الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة فَأُصُولُ الْفِقْهِ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ : الْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ . شرح مختصر الروضة قَوْلُهُ : " فَأُصُولُ الْفِقْهِ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ " أَيْ بِاعْتِبَارِ تَعْرِيفِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُرَكَّبٌ : هُوَ " الْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ " . الْعِلْمُ : سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ آخِرَ الْفَصْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَالْقَوَاعِدُ : جَمْعُ قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَسَاسُ الْبُنْيَانِ ، وَفِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ حَيْثُ يَقُولُونَ : قَاعِدَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَالْقَاعِدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ كَذَا : هِيَ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةُ الَّتِي تُعْرَفُ بِالنَّظَرِ فِيهَا قَضَايَا جُزْئِيَّةٌ ، كَقَوْلِنَا مَثَلًا : حُقُوقُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ ، وَقَوْلِنَا : الْحِيَلُ فِي الشَّرْعِ بَاطِلَةٌ ، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْقَضِيَّتَيْنِ تُعْرَفُ بِالنَّظَرِ فِيهَا قَضَايَا مُتَعَدِّدَةٌ . كَقَوْلِنَا : عُهْدَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُوَكِّلِ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا ، فَوَكَّلَ فِيهِ حَنِثَ ، وَلَوْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ ، أَوْ خِنْزِيرٍ ، لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ . وَقَوْلُنَا : لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ ، وَلَا تَخْلِيلُ الْخَمْرِ عِلَاجًا ، وَلَا بَيْعُ الْعِينَةِ ، وَلَا الْحِيلَةُ عَلَى إِبْطَالِ الشُّفْعَةِ ، لِأَنَّ الْحِيَلَ بَاطِلَةٌ ، فَكَانَتْ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ لِهَذِهِ الْقَضَايَا الْجُزْئِيَّةِ أُسًّا تَسْتَنِدُ إِلَيْهَا وَتَسْتَقِرُّ عَلَيْهَا . وَهَكَذَا قَوْلُنَا : الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَلِلْفَوْرِ ، وَدَلِيلُ الْخِطَابِ حُجَّةٌ ، وَقِيَاسُ الشَّبَهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ ، وَالْحَدِيثُ الْمُرْسَلُ يُحْتَجُّ بِهِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ هِيَ قَوَاعِدُ لِلْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ . وَالتَّوَصُّلُ : هُوَ قَصْدُ الْوُصُولِ إِلَى الْمَطْلُوبِ بِوَاسِطَةٍ فَهُوَ كَالتَّوَسُّلِ . وَاسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ : اسْتِخْرَاجُهَا ، وَكَذَا اسْتِنْبَاطُ الْمَاءِ ، يُقَالُ : نَبَطَ الْمَاءُ يَنْبُطُ - بِضَمِّ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا - نُبُوطًا : إِذَا نَبَعَ ، وَالنَّبِيطُ : الْمَاءُ الْخَارِجُ مِنْ قَعْرِ الْبِئْرِ إِذَا حُفِرَتْ . وَالْأَحْكَامُ : يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . وَالشَّرْعِيَّةُ : الصَّادِرَةُ عَنِ الشَّرْعِ ، وَهُوَ الطَّرِيقُ الْإِلَهِيُّ الْمَعْلُومُ بِوَاسِطَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْفَرْعِيَّةُ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْفَرْعِ ، وَهُوَ مَا اسْتَنَدَ فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ اسْتِنَادًا ثَابِتًا ، وَهَذَا احْتِرَازٌ مِنَ الْمَشْرُوطِ وَنَحْوِهُ ، مِمَّا اسْتِنَادُ وَجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ عَرَضِيٌّ ، لِاقْتِضَاءِ الْعَقْلِ أَوِ الشَّرْعِ تَوَقُّفُهُ عَلَى وُجُودِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ ذَاتِهِ ، كَالْغُصْنِ مِنَ الشَّجَرَةِ ، وَنَحْوِهِ ، هَذَا حَقِيقَةُ الْفَرْعِ . أَمَّا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ : هَذَا مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعٌ عَلَى كَذَا ، فَهُوَ مَجَازٌ ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ تَبْعِيضٌ وَلَا اسْتِنَادٌ ذَاتِيٌّ . وَالْمُرَادُ بِالْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ : الْقَضَايَا الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَطَأِ فِي اعْتِقَادِهِ مُقْتَضَاهَا وَلَا الْعَمَلِ بِهِ قَدْحٌ فِي الدِّينِ ، وَلَا الْعَدَالَةُ فِي الدُّنْيَا ، وَلَا وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ ، كَمَسْأَلَةِ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ ، وَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ ، وَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، وَقَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ ، وَالْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ ، وَأَنَّ الْحُكْمَ لَا يُنَفَّذُ بَاطِنًا . بِخِلَافِ مَا يَقْدَحُ مِنْ ذَلِكَ فِي الدِّينِ ، كَاعْتِقَادِ قِدَمِ الْعَالَمِ ، وَنَفْيِ الصَّانِعِ ، وَإِنْكَارِ الْمُعْجِزَاتِ ، وَإِبْطَالِ النُّبُوَّاتِ ، أَوْ يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ ، أَوِ الدِّينِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ ، كَالْمَسَائِلِ الَّتِي بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالْأَثَرِيَّةِ ، كَمَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَالرُّؤْيَةِ وَالْجِهَةِ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَمَسَائِلُ الشَّرِيعَةِ ، إِمَّا مُكَفِّرٌ قَطْعًا كَنَفْيِ الصَّانِعِ ، أَوْ غَيْرِ مُكَفِّرٍ قَطْعًا كَاسْتِبَاحَةِ النَّبِيذِ بِالِاجْتِهَادِ ، أَوْ وَاسِطَةٍ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ تَحْتَمِلُ الْخِلَافَ ، كَمَا حَقَّقْتُهُ فِي آخِرِ كِتَابِ " إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ " . فَإِنْ قِيلَ : يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ أَنَّ شُرْبَ الْحَنْبَلِيِّ لِلنَّبِيذِ ، وَأَكْلَ الْحَنَفِيِّ لَحْمَ الْخَيْلِ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ لَيْسَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ ، بَلْ مِنَ الْأُصُولِيَّةِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا وَيَأَثَمَانِ بِهِ ، وَيَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمَا . قِيلَ : نَعَمْ ، هُوَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِمُخَالَفَةِ الْمُعْتَقَدِ ، فَخَرَجَ عَنْ حَدِّ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَفْعَالِ . قَوْلُهُ : " مِنْ أَدِلَّتِهَا " : أَيِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ ، أَيِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى جِهَةِ التَّفْصِيلِ ، كَمَا سَنُبَيِّنُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية