الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            [ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى ] ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَةَ بَدْرٍ الْكُبْرَى . وَسَبَبُهَا أَنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ الَّتِي خَرَجَ بِسَبَبِهَا إِلَى ذِي الْعُشَيْرَةِ فَفَاتَتْهُ ، أَقْبَلَتْ عَائِدَةً مِنَ الشَّامِ ، فِيهَا أَمْوَالُ قُرَيْشٍ ، وَعَلَيْهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ، فَأَنْفَذَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ : لِيَعُودُوا بِخَبَرِهَا ، فَلَمَّا تَأَخَّرَا عَنْهُ ، خَرَجَ بَعْدَهَا بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ فِي يَوْمِ السَّبْتِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ تِسْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مَنْ هِجْرَتِهِ ، وَعَسْكَرَ فِي بِئْرِ أَبِي عُتْبَةَ عَلَى مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى عَرَضَ أَصْحَابَهُ ، وَكَانُوا فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ ، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا عِدَّةَ أَصْحَابِ طَالُوتَ حِينَ عَبَرَ النَّهْرَ لِقِتَالِ جَالُوتَ . وَفِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةُ رِجَالٍ ضَمَّ إِلَيْهِمْ فِي الْقَسْمِ ثَمَانِيَةً لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا ، فَصَارَتِ الرِّوَايَتَانِ مُتَّفِقَتَيْنِ : لِأَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ عَدَّ الثَّمَانِيَةَ فِيهِمْ ، وَالْوَاقِدِيَّ لَمْ يَعُدَّهَا فِيهِمْ ، وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَقَامَ لِمَرَضِ زَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى قُبِضَتْ قَبْلَ مَقْدَمِهِ مِنْ بَدْرٍ ، وَطَلْحَةٌ ، وَسَعِيدٌ ، أَنْفَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِاسْتِعْلَامِ حَالِ الْعِيرِ . وَخَمْسَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَهُمْ أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ خَلَّفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ خَلَّفَهُ عَلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ رَدَّهُ مِنَ الرَّوْحَاءِ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِشَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُمْ ، الْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ أُسِرَ بِالرَّوْحَاءِ ، وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ كُسِرَ . وَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ اسْتَعْرَضَ أَصْحَابَهُ خَمْسَةً لِصِغَرِهِمْ وَهُمْ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَأُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ ، وَكَانَ عِدَّةُ الْمُهَاجِرِينَ سَبْعَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا ، وَعِدَّةُ الْأَنْصَارِ مِائَتَيْنِ وَسِتَّةً وَثَلَاثِينَ رَجُلًا ، مِنْهُمْ مَنْ الْأَوْسِ أَحَدٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا وَالْبَاقُونَ مَنِ الْخَزْرَجِ ، وَكَانَتْ أَوَّلَ غَزْوَةٍ غَزَا فِيهَا الْأَنْصَارُ ، وَكَانَتْ إِبِلُهُمْ سَبْعِينَ بَعِيرًا ، يَتَعَقَّبُ الثَّلَاثَةُ عَلَى الْبَعِيرِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَأَبُو لُبَابَةَ عَلَى بَعِيرٍ ، وَكَانَتِ الْخَيْلُ فَرَسَيْنِ : أَحَدُهُمَا لِلْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو ، وَالْآخَرُ لِمَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ ، وَكَانَ صَاحِبَ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَصَاحِبَ رَايَةِ الْأَنْصَارِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَعَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَخْذِ الْعِيرِ ، فَاسْتَنْفَرَ قُرَيْشًا : لِحِمَايَةِ الْعِيرِ فَخَرَجَتْ قَبَائِلُ قُرَيْشٍ كُلُّهَا إِلَّا بَنِي عَدِيٍّ فَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، وَبَنُو زُهْرَةَ حُرِّضُوا فَلَمَّا نَجَتِ الْعِيرُ عَادُوا مَعَ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ ، وَكَانُوا مِائَةَ رَجُلٍ ، فَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا مِنْ هَاتَيْنِ الْقَبِيلَتَيْنِ أَحَدٌ ، وَلَمَّا فَاتَتِ الْعِيرُ ، وَكَانَ خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَجْلِهَا ، لَا لِلْقِتَالِ لِيَقْوَى الْمُسْلِمُونَ بِمَالِهَا عَلَى الْجِهَادِ ، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ خَرَجَ بِهِمْ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ . فَسَمِعَ اللَّهُ دَعَوْتَهُ ، فَمَا رَجَعَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا بِحِمْلٍ ، أَوْ حِمْلَيْنِ وَاكْتَسَوْا ، وَشَبِعُوا ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ قَدْ تَأَهَّبُوا لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ ، وَعَادَ مَنْ كَانَ عَيْنًا عَلَيْهِمْ فَأَخْبَرَ بِمَنْ فِيهِمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ ، وَكَانُوا تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا فِيهِمْ مِائَةُ فَارِسٍ ، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ : هَذِهِ مَكَةُ قَدْ أَلْقَتْ إِلَيْكُمْ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا ، فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ؟ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَرَانِي مَصَارِعَ الْقَوْمِ ؟ فَقَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو : يَا رَسُولَ اللَّهَ امْضِ لِمَا أَمَرَكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ ، وَاللَّهِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [ الْمَائِدَةِ : 24 ] وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا ، إِنَّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُونَ ، فَأَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِاسْتِشَارَةَ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ تُرِيدُ الْأَنْصَارَ قَالَ : أَجَلْ . قَالَ : قَدْ آمَنَّا بِكَ فَصَدَّقْنَاكَ وَبَايَعْنَاكَ عَلَى السَمْعِ وَالطَاعَةِ ، فَامْضِ لِمَ أَرَدْتَ ، فَوَاللَّهِ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا الْبَحْرَ وَخْضْتَهُ لَخُضْنَاهُ ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى لَقِيَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ : فَأَظْفَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَقِيلَ : فَيَ الثَّامِنَ عَشَرَ ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا ، فِيهِمْ أَشْرَافُهُمْ ، وَأَسَرَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا ، وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَمِنَ الْأَنْصَارِ ثَمَانِيَةٌ ، وَأُحِيزَتِ الْغَنَائِمُ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا : فَجَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى خَالِصَةً لِرَسُولِهِ وَفِيهَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الْأَنْفَالِ : 1 ] . قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ : فِينَا أَصْحَابَ بَدْرٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفْلِ ، وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا ، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنَّا ، وَجَعَلَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَسَمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى سَوَاءٍ ، وَنَفَلَ بِالنَّفْلِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ مَضِيقٍ ، وَنَزَلَ عَلَى سِيرٍ فَقَسَمَهُ بِهَا ، وَأُنْفِلَ فِيهَا سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ وَكَانَ لِمُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، وَجَمَلَ أَبِي جَهْلٍ ، وَكَانَ مُهْرِيًّا ، يَغْزُو عَلَيْهِ ، وَقُتِلَ بِهَا مِنَ الْأَسْرَى النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَلَمَّا بَلَغَ عِرْقَ الظَّبْيَةِ أَمَرَ بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فَقَالَ : مَنْ لِلصِّبْيَةِ يَا مُحَمَّدُ قَالَ : النَّارُ ، فَقَتَلَهُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ ، وَسَارَ بِالْأَسْرَى ، حَتَّى وَصَلَ الْمَدِينَةَ فَخَرَجَ أَهْلُهَا يُهَنِّئُونَهُ بِقُدُومِهِ ، وَدَخَلَ مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَتَلَقَّاهُ الْوَلَائِدُ بِالدُّفُوفِ وَهُنَّ يَقُلْنَ : طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ وَجَبَ الشُكْرُ عَلَيْنَا مَا دَعَا لِلَّهِ دَاعِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : اسْتَوْصُوا بِالْأُسَارَى خَيْرًا ، ثُمَّ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِيهِمْ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هُمْ أَهْلُكَ ، وَعَشِيرَتُكَ ، فَاسْتَبْقِهِمْ ، وَخُذِ الْفِدَاءَ مِنْهُمْ قُوَّةً ، فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ فَيَكُونُوا عَضُدًا ، وَقَالَ عُمَرَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَّبُوكَ وَأَخْرَجُوكَ ، وَهُمْ قَادَتُهُمْ وَصَنَادِيدُهُمْ ، قَدِّمْهُمْ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ أَنْ لَيْسَ فِي قُلُوبِنَا هَوَادَةٌ لِلْكُفَّارِ ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَخَلَ ، فَقَالَ أُنَاسٌ : يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَالَ أُنَاسٌ : يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَيُلِينُ قُلُوبَ الرِّجَالِ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ ، وَلَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ ، وَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مِثْلُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ إِبْرَاهِيمَ : 36 ] . وَمِثْلَكَ مِثْلُ عِيسَى قَالَ : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ الْمَائِدَةِ : 118 ] . وَمِثْلَكَ يَا عُمَرُ مِثْلُ نُوحٍ قَالَ : رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [ نُوحٍ : 26 ] . وَمِثْلَكَ مِثْلُ مُوسَى قَالَ : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [ يُونُسَ : 88 ] . ثُمَّ قَالَ : أَنْتُمُ الْيَوْمَ عَالَةٌ ، فَخُذُوا الْفِدَاءَ ، فَفُودِيَ كُلُّ أَسِيرٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ إِلَى ثَلَاثَةِ آلَافٍ ، إِلَى أَلْفَيْنِ ، إِلَى أَلْفٍ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ - وَكَانَ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ : لِأَنَّ الْخَطَّ كَانَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ - كَانَ فِدَاؤُهُ أَنْ يُعَلِّمَ عَشَرَةً مِنْ غِلْمَانِ الْمَدِينَةِ الْخَطَّ ، وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِيمَنْ عُلِّمَ ، وَمَنَّ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ، وَفِيهِمْ أَبُو عَزَّةَ الْجُمَحِيُّ فَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعُودَ لِحَرْبِهِ أَبَدًا ، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَيْ أَخِيكَ نَوْفَلًا وَعَقِيلًا فَقَالَ : إِنِّي مُسْلِمٌ وَأُخْرِجْتُ كَرْهًا ، وَلَا مَالَ لِي ، فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ مُسْلِمًا فَأَجْرُكَ عَلَى اللَّهِ ، وَمَالُكَ عِنْدَ أُمِّ الْفَضْلِ دَفَعْتَهُ لَهَا يَوْمَ خُرُوجِكَ ، وَوَصَّيْتَ بِهِ لِأَوْلَادِكَ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُنَا بِكَ بَيَانًا ، وَفَدَا نَفْسَهُ وَابْنَيْ أَخِيهِ بِمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ أُوقِيَّةً وَرِقًا ، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ ابْنَ أُخْتِ خَدِيجَةَ : فَلِذَلِكَ تَزَوَّجَهَا ، وَكَانَتْ رُقَيَّةُ زَوْجَةَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ لَهُمَا : انْزِلَا عَنِ ابْنَتَيْ مُحَمَّدٍ نُزَوِّجْكُمَا بِمَنْ أَحْبَبْتُمَا مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ ، فَنَزَلَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ عَنْ رُقَيَّةَ وَتَزَوَّجَتْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، وَامْتَنَعَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ مِنَ النُّزُولِ عَنْ زَيْنَبَ ، فَلَمَّا أُسِرَ أَنْفَذَتْ زَيْنَبُ فِي فِدَائِهِ قِلَادَةً لَهَا جَهَّزَتْهَا خَدِيجَةُ بِهَا ، فَرَآهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَرَفَهَا ، فَرَقَّ لَهَا ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَمُنُّوا عَلَى أَسِيرِهَا فَمُنُّوا عَلَيْهِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهَا ، وَأَنْفَذَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَى مَكَّةَ ، حَتَّى حَمَلَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَأَسْلَمَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ زَيْنَبَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ ، فَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا " ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ إِنْ صَحَّتْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ كَانَ الْإِسْلَامُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ : " بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ " أَيْ لِأَجْلِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ : لِأَنَّهُ لَوْلَاهُ لَعَدَلَ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ . وَقَوْلُهُ : " وَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا " أَيْ لَمْ يُحْدِثْ صَدَاقًا زَائِدًا ، فَلَمَّا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ فِدَاءَ أَسْرَى بَدْرٍ عَاتَبَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ الْآيَةَ [ الْأَنْفَالِ : 67 ] . وَمَاتَ أَبُو لَهَبٍ بِمَكَّةَ : لِأَنَّهُ تَأَخَّرَ عَنْ بَدْرٍ بَعْدَ سَبْعِ لَيَالٍ مِنْ نَعْيِ أَهْلِ بَدْرٍ بِالْغَرْسَةِ ، وَتُرِكَ لَيْلَتَيْنِ حَتَّى أُنْتِنَ هَرَبًا مَنْ عَدُوَّاهَا ، وَخَضَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ بَدْرٍ جَمِيعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية