الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
اختيار هذا الخط
الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
فصل في قصر الصلاة ومن سافر سفرا مباحا . يبلغ ستة عشر فرسخا فله قصر الرباعية خاصة إلى ركعتين ، إذا فارق بيوت قريته أو خيام قومه ، وهو أفضل من الإتمام ، وإن أتم جاز .
وذكر الشيخ تقي الدين أن القصر قسمان : مطلق ; وهو ما اجتمع فيه قصر الأفعال ، والعذر ، كصلاة الخوف حيث كان مسافرا ، فإنه يرتكب فيها ما لا يجوز في صلاة الأمن ، والآية وردت على هذا .
ومقيد ; وهو ما اجتمع فيه قصر العدد فقط كالمسافر ، أو قصر العمل فقط كالخائف ; وهو حسن ، لكن يرد عليه nindex.php?page=hadith&LINKID=10339030قول يعلى nindex.php?page=showalam&ids=2لعمر بن الخطاب : ما لنا نقصر وقد أمنا ؛ فقال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم [ ص: 106 ] فاقبلوا صدقته رواه مسلم فظاهر ما فهمناه تقييد قصر العدد بالخوف ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أقرهما على ذلك ، وقيل : قوله ( إن خفتم ) كلام مبتدأ معناه : وإن خفتم .
وقال nindex.php?page=showalam&ids=12ابن عمر : nindex.php?page=hadith&LINKID=10339031صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين ، وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان كذلك متفق عليه . ( ومن سافر سفرا مباحا ) ذكره أكثر الأصحاب ، وحكاه ابن هبيرة اتفاقا ; لأنه عليه السلام كان يترخص في العود من السفر ; وهو مباح ، وكالغزو ، وفي " الوجيز " سفرا جائزا ; وهو أعم ، والمراد من ابتدأ سفرا مباحا ، وصرح به في " الفروع " ، والأصح : أو هو أكثر قصده ، وعنه : لا يترخص في nindex.php?page=treesubj&link=17826_1789سفر النزهة والتفرج ، اختاره أبو المعالي ; لأنه إنما شرع إعانة على تحصيل المصلحة ، ولا مصلحة في هذا ، وظاهر كلام ابن حامد اختصاصه بسفر الطاعة ، وقال في " المبهج " : إذا سافر لتجارة مكاثرا في الدنيا فهو سفر معصية ، والأول أولى ; وهو شامل إذا غربت المرأة ومعها محرم فله الترخص ، وكذا الزاني ، وقاطع الطريق ، وفيهما وجه ، ودل على جوازه في سفر واجب من باب التنبيه ، ولا قصر في nindex.php?page=treesubj&link=17826_1791سفر المعصية ، وأباح في " التلخيص " تناول الميتة للضرورة ، ولو عصى في سفره المباح لم يمنع الترخص ، كارتكابها في الحضر لا يمنعه ، ومن nindex.php?page=treesubj&link=17826_1791نقل سفره المباح إلى معصية لم يترخص في الأصح لزوال سببه ، وإن nindex.php?page=treesubj&link=17826_1791نقل سفر المعصية إلى مباح ، وقد بقي مسافة قصر ، قصر في الأصح ، لأن وجود ما مضى من سفره كعدمه .
[ ص: 107 ] مسألة : إذا nindex.php?page=treesubj&link=1791سافر لزيارة القبور والمشاهد ، فقال ابن عقيل وصاحب " التلخيص " : لا يباح له الترخص ; لقوله عليه السلام nindex.php?page=hadith&LINKID=10339032لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد متفق عليه ، وقال المؤلف : الصحيح جوازه ، والحديث محمول على نفي الفضيلة ، قال ابن المنجا : السفر المكروه كزيارة القبور والمشاهد ملحق بالسفر المحرم ، وفيه نظر ، واختلف كلام الحلواني هل السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم أو الوالدين واجب ، أو طاعة كزيارته عليه السلام لكن قال nindex.php?page=showalam&ids=14048أبو محمد الجويني : يحرم الشد إلى غير المساجد الثلاثة ، نقله النووي ، وذكر الشيخ تقي الدين : يجب السفر المنذور إلى المشاهد . ( يبلغ nindex.php?page=treesubj&link=1787ستة عشر فرسخا ) الفرسخ واحد الفراسخ ; وهو ثلاثة أميال هاشمية ، وبأميال بني أمية ميلان ونصف ، والميل اثنا عشر ألف قدم ، ستة آلاف ذراع ، والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة ، كل أصبع ست حبات شعير ، بطون بعضها إلى بعض ، عرض كل شعيرة ست شعرات برذون ، وذلك أربعة برد مسيرة يومين قاصدين ، نص عليه ; وهو قول عمر ، nindex.php?page=showalam&ids=11وابن عباس لما روى nindex.php?page=showalam&ids=14269الدارقطني عن nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : nindex.php?page=hadith&LINKID=10339033يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان ضعفه أحمد ويحيى ، مع أن أحمد احتج به مع تضعيفه ، وظاهر كلامهم : أن هذا تقريب ، وقال أبو المعالي : تحديد ، والبر والبحر سواء ، فلو قطعه في زمن يسير في البحر قصر ، كما لو قطعها في البر في أقل من يومين ، وذكر صاحب المسالك أن من دمشق إلى القطيفة أربعة وعشرين ميلا ، ومن دمشق إلى الكسوة اثني عشر ميلا ، وعن nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس ، nindex.php?page=showalam&ids=12وابن عمر : يقصر في يوم ، وقاله nindex.php?page=showalam&ids=13760الأوزاعي ، وروى أبو داود أن دحية أفطر في ثلاثة أميال ، وأفطر معه أناس كثيرون ، وقيل : تقصر في طويل [ ص: 108 ] السفر وقصيره ، والأول أولى ، لأنه مسافة تجمع مشقة السفر من الحل والعقد ، فجاز القصر فيه كغيره ، قال المؤلف : والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن الإجماع انعقد على خلافه .
( فله nindex.php?page=treesubj&link=1808قصر الرباعية خاصة إلى ركعتين ) ولا قصر في nindex.php?page=treesubj&link=1809المغرب والفجر إجماعا ، حكاه ابن المنذر ; لأن الفجر لو قصرت صارت ركعة ، ولا نظير لذلك في الفرائض ، والمغرب وتر النهار ، فلو قصر منها ركعة لم يبق وترا ، وركعتان كان إجحافا بها ، وإسقاطا لأكثرها ، ولا نظير لها في الفرض ( إذا فارق بيوت قريته أو خيام قومه ) لأن الله تعالى جوز القصر لمن ضرب في الأرض ، وقبل مفارقة ما ذكر لا يكون ضاربا ولا مسافرا ، ولأن ذلك أحد طرفي السفر ، أشبه حالة الانتهاء ، ولأنه عليه السلام كان يقصر إذا ارتحل ، فعلى هذا يقصر إذا nindex.php?page=treesubj&link=1792فارق بيوت قريته العامرة ، بشرط أن لا يرجع ، أو لا ينوي الرجوع قريبا ، فإن فعل لم يترخص حتى يرجع ويفارقه ، ولو لم ينو الرجوع ، لكن بدا له لحاجة ، لم يترخص بعد نية عوده حتى يفارقه ثانيا ، وقيل : والخراب ، كما لو وليه عامر ، وقال أبو المعالي : أو جعل مزارع ، وبساتين يسكنه أهله ، ولو في فصل النزهة ، وقيل : يقصر بمفارقة سور بلده ، وظاهره : ولو اتصل به بلد ، واعتبر أبو المعالي انفصاله ولو بذراع ، ويعتبر في ساكن القصور والبساتين مفارقة ما نسبوا إليه عرفا ( وهو أفضل من الإتمام ) نص عليه ; لأنه عليه السلام داوم عليه ، ولم ينقل عنه الإتمام ، وكذلك الخلفاء الراشدون من بعده ، وروى أحمد عن nindex.php?page=showalam&ids=12ابن عمر مرفوعا nindex.php?page=hadith&LINKID=10339034إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته وفيه أن nindex.php?page=treesubj&link=1779الإتمام أفضل ; لأنه أكثر عملا وعددا ; وهو الأصل ، أشبه غسل الرجلين ( وإن أتم جاز ) في المشهور للآية ، ولحديث [ ص: 109 ] يعلى ، قالت عائشة : nindex.php?page=hadith&LINKID=10339035أتم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقصر قاله nindex.php?page=showalam&ids=13790الشافعي ، ورواه nindex.php?page=showalam&ids=14269الدارقطني ، وصححه ، وبين سلمان أن القصر رخصة بمحضر اثني عشر صحابيا ، رواه البيهقي بإسناد حسن ، nindex.php?page=hadith&LINKID=10339036ولما أتمت عائشة قال لها النبي صلى الله عليه وسلم : أحسنت . رواه أبو داود nindex.php?page=showalam&ids=14724الطيالسي ، nindex.php?page=showalam&ids=14269والدارقطني ، وقال : إسناد حسن ، وقيل : يجب القصر ; وهو قول جماعة ، وعنه : الوقف ، وقال مرة : لا يعجبني الإتمام ، وكرهه الشيخ تقي الدين ، قال في " الفروع " : وهو أظهر .
مسائل : الأولى : يعتبر تحقيق المسافة ، فلو nindex.php?page=treesubj&link=1787شك في قدر السفر لم يقصر ، وإن بان بعده ، كما لو صلى شاكا في دخول الوقت ، وقال ابن أبي موسى ، وابن عقيل : متى بلغ المسافة قصر ، وعنه : إن بلغ عشرين فرسخا .
الثانية : أنه nindex.php?page=treesubj&link=1783لا بد أن يقصد جهة معينة ، فلو سافر ولم يقصدها لم يقصر ، وأنه لا بد من الجزم ببلوغ المسافة ، فلو علم صاحبه في بلد بعيد ، ونوى إن وجده قبله لم يقصر ، وقيل : إن بلغ مسافة قصر قصر ، وكذا سائح وتائه .
الثالثة : nindex.php?page=treesubj&link=25275إذا سافر ليترخص ، فقد ذكروا لو سافر ليفطر حرم ، وقيل : يكره ، ومثله من لا خف في رجله فلبسه لغرض المسح خاصة لا يستحب له ، كما لا يستحب له إنشاء السفر لغرض الترخص ، ويأتي من سافر يقصد حل يمينه .
الرابعة : يقصر ، ويترخص nindex.php?page=treesubj&link=1816مسافر مكرها ، كأسير على الأصح ، كامرأة وعبد تبعا لزوج وسيد في نيته وسفره ، وفيهما وجه : لا قصر ، وقال أبو المعالي : والجيش مع الأمير ، والجندي مع أميره إن كان رزقهم في مال أنفسهم ، ففي أيهما يعتبر نيته ؛ فيه وجهان ، وإلا فكالأجير والعبد لشريكين ترجح نية إقامة أحدهما ، والأسير إذا صار ببلدهم ، فإنه يتم في المنصوص تبعا لإقامتهم كسفرهم .
[ ص: 110 ] الخامسة : يوتر ، ويركع سنة الفجر في السفر ، ويخير في غيرهما ، وعن الشيخ تقي الدين : يسن ترك غيرهما ، وأطلق أبو المعالي التخيير في nindex.php?page=treesubj&link=17811_1807النوافل والسنن ، ونقل ابن هاني : يتطوع أفضل ، وجزم به في " الفصول " ، و " المستوعب " ، واختاره الشيخ تقي الدين في غير الرواتب ، ونقله بعضهم إجماعا .