَا بِمَعْنَى حِينَ ، أَيْ : قُمْتُ حِينَ قُمْتَ . وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ قَوْلُ الْمُعَلِّلِ أَوِ الْمُسْتَدِلِّ مَثَلًا : النَّبِيذُ حَرَامٌ إِذْ هُوَ مُسْكِرٌ ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ ، إِذْ هِيَ شَرْطٌ فَتَجِبُ مُقَارَنَتُهُ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ ، فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : لَمَّا كَانَ النَّبِيذُ مُسْكِرًا ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، حُرِّمَ النَّبِيذُ . وَلَمَّا كَانَتِ النِّيَّةُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّوْمِ ، وَالشَّرْطُ تَجِبُ مُقَارَنَتُهُ لِمَشْرُوطِهِ ، وَجَبَ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ ، فَهَذَا وَجْهُ اسْتِعْمَالِ " إِذْ " فِي مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ وَالدَّلِيلِ . وَتَقْرِيرُهُ فِي عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ : لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ : عَلِمْتُ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ ، وَلَا يُقَالُ : عَلِمْتُهُ عَنْهُ إِلَّا بِتَقْدِيرِ عَلِمْتُهُ مِنْهُ ، كَانَ قَوْلُنَا : الْفِقْهُ : الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ مِنْ أَدِلَّتِهَا ، أَدَلَّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ قَوْلِنَا : هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ عَنْ أَدِلَّتِهَا .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية