الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ : أُصُولُ الْفِقْهِ : أَدِلَّتُهُ ، فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا أَصْلًا بَعْدَ ذِكْرِ مُقْدِمَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ . شرح مختصر الروضة فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ : أُصُولُ الْفِقْهِ : أَدِلَّتُهُ " . هَكَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَعْرِيفِ الْأَصْلِ مِنْ أَنَّهُ مَا مِنْهُ الشَّيْءُ ، أَوِ اسْتَنَدَ الشَّيْءُ فِي وُجُودِهِ إِلَيْهِ ، لِأَنَّ الْفِقْهَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ فِي وُجُودِهِ إِلَيْهَا ، وَلِهَذَا مَزِيدُ تَحْقِيقٍ عَنْ قَرِيبٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ " فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا " : أَيْ عَلَى الْأُصُولِ " أَصْلًا أَصْلًا ، بَعْدَ ذِكْرِ مُقَدِّمَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ " . أَيْ : فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى أُصُولِ الْفِقْهِ أَصْلًا بَعْدَ أَصْلٍ ، عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الشَّرَفِ لَا فِي الْقُوَّةِ . فَهِيَ فِي الشَّرَفِ : الْكِتَابُ ، ثُمَّ السُّنَّةُ ، ثُمَّ الْإِجْمَاعُ ، لِأَنَّ الْكِتَابَ كَلَامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَهُوَ أَجَلُّ وَأَشْرَفُ وَأَعْظَمُ مِنَ النَّبِيِّ الَّذِي السُّنَّةُ كَلَامُهُ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَفُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ الَّذِينَ الْإِجْمَاعُ هُوَ اتِّفَاقُهُمْ . وَأَمَّا فِي الْقُوَّةِ ، فَالْإِجْمَاعُ ، ثُمَّ الْكِتَابُ ، ثُمَّ السُّنَّةُ ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ ، بِخِلَافِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، فَإِنَّهُمَا يُنْسَخَانِ ، فَيَجُوزُ أَنَّ الْآيَةَ أَوِ الْخَبَرَ الْمُعَارِضَ لِإِجْمَاعٍ يَكُونُ مَنْسُوخًا . وَالْكِتَابُ أَقْوَى مِنَ السُّنَّةِ لِأَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ مَحْفُوظُ الْأَلْفَاظِ لَا يَدْخُلُهُ تَبْدِيلُ قَارِئٍ ، وَلَا تَحْرِيفُ رَاوٍ ، بِخِلَافِ السُّنَّةِ ، فَإِنَّ غَالِبَهَا آحَادٌ ، وَالْمُتَوَاتِرُ مِنْهَا غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ أَنَّهُ عَيْنُ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا سِيَّمَا مَعَ تَجْوِيزِ الْجُمْهُورِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى . وَأَمَّا تَقْدِيمُنَا عَلَى ذَلِكَ مُقَدِّمَةً ، فَلِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى أُمُورٍ كُلِّيَّةٍ ، فَكَانَ تَقْدِيمُهَا مُنَاسِبًا ، وَهِيَ تَعْرِيفُ أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهَا ، ثُمَّ التَّكْلِيفُ وَمَسَائِلُهُ ، ثُمَّ الْأَحْكَامُ وَأَقْسَامُهَا ، ثُمَّ اللُّغَاتُ الَّتِي هِيَ كَالْبَابِ لِلْكِتَابِ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ كُلِّهِ . فَائِدَةٌ : تَضَمَّنَتِ الْجُمْلَةُ الْمَذْكُورَةُ أَلْفَاظًا يَلِيقُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا : أَحَدُهَا : قَوْلُهُ : فَلْنَتَكَلَّمْ ، هَذِهِ صِيغَةُ أَمْرٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ لِنَفْسِهِ ، وَهُوَ فِي التَّحْقِيقِ مُتَعَذِّرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَمْرَ يَسْتَدْعِي آمِرًا وَمَأْمُورًا مُتَغَايِرَيْنِ ، كَالْإِخْبَارِ يَسْتَدْعِي مُخْبِرًا وَمُخْبَرًا ، وَالضَّرْبِ يَقْتَضِي ضَارِبًا وَمَضْرُوبًا ، وَنَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ ، لَكِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ جِهَةِ التَّقْدِيرِ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ نَزَّلَ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ أَجْنَبِيٍّ يَأْمُرُهُ بِمَا يُرِيدُ ، وَهَذَا مَشْهُورٌ شَائِعٌ فِي أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ وَمَنْ تَكَلَّمَ بِلُغَتِهِمْ نَظْمًا وَنَثْرًا . الثَّانِي : قَوْلُهُ : فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا ، وَمَعْنَى عَلَى : الِاسْتِعْلَاءُ ، وَحَقِيقَتُهُ لَا يَصِحُّ هَاهُنَا ، إِذْ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْأَجْسَامِ ، وَالْكَلَامُ عَرَضٌ ، وَالْأُصُولُ الْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا عَرَضٌ أَيْضًا ، وَهُوَ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ وَنَحْوُهَا ، فَالِاسْتِعْلَاءُ إِنَّمَا يَصِحُّ هُنَا تَقْدِيرًا ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ لَمَّا كَانَتْ مَوْضِعَ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْعِلْمِ ، صَارَ الْكَلَامُ فِيهَا كَالْمُسْتَعْلِي عَلَيْهَا اسْتِعْلَاءَ اللَّوْنِ عَلَى الْجِسْمِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُهُ . الثَّالِثُ : قَوْلُهُ : أَصْلًا أَصْلًا لِنَصْبِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ حَالٌ ، أَيْ نَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا حَالَ كَوْنِهَا مُرَتَّبَةً أَصْلًا بَعْدَ أَصْلٍ . الثَّانِي : أَنَّهَا مَنْصُوبَةٌ عَلَى أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِمُفْرَدٍ هُوَ صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ ، التَّقْدِيرُ : نَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا كَلَامًا مُرَتَّبًا فِي أَصْلٍ بَعْدَ أَصْلٍ ، وَحَقِيقَةُ الْأَصْلِ لُغَةً وَعُرْفًا تُذْكَرُ عَنْ قَرِيبٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . الرَّابِعُ : قَوْلُهُ : " مُقَدِّمَةٍ " ، هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ مُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ بِكَسْرِ الدَّالِ ، وَهِيَ أَوَّلُهُ ، لَمْ يَحْكِ الْجَوْهَرِيُّ فِيهَا غَيْرَ الْكَسْرِ ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ فِي قَادِمَتَيِ الرَّحْلِ مُقَدَّمَةً بِفَتْحِ الدَّالِ ، وَهِيَ أَوَّلُهُ مِمَّا يَلِي وَجْهَ الرَّاكِبِ ، وَهِيَ مُقَابِلَةٌ آخِرَ الرَّحْلِ ، وَهَذِهِ الْمَادَّةُ تَرْجِعُ تَرَاكِيبُهَا إِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِيَّةِ ، فَمُقَدِّمَةُ الْكِتَابِ أَيْضًا أَوَّلُهُ ، وَيَجُوزُ فِيهَا كَسْرُ الدَّالِ عَلَى صِيغَةِ الْفَاعِلِ ، وَفَتْحُهَا عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ ، ثُمَّ اسْتَعْمَلُوهَا اسْمًا فِي كُلِّ مَا وُجِدَ فِيهِ التَّقْدِيمُ نَحْوَ مُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ وَالْكِتَابِ ، وَمُقَدِّمَةِ الدَّلِيلِ وَالْقِيَاسِ ، وَهِيَ الْقَضِيَّةُ الَّتِي تُنْتِجُ ذَلِكَ مَعَ قَضِيَّةٍ أُخْرَى ، نَحْوَ : كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ : كُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ يُشْتَرَطُ لَهَا النِّيَّةُ ، وَنَحْوَ : الْعَالِمُ مُؤَلَّفٌ ، وَكُلُّ مُؤَلَّفٍ مُحْدَثٌ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ . الْخَامِسُ : قَوْلُهُ : " فُصُولٍ " : هُوَ جَمْعُ فَصْلٍ ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ فَصَلَ يَفْصِلُ فَصْلًا ، إِذَا قَطَعَ ، وَمَادَّةُ " ف ص ل " تَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْقَطْعِ وَالْإِبَانَةِ ، ثُمَّ سُمِّيَ بِالْمَصْدَرِ الْمَذْكُورِ كُلُّ مَا بَيَّنَ وَمَيَّزَ شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ وَقَطَعَهُ عَنْهُ ، فَمِنْهَا الْفُصُولُ فِي الْكُتُبِ الْمُدَوَّنَةِ ، لِأَنَّهَا تُمَيِّزُ جُمَلَ الْكَلَامِ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ ، وَمِنْهَا فُصُولُ الْأَجْنَاسِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي الْحُدُودِ ، كَالنَّاطِقِ فِي حَدِّ الْإِنْسَانِ فِي قَوْلِهِمْ : حَيَوَانٌ نَاطِقٌ ، وَالْحَسَّاسُ فِي حَدِّ الْحَيَوَانِ فِي قَوْلِهِمْ : جِسْمٌ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ ، وَمِنْهَا يَوْمُ الْفَصْلِ ، وَفَصْلُ الْقَضَاءِ ، لِأَنَّهُ يَقْطَعُ النِّزَاعَ بَيْنَ الْخُصُومِ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية