الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأثار

الحازمي - أبو بكر محمد بن موسى الحازمي الهمذاني

جزء صفحة
وَأَمَّا شَرَائِطُهُ فَمَدَارِكُ مَعْرِفَتِهَا مَحْصُورَةٌ . ( مِنْهَا ) : أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ بِخِطَابٍ ؛ لِأَنَّ بِمَوْتِ الْمُكَلَّفِ يَنْقَطِعُ الْحُكْمُ ، وَالْمَوْتُ مُزِيلٌ لِلْحُكْمِ لَا نَاسِخٌ لَهُ . ( وَمِنْهَا ) : أَنْ يَكُونَ الْمَنْسُوخُ أَيْضًا حُكْمًا شَرْعِيًّا ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي مُسْتَنَدُهَا الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ لَمْ تُنْسَخْ ، وَإِنَّمَا ارْتَفَعَتْ بِإِيجَابِ الْعِبَادَاتِ . ( وَمِنْهَا ) : أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ السَّابِقُ مُقَيَّدًا بِزَمَانٍ مَخْصُوصٍ ، مِثْلَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ . فَإِنَّ الْوَقْتَ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ أَدَاءُ النَّوَافِلِ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا مُؤَقَّتٌ ، فَلَا يَكُونُ نَهْيُهُ عَنْ هَذِهِ النَّوَافِلِ فِي الْوَقْتِ الْمُخَصَّصِ نَاسِخًا لِمَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْجَوَازِ ؛ لِأَنَّ التَّأْقِيتَ يَمْنَعُ النَّسْخَ . وَمِنْهَا : أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ النَّاسِخُ مُتَرَاخِيًا عَنِ الْمَنْسُوخِ ، فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ الْحُكْمُ الثَّانِي ، فَإِنَّهُ لَا يَعْدُو أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا . فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْأَوَّلِ لَا يُسَمَّى نَسْخًا ، إِذْ مِنْ شَرْطِ النَّسْخِ التَّرَاخِي ، وَقَدْ فُقِدَ هَهُنَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ، وَلَا الْخِفَافَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ . وَإِنْ كَانَ صَدْرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ لُبْسِ الْخِفَافِ وَعَجُزُهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ ، وَهُمَا حُكْمَانِ مُتَنَافِيَانِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى نَسْخًا ؛ لِانْعِدَامِ التَّرَاخِي فِيهِ ، وَلَكِنَّ هَذَا النَّوْعَ يُسَمَّى بَيَانًا . وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا نَظَرْتَ : هَلْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا ؟ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ جُمِعَ ، إِذْ لَا عِبْرَةَ بِالِانْفِصَالِ الزَّمَانِيِّ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ فِي التَّنَافِي ، وَمَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِعِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ أَعَمَّ لِلْفَائِدَةِ كَانَ أَوْلَى صَوْنًا لِكَلَامِهِ عَنِ النَّقْصِ . وَلِأَنَّ فِي ادِّعَاءِ النَّسْخِ إِخْرَاجَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمَعْنَى الْمُفِيدِ ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : شَرُّ الشُّهُودِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : خَيْرُ الشُّهُودِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ . وَهُمَا حَدِيثَانِ قَدْ تَعَارَضَا عَلَى مَا تَرَى . وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى غَيْرِ الْفَقِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ؛ لِمَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ مِنْ ظَاهِرِ الْمُنَافَاةِ ، مَعَ حُصُولِ الِانْفِصَالِ فِيهِمَا ، وَرُبَّمَا يَرَاهُ بَعْضُ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْإِسْنَادِ فَيَرَى إِسْنَادَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَمْثَلَ فَيَحْكُمُ بِنَسْخِ الثَّانِي ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا يَتَوَهَّمُهُ ؛ لِفُقْدَانِ شَرَائِطِ النَّسْخِ ، لَكِنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنْ يَجْعَلَ الْأَوَّلَ عَلَى مَا إِذَا شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ مِنْ غَيْرِ مَسِيسِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ . وَهَذَا التَّفْسِيرُ ظَاهِرٌ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ، ثُمَّ الَّذِي يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَنْشَأُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ . وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ الثَّانِي عَلَى مَا إِذَا شَهِدَ عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ فَهُوَ خَيْرُ الشُّهُودِ ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَالَ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ رَفْعًا لِلتَّضَادِّ عَنِ الْأَخْبَارِ . وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ ، وَهُمَا حُكْمَانِ مُنْفَصِلَانِ نَظَرْتَ : هَلْ يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ السَّابِقِ وَالتَّالِي ؟ فَإِنْ تَمَيَّزَ أُوجِبَ الْمَصِيرُ إِلَى الْآخَرِ مِنْهُمَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية