الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة مَعَ تَقْرِيبِ الْإِفْهَامِ عَلَى الْأَفْهَامِ ، وَإِزَالَةِ اللَّبْسِ عَنْهُ مَعَ الْإِبْهَامِ . حَاوِيًا لِأَكْثَرَ مِنْ عِلْمِهِ ، فِي دُونِ شَطْرِ حَجْمِهِ ، مُقِرًّا لَهُ غَالِبًا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ التَّرْتِيبِ ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ إِلَى قَلْبِي بِحَبِيبٍ وَلَا قَرِيبٍ . سَائِلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وُفُورَ النَّصِيبِ ، مِنْ جَمِيلِ الْأَجْرِ ، وَجَزِيلِ الثَّوَابِ ، وَدُعَاءٍ مُسْتَجَابٍ ، وَثَنَاءٍ مُسْتَطَابٍ ، اللَّهُمَّ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ . شرح مختصر الروضة قَوْلُهُ : " مَعَ تَقْرِيبِ الْإِفْهَامِ " هُوَ مَكْسُورُ الْهَمْزَةِ ، وَهُوَ التَّفْهِيمُ أَيْضًا ، يُقَالُ : أَفْهَمْتُهُ إِفْهَامًا ، وَفَهَّمْتُهُ تَفْهِيمًا ، فَهُمَا مَصْدَرَانِ لِفِعْلَيْنِ مِنَ الْمَادَّةِ ، كَالْإِكْرَامِ وَالتَّكْرِيمِ ، غَيْرَ أَنَّ التَّفْهِيمَ وَالتَّكْرِيمَ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ وَالتَّكْرِيرَ عَلَى الْأَفْهَامِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ فَهْمٍ ، وَهُوَ الْقُوَّةُ الَّتِي يُدْرَكُ بِهَا مَعْنَى الْكَلَامِ ، وَالْمَعْنَى : أَنِّي مَعَ اخْتِصَارِ الْكِتَابِ لَفْظًا وَالزِّيَادَةِ فِيهِ مَعْنًى ، قَرَّبْتُهُ عَلَى الْأَفْهَامِ بِتَسْهِيلِ أَلْفَاظِهِ وَوَضْعِهَا مَوَاضِعَهَا ، بِحَيْثُ إِنَّ مَنْ سَمِعَ ظَوَاهِرَ أَلْفَاظِهِ مُطْلَقًا أَوْ غَالِبًا ، فَهِمَ بَاطِنَ مَعَانِيهِ ، وَرُبَّ عِبَارَةٍ لَيْسَتْ كَذَلِكَ ، بَلْ يُحْتَاجُ فِي تَنْزِيلِهَا عَلَى الْمُرَادِ إِلَى تَكَلُّفٍ وَتَعَسُّفٍ ، وَهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : " وَإِزَالَةِ الْإِبْهَامِ " بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ أَسْفَلَ ، وَفِيهِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ لَبْسٌ ، لَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْقَرِينَةُ وَسِيَاقُ الْكَلَامِ زَائِلٌ . أَمَّا وَجْهُ اللَّبْسِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : " مَعَ الْإِبْهَامِ " يُحْتَمَلُ أَنِّي أَزَلْتُ اللَّبْسَ وَالْإِبْهَامَ فَاصْطَحَبَا فِي الزَّوَالِ عَنِ الْكَلَامِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ ، وَعَلَيْهِ دَلَّ سِيَاقُ الْكَلَامِ وَقَرِينَتُهُ ، لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِالتَّقْرِيبِ وَالظُّهُورِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِذَلِكَ . وَيُحْتَمَلُ أَنِّي أَلَّفْتُ الْكِتَابَ مَعَ الْإِبْهَامِ ، فَيَكُونُ الِاصْطِحَابُ بَيْنَ التَّأْلِيفِ وَالْإِبْهَامِ فِي الْوُقُوعِ ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا ، لِأَنَّهُ يُنَافِي سِيَاقَ الْكَلَامِ ، وَيُنَاقِضُ قَوْلَهُ : " مَعَ تَقْرِيبِ الْإِفْهَامِ عَلَى الْأَفْهَامِ " وَأَمَّا زَوَالُ اللَّبْسِ مِنْ حَيْثُ الْقَرِينَةُ فَبِمَا ذَكَرْتُهُ . وَالْإِبْهَامُ : هُوَ اشْتِبَاهُ جِهَاتِ الْحَقِّ ، فَلَا تُعْلَمُ عَيْنُ جِهَتِهِ يُقَالُ : أَمْرٌ مُبْهَمٌ : لَا يُدْرَى مَا وَجْهُهُ . قَوْلُهُ : " حَاوِيًا لِأَكْثَرَ مِنْ عِلْمِهِ " أَيْ لِأَكْثَرَ مِنْ عِلْمِ كِتَابِ " الرَّوْضَةِ " " فِي دُونِ شَطْرِ حَجْمِهِ " أَيْ : نِصْفُ مِقْدَارِهِ ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ مَعْرُوفٌ بِالْعِيَانِ لِمَنْ قَابَلَ بَيْنَ الْكِتَابَيْنِ . وَ " حَاوِيًا " : مَنْصُوبٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِهِ : " غَيْرَ خَالٍ " وَيَجُوزُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ فِيهِ . قَوْلُهُ : " مُقِرًّا لَهُ غَالِبًا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ التَّرْتِيبِ ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ إِلَى قَلْبِي بِحَبِيبٍ وَلَا قَرِيبٍ " مُقِرًّا : فِي إِعْرَابِهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي " غَيْرَ خَالٍ " . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : أَنَّ غَالِبَ تَرْتِيبِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي " الرَّوْضَةِ " أَقْرَرْتُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لَمْ أُغَيِّرْهُ ، وَإِنْ كَانَ تَرْتِيبُهُ لَيْسَ بِحَبِيبٍ إِلَيَّ ، وَلَا قَرِيبٍ إِلَى قَلْبِي ، لِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَذَلِكَ لِأَنِّي مُخْتَصِرٌ لِكِتَابِهِ ، وَحَقِيقَةُ الِاخْتِصَارِ : هُوَ ذِكْرُ جَمِيعِ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ ، وَتَغْيِيرُ التَّرْتِيبِ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، غَيْرَ أَنِّي تَصَرَّفْتُ فِي تَرْتِيبِهِ تَصَرُّفًا مَا ، بِحَسَبِ مَا يَنْبَغِي وَيَقْرُبُ عَلَى الْفَهْمِ . فَمِنْ ذَلِكَ تَقْدِيمُ الْمُقَدِّمَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلَهُ ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى فُصُولٍ هِيَ كُلِّيَّاتٌ لِلْكِتَابِ ، أَوْ كَالْكُلِّيَّاتِ ، وَتَقْدِيمُ الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ عَلَى الْجُزْئِيَّةِ مَعْلُومُ الْحُسْنِ بِمُنَاسَبَةِ الْعَقْلِ ، لِأَنَّ الْكُلِّيَّاتِ هِيَ قَوَاعِدُ يُرَدُّ إِلَيْهَا ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا جُزْئِيَّاتُ الْعِلْمِ الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ . وَوَجْهُ عَدَمِ مَحَبَّتِي لِتَرْتِيبِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَقُرْبِهِ مِنْ قَلْبِي أَنَّهُ رَتَّبَ كِتَابَهُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ ، هَكَذَا : حَقِيقَةُ الْحُكْمِ وَأَقْسَامِهِ ، ثُمَّ تَفْصِيلُ الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ ، ثُمَّ بَيَانُ الْأُصُولِ الْمُخْتَلِفِ فِيهَا ، ثُمَّ تَقَاسِيمُ الْأَسْمَاءِ ، ثُمَّ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ ، وَالْعُمُومُ وَالِاسْتِثْنَاءُ ، وَالشَّرْطُ ، وَدَلِيلُ الْخِطَابِ ، وَنَحْوِهِ ، ثُمَّ الْقِيَاسُ ، ثُمَّ حُكْمُ الْمُجْتَهِدِ ، ثُمَّ التَّرْجِيحُ . وَقَدْ كَانَ الْقِيَاسُ تَقْدِيمَ تَقَاسِيمِ الْأَسْمَاءِ ، وَهُوَ الْكَلَامُ فِي اللُّغَاتِ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ خِطَابِ الشَّرْعِ عَلَى فَهْمِهَا ، لِوُرُودِهِ بِهَا ، لَكِنَّ الْعُذْرَ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ هَذَا أَنَّهُ تَابِعٌ فِي كِتَابِهِ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ الْغَزَالِيَّ فِي " الْمُسْتَصْفَى " حَتَّى فِي إِثْبَاتِ الْمُقَدِّمَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ فِي أَوَّلِهِ ، وَحَتَّى قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ رَأَى الْكِتَابَيْنِ : إِنَّ " الرَّوْضَةَ " مُخْتَصَرُ " الْمُسْتَصْفَى " وَيَظْهَرُ ذَلِكَ قَطْعًا فِي إِثْبَاتِهِ الْمُقَدِّمَةَ الْمَنْطِقِيَّةَ ، مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ عَادَةِ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ ، وَمِنْ مُتَابَعَتِهِ عَلَى ذِكْرِ كَثِيرٍ مِنْ نُصُوصِ أَلْفَاظِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ . فَأَقُولُ : إِنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْتَقَطَ أَبْوَابَ " الْمُسْتَصْفَى " ، فَتَصَرَّفَ فِيهَا بِحَسَبِ رَأْيِهِ ، وَأَثْبَتَهَا ، وَبَنَى كِتَابَهُ عَلَيْهَا ، وَلَمْ يَرَ الْحَاجَةَ مَاسَّةً إِلَى مَا اعْتَنَى بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مِنْ دَرْجِ الْأَبْوَابِ تَحْتَ أَقْطَابِ الْكِتَابِ ، أَوْ أَنَّهُ أَحَبَّ ظُهُورَ الِامْتِيَازِ بَيْنَ الْكِتَابَيْنِ بِاخْتِلَافِ التَّرْتِيبِ ، لِئَلَّا يَصِيرَ مُخْتَصِرًا لِكِتَابِهِ ، وَهُوَ إِنَّمَا يَصْنَعُ كِتَابًا مُسْتَقِلًّا فِي غَيْرِ الْمَذْهَبِ الَّذِي وَضَعَ فِيهِ أَبُو حَامِدٍ كِتَابَهُ ، لِأَنَّ أَبَا حَامِدٍ أَشْعَرِيٌّ شَافِعِيٌّ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ حَنْبَلِيٌّ أَثَرِيٌّ ، وَهُوَ طَرِيقَةُ الْحُكَمَاءِ الْأَوَائِلِ وَغَيْرِهِمْ ، لَا تَكَادُ تَجِدُ لَهُمْ كِتَابًا فِي طِبٍّ أَوْ فَلْسَفَةٍ إِلَّا وَقَدْ ضُبِطَتْ مَقَالَاتُهُ وَأَبْوَابُهُ فِي أَوَّلِهِ ، بِحَيْثُ يَقِفُ النَّاظِرُ الذَّكِيُّ مِنْ مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ عَلَى مَا فِي أَثْنَائِهِ مِنْ تَفَاصِيلِهِ .أَبُو حَامِدٍ الْمَنْهَجُ ، وَجَعَلَ كِتَابَهُ دَائِرًا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْطَابٍ : الْأَوَّلُ : فِي الْأَحْكَامِ وَالْبِدَايَةِ بِهَا ، لِأَنَّهَا الثَّمَرَةُ الْمَطْلُوبَةُ . وَالثَّانِي : فِي الْأَدِلَّةِ الْمُثْمِرَةِ لِلْأَحْكَامِ ، إِذْ لَيْسَ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الثَّمَرَةِ أَهَمُّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُثْمِرِ . الثَّالِثُ : فِي طَرِيقِ الِاسْتِثْمَارِ ، وَهُوَ بَيَانُ وَجْهِ دَلَالَةٍ عَلَى الْأَحْكَامِ فِي الْمَنْطُوقِ وَغَيْرِهِ . الرَّابِعُ : فِي الْمُسْتَثْمِرِ ، وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ الْمُسْتَخْرِجُ لِلْحُكْمِ مِنَ الدَّلِيلِ . وَلَمَّا كَانَ الْمُقَلِّدُ يُقَابِلُهُ ، وَجَبَ بَيَانُ حُكْمِهِ عِنْدَهُ ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ انْدِرَاجِ تَفَاصِيلِ أُصُولِ الْفِقْهِ مَعَ كَثْرَتِهَا تَحْتَ هَذِهِ الْأَقْطَابِ الْأَرْبَعَةِ بَيَانًا ثَانِيًا أَبْسَطَ مِنْ هَذَا ، وَهُوَ وَاضِحٌ ظَاهِرٌ ، وَلَمْ أَذْكُرْهُ لِطُولِهِ ، ثُمَّ بَيَّنَ تَفَاصِيلَ ذَلِكَ بَيَانًا ثَالِثًا عَلَى عَادَةِ الْأُصُولِيِّينَ فِي اسْتِيفَاءِ التَّفْصِيلِ . وَقَدْ يُورِدُ عَلَى أَبِي حَامِدٍ فِي تَرْتِيبِهِ أَنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ الْأَدِلَّةَ ، ثُمَّ الْأَحْكَامَ ، ثُمَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَدِلَّةِ ، ثُمَّ أَحْكَامَ الْمُجْتَهِدِينَ ، لِأَنَّ التَّرْتِيبَ الْوُجُودِيَّ فِي اجْتِنَاءِ الْأَثْمَارِ مِنَ الْأَشْجَارِ الَّذِي جَعَلَهُ نَظِيرًا لِاسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ مِنَ الْأَدِلَّةِ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ الشَّجَرَةَ قَبْلَ الثَّمَرَةِ ، ثُمَّ إِذَا وُجِدَتِ الثَّمَرَةُ تَوَصَّلَ الْمُجْتَنِي إِلَى تَحْصِيلِهَا ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا حَامِدٍ قَدْ نَبَّهَ عَلَى جَوَابِ هَذَا بِقَوْلِهِ : لِأَنَّهَا الثَّمَرَةُ الْمَطْلُوبَةُ ، إِشَارَةً إِلَى تَقْدِيمِ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ لِغَيْرِهِ ، وَهُوَ الْأَدِلَّةُ وَوَجْهُ دَلَالَتِهَا . وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ فَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِعِلْمِ الْأُصُولِ ، بَلْ هِيَ آلَةٌ لِكُلِّ عِلْمٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ كَالْعِلَاوَةِ أَلْحَقَهَا بَعْضُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ بِهِ لِشِدَّةِ الْفَهْمِ لَهُ ، وَالْفِطَامُ عَنِ الْمَأْلُوفِ شَدِيدٌ ، وَلِذَلِكَ كُلُّ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ عِلْمٌ وَأَلِفَهُ ، مَزَجَ بِهِ سَائِرَ عُلُومِهِ ، يُعْرَفُ ذَلِكَ بِاسْتِقْرَاءِ تَصَانِيفِ النَّاسِ ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ كَانَ فِي كِتَابِهِ مُتَابِعًا لِأَبِي حَامِدٍ ، لِأَنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا وَلَا مَنْطِقِيًّا حَتَّى يُقَالَ : غَلَبَ عَلَيْهِ عِلْمُهُ الْمَأْلُوفُ ، فَلَمَّا أَلْحَقَ الْمُقَدِّمَةَ بِكِتَابِهِ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِمَحْضِ الْمُتَابَعَةِ ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا الثِّقَاتُ أَنَّ الشَّيْخَ إِسْحَاقَ الْعَلْثِيَّ عَاتَبَ أَبَا مُحَمَّدٍ فِي إِلْحَاقِهِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ، فَأَسْقَطَهَا مِنَ " الرَّوْضَةِ " بَعْدَ أَنِ انْتَشَرَتْ بَيْنَ النَّاسِ فَلِهَذَا تُوجَدُ فِي نُسْخَةٍ دُونَ نُسْخَةٍ ، فَتَرْكِي لِاخْتِصَارِهَا فِي جُمْلَةِ الْكِتَابِ كَانَ لِأُمُورٍ : أَحَدُهَا : مَا صَحَّ عَنْهُ مِنْ رُجُوعِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّ النُّسْخَةَ الَّتِي اخْتَصَرْتُ مِنْهَا لَمْ تَكُنِ الْمُقَدِّمَةُ فِيهَا . وَالثَّالِثُ : وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أَنِّي أَنَا لَا أُحَقِّقُ ذَلِكَ الْعِلْمَ ، وَلَا الشَّيْخُ أَيْضًا كَانَ يُحَقِّقُهُ ، فَلَوِ اخْتَصَرْتُهَا لَظَهَرَ بَيَانُ التَّكْلِيفِ عَلَيْهَا مِنَ الْجِهَتَيْنِ ، فَلَا يَتَحَقَّقُ الِانْتِفَاعُ بِهَا لِلطَّالِبِ ، وَيَقْطَعُ عَلَيْهِ الْوَقْتَ ، فَمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ الْعِلْمَ فَعَلَيْهِ بِأَخْذِهِ مِنْ مَظَانِّهِ مِنْ شُيُوخِهِ وَكُتُبِهِ ، وَإِذَا كَانَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ قَبْلَهُ أَلْحَقَ الْمَنْطِقَ بِأُصُولِ الْفِقْهِ ، اقْتَصَرَ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ ، وَأَحَالَ مَنْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى كِتَابَيْهِ : " مِعْيَارِ الْعِلْمِ " وَ " مِحَكِّ النَّظَرِ " فَمَنْ هُوَ تَبَعٌ لَهُ فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِالْإِحَالَةِ عَلَى كُتُبِ الْفَنِّ ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا تَابَعَ أَبَا حَامِدٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى إِلْحَاقِ الْمَنْطِقِ بِالْأُصُولِ إِلَّا ابْنَ الْحَاجِبِ ، وَحَسْبُكَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ فَخْرَ الدِّينِ الَّذِي هُوَ إِمَامُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْمَنْطِقِ وَالْكَلَامِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي كُتُبِهِ الْأُصُولِيَّةِ شَيْئًا مِنْهُ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية