الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الحديث الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا ، فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا ، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ ، . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . قَوْلُهُ : وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ ، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ ، يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْمَحْبُوبَ الْمُقَرَّبَ ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ خَاصَّةٌ تَقْتَضِي أَنَّهُ إِذَا سَأَلَ اللَّهَ شَيْئًا ، أَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، وَإِنِ اسْتَعَاذَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ ، أَعَاذَهُ مِنْهُ ، وَإِنْ دَعَاهُ ، أَجَابَهُ ، فَيَصِيرُ مُجَابَ الدَّعْوَةِ لِكَرَامَتِهِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ مَعْرُوفًا بِإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ . وَفِي " الصَّحِيحِ " أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِمُ الْأَرْشَ ، فَأَبَوْا ، فَطَلَبُوا مِنْهُمُ الْعَفْوَ ، فَأَبَوْا ، فَقَضَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ : أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا ، فَرَضِيَ الْقَوْمُ ، وَأَخَذُوا الْأَرْشَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مِنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ . وَفِي " صَحِيحِ الْحَاكِمِ " عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَمْ مِنْ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ ذِي طِمْرَيْنِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ، مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ ، وَأَنَّ الْبَرَاءَ لَقِيَ زَحْفًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ : اقْسِمْ عَلَى رَبِّكَ ، فَقَالَ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَبِّ لَمَا مَنَحْتَنَا أَكْتَافَهُمْ ، فَمَنَحَهُمْ أَكْتَافَهُمْ ، ثُمَّ الْتَقَوْا مَرَّةً أُخْرَى ، فَقَالُوا : أَقْسِمْ عَلَى رَبِّكَ ، فَقَالَ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَبِّ لَمَا مَنَحْتَنَا أَكْتَافَهُمْ ، وَأَلْحَقْتَنِي بِنَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمُنِحُوا أَكْتَافَهُمْ ، وَقُتِلَ الْبَرَاءُ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ قَوْقَلٍ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ : اللَّهُمَّ إِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ أَنْ أُقْتَلَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ ، فَقُتِلَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ النُّعْمَانَ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ فَأَبَرَّهُ . وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ : يَا رَبِّ ، إِذَا لَقِيتُ الْعَدُوَّ غَدًا ، فَلَقِّنِي رَجُلًا شَدِيدًا بَأْسُهُ ، شَدِيدًا حَرْدُهُ أُقَاتِلُهُ فِيكَ وَيُقَاتِلُنِي ، ثُمَّ يَأْخُذُنِي فَيَجْدَعُ أَنْفِي وَأُذُنِي ، فَإِذَا لَقِيَتُكَ غَدًا ، قُلْتَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ مَنْ جَدَعَ أَنْفَكَ وَأُذُنَكَ ؟ فَأَقُولُ : فِيكَ وَفِي رَسُولِكَ ، فَتَقُولُ : صَدَقْتَ ، قَالَ سَعْدٌ : لَقَدْ رَأَيْتُهُ آخِرَ النَّهَارِ ، وَإِنَّ أَنْفَهُ وَأُذُنَهُ لَمُعَلَّقَتَانِ فِي خَيْطٍ . وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ مُجَابَ الدَّعْوَةِ ، فَكَذَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ كَاذِبًا فَاعْمِ بَصَرَهُ ، وَأَطِلْ عُمُرَهُ ، وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ ، فَأَصَابَ الرَّجُلَ ذَلِكَ كُلُّهُ ، فَكَانَ يَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي السِّكَكِ وَيَقُولُ : شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ . وَدَعَا عَلَى رَجُلٍ سَمِعَهُ يَشْتُمُ عَلِيًّا ، فَمَا بَرِحَ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى جَاءَ بِعِيرٌ نَادٌّ ، فَخَبَطَهُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ حَتَّى قَتَلَهُ . وَنَازَعَتِ امْرَأَةٌ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ فِي أَرْضٍ لَهُ ، فَادَّعَتْ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهَا أَرْضَهَا ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً ، فَأَعْمِ بَصَرَهَا وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا ، فَعَمِيَتْ ، وَبَيْنَا هِيَ ذَاتَ لَيْلَةٍ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِي بِئْرٍ فِيهَا فَمَاتَتْ . وَكَانَ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فِي سَرِيَّةٍ ، فَعَطَشُوا فَصَلَّى ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ يَا عَلِيمٌ يَا حَلِيمٌ يَا عَلِيٌّ يَا عَظِيمٌ ، إِنَّا عَبِيدُكَ وَفِي سَبِيلِكَ نُقَاتِلُ عَدُوَّكَ ، فَاسْقِنَا غَيْثًا نَشْرَبُ مِنْهُ وَنَتَوَضَّأُ ، وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِيهِ نَصِيبًا غَيْرَنَا ، فَسَارُوا قَلِيلًا ، فَوَجَدُوا نَهْرًا مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ يَتَدَفَّقُ فَشَرِبُوا وَمَلَئُوا أَوْعِيَتَهُمْ ، ثُمَّ سَارُوا فَرَجَعَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إِلَى مَوْضِعِ النَّهْرِ ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مَوْضِعِهِ مَاءٌ قَطُّ . وَشُكِيَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَطَشَ أَرْضٍ بِالْبَصْرَةِ فَتَوَضَّأَ وَخَرَجَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ؛ وَدَعَا فَجَاءَ الْمَطَرُ فَسَقَى أَرْضَهُ ، وَلَمْ يُجَاوِزِ الْمَطَرُ أَرْضَهُ إِلَّا يَسِيرًا . وَاحْتَرَقَتْ خِصَاصٌ بِالْبَصْرَةِ فِي زَمَنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَبَقِيَ فِي وَسَطِهَا خُصٌّ لَمْ يَحْتَرِقْ ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِصَاحِبِ الْخُصِّ : مَا بَالُ خُصِّكَ لَمْ يَحْتَرِقْ ؟ فَقَالَ : إِنِّي أَقْسَمْتُ عَلَى رَبِّي أَنْ لَا يَحْرِقَهُ ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : فِي أُمَّتَيْ رِجَالٌ طُلْسٌ رُءُوسُهُمْ ، دُنْسٌ ثِيَابُهُمْ لَوْ أَقْسَمُوا عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُمْ . وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ مَشْهُورًا بِإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ ، فَكَانَ يَمُرُّ بِهِ الظَّبْيُ ، فَيَقُولُ لَهُ الصِّبْيَانُ : ادْعُ اللَّهَ لَنَا أَنْ يَحْبِسَ عَلَيْنَا هَذَا الظَّبْيَ ، فَيَدْعُو اللَّهَ ، فَيَحْبِسُهُ حَتَّى يَأْخُذُوهُ بِأَيْدِيهِمْ . وَدَعَا عَلَى امْرَأَةٍ أَفْسَدَتْ عَلَيْهِ عِشْرَةَ امْرَأَتِهِ لَهُ بِذَهَابِ بَصَرِهَا ، فَذَهَبَ بَصَرُهَا فِي الْحَالِ ، فَجَاءَتْهُ ، فَجَعَلَتْ تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَتَطْلُبُ إِلَيْهِ ، فَرَحِمَهَا وَدَعَا اللَّهُ فَرَدَّ عَلَيْهَا بَصَرَهَا ، وَرَجَعَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى حَالِهَا مَعَهُ . وَكَذَبَ رَجُلٌ عَلَى مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، فَقَالَ لَهُ مُطَرِّفٌ : إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا ، فَعَجَّلَ اللَّهُ حَتْفَكَ ، فَمَاتَ الرَّجُلُ مَكَانَهُ . وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ يَغْشَى مَجْلِسَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، فَيُؤْذِيهِمْ ، فَلَمَّا زَادَ أَذَاهُ ، قَالَ الْحَسَنُ : اللَّهُمَّ قَدْ عَمِلْتَ أَذَاهُ لَنَا ، فَاكْفِنَاهُ بِمَا شِئْتَ ، فَخَرَّ الرَّجُلُ مِنْ قَامَتِهِ ، فَمَا حُمِلَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا مَيِّتًا عَلَى سَرِيرِهِ . وَكَانَ صِلَةُ بْنُ أَشْيَمَ فِي سَرِيَّةٍ ، فَذَهَبَتْ بَغْلَتُهُ بِثِقَلِهَا ، وَارْتَحَلَ النَّاسُ ، فَقَامَ يُصَلِّي ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ أَنْ تَرُدَّ عَلَيَّ بَغْلَتِي وَثِقَلَهَا ، فَجَاءَتْ حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ . وَكَانَ مَرَّةً فِي بَرِّيَّةٍ فَقَرَأَ فَجَاعَ ، فَاسْتَطْعَمَ اللَّهَ ، فَسَمِعَ وَجْبَةً خَلْفَهُ ، فَإِذَا هُوَ بِثَوْبٍ أَوْ مَنْدِيلٍ فِيهِ دَوْخَلَةُ رُطُبٍ طَرِيٍّ ، فَأَكَلَ مِنْهُ ، وَبَقِيَ الثَّوْبُ عِنْدَ امْرَأَتِهِ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةَ ، وَكَانَتْ مِنَ الصَّالِحَاتِ . وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ فِي غَزَاةٍ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ رُفَقَائِهِ : أَشْتَهِي جُبْنًا رَطْبًا ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ : اسْتَطْعِمُوا اللَّهَ يُطْعِمْكُمْ ، فَإِنَّهُ الْقَادِرُ ، فَدَعَا الْقَوْمُ ، فَلَمْ يَسِيرُوا إِلَّا قَلِيلًا ، حَتَّى رَأَوْا مِكْتَلًا مَخِيطًا ، فَإِذَا هُوَ جُبْنٌ رَطْبٌ ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : لَوْ كَانَ عَسَلًا فَقَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ : إِنَّ الَّذِي أَطْعَمَكُمْ جُبْنًا رَطْبًا هَاهُنَا قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُطْعِمَكُمْ عَسَلًا ، فَاسْتَطْعَمُوهُ ، فَدَعَوْا ، فَسَارُوا قَلِيلًا ، فَوَجَدُوا ظَرْفَ عَسَلٍ عَلَى الطَّرِيقِ ، فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا . وَكَانَ حَبِيبٌ الْعَجَمِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ مَعْرُوفًا بِإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ ؛ دَعَا لِغُلَامٍ أَقْرَعَ الرَّأْسِ ، وَجَعَلَ يَبْكِي وَيَمْسَحُ بِدُمُوعِهِ رَأْسَ الْغُلَامِ ، فَمَا قَامَ حَتَّى اسْوَدَّ رَأْسُهُ ، وَعَادَ كَأَحْسَنِ النَّاسِ شَعْرًا . وَأُتِيَ بِرَجُلٍ زَمِنٍ فِي مَحْمَلٍ فَدَعَا لَهُ ، فَقَامَ الرَّجُلُ عَلَى رِجْلَيْهِ ، فَحَمَلَ مَحْمِلَهُ عَلَى عُنُقِهِ ، وَرَجَعَ إِلَى عِيَالِهِ . وَاشْتَرَى فِي مَجَاعَةٍ طَعَامًا كَثِيرًا ، فَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، ثُمَّ خَاطَ أَكْيِسَةً ، فَوَضَعَهَا تَحْتَ فِرَاشِهِ ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ ، فَجَاءَهُ أَصْحَابُ الطَّعَامِ يَطْلُبُونَ ثَمَنَهُ ، فَأَخْرَجَ تِلْكَ الْأَكْيِسَةَ ، فَإِذَا هِيَ مَمْلُوءَةٌ دَرَاهِمُ ، فَوَزَنَهَا ، فَإِذَا هِيَ قَدْرَ حُقُوقِهِمْ ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِمْ . وَكَانَ رَجُلٌ يَعْبَثُ بِهِ كَثِيرًا ، فَدَعَا عَلَيْهِ حَبِيبٌ فَبَرِصَ . وَكَانَ مَرَّةً عِنْدَ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ، فَجَاءَ رَجُلٌ ، فَأَغْلَظَ لِمَالِكٍ مِنْ أَجْلِ دَرَاهِمَ قَسَّمَهَا مَالِكٌ ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ ، رَفَعَ حَبِيبٌ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا قَدْ شَغَلَنَا عَنْ ذِكْرِكَ ، فَأَرِحْنَا مِنْهُ كَيْفَ شِئْتَ ، فَسَقَطَ الرَّجُلُ عَلَى وَجْهِهِ مَيِّتًا . وَخَرَجَ قَوْمٌ فِي غَزَاةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَكَانَ لِبَعْضِهِمْ حِمَارٌ ، فَمَاتَ وَارْتَحَلَ أَصْحَابُهُ ، فَقَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي خَرَجْتُ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِكَ ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ تُحْيِي الْمَوْتَى ، وَتَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ، فَأَحْيِ لِي حِمَارِي ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْحِمَارِ فَضَرَبَهُ ، فَقَامَ الْحِمَارُ يَنْفُضُ أُذُنَيْهِ ، فَرَكِبَهُ وَلَحِقَ أَصْحَابَهُ ، ثُمَّ بَاعَ الْحِمَارَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْكُوفَةِ . وَخَرَجَتْ سَرِيَّةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَأَصَابَهُمْ بَرْدٌ شَدِيدٌ حَتَّى كَادُوا أَنْ يَهْلِكُوا ، فَدَعَوُا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى جَانِبِهِمْ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ ، فَإِذَا هِيَ تَلْتَهِبُ نَارًا ، فَجَفَّفُوا ثِيَابَهُمْ ، وَدَفِئُوا بِهَا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِمْ ، فَانْصَرَفُوا وَرُدَّتِ الشَّجَرَةُ إِلَى هَيْئَتِهَا . وَخَرَجَ أَبُو قِلَابَةَ [ صَائِمًا ] حَاجًّا فَتَقَدَّمَ أَصْحَابُهُ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ ، فَأَصَابَهُ عَطَشٌ شَدِيدٌ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ تُذْهِبَ عَطَشِي مِنْ غَيْرِ فِطْرٍ ، فَأَظَلَّتْهُ سَحَابَةٌ ، فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَّتْ ثَوْبَهُ ، وَذَهَبَ الْعَطَشُ عَنْهُ ، فَنَزَلَ فَحَوَّضَ حِيَاضًا فَمَلْأَهَا ، فَانْتَهَى إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَشَرِبُوا ، وَمَا أَصَابَ أَصْحَابَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَطَرِ شَيْءٌ . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا ، وَيَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهُ . وَأَكْثَرُ مَنْ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ مِنَ السَّلَفِ كَانَ يَصْبِرُ عَلَى الْبَلَاءِ ، وَيَخْتَارُ ثَوَابَهُ ، وَلَا يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِالْفَرَجِ مِنْهُ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ يَدْعُو لِلنَّاسِ لِمَعْرِفَتِهِمْ لَهُ بِإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ ، فَقِيلَ لَهُ : لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ لِبَصَرِكَ ، وَكَانَ قَدْ أُضِرَّ ، فَقَالَ : قَضَاءُ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ بَصَرِي . وَابْتُلِيَ بَعْضُهُمْ بِالْجُذَامِ ، فَقِيلَ لَهُ : بَلَغَنَا أَنَّكَ تَعْرِفُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمِ ، فَلَوْ سَأَلْتَهُ أَنْ يَكْشِفَ مَا بِكَ ؟ فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، إِنَّهُ هُوَ الَّذِي ابْتَلَانِي ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أُرَادَّهُ . وَقِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ - وَهُوَ فِي سِجْنِ الْحَجَّاجِ - لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ تَعَالَى ، فَقَالَ : أَكْرَهُ أَنْ أَدْعُوَهُ أَنْ يُفَرِّجَ عَنِّي مَا لِي فِيهِ أَجْرٌ . وَكَذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ صَبَرَ عَلَى أَذَى الْحَجَّاجِ حَتَّى قَتَلَهُ ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ ؛ كَانَ لَهُ دِيكٌ يَقُومُ بِاللَّيْلِ بِصِيَاحِهِ لِلصَّلَاةِ فَلَمْ يَصِحْ لَيْلَةً فِي وَقْتِهِ ، فَلَمْ يَقُمْ سَعِيدٌ لِلصَّلَاةِ فَشُقَّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا لَهُ ؟ قُطِعَ صَوْتُهُ ، فَمَا صَاحَ الدِّيكُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ : يَا بُنَيَّ لَا تَدْعُ بَعْدَ هَذَا عَلَى شَيْءٍ . وَذُكِرَ لِرَابِعَةَ رَجُلٌ لَهُ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ اللَّهِ ، وَهُوَ يَقْتَاتُ بِمَا يَلْتَقِطُهُ مِنَ الْمَنْبُوذَاتِ عَلَى الْمَزَابِلِ ، فَقَالَ رَجُلٌ : مَا ضَرَّ هَذَا أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يُغْنِيَهُ عَنْ هَذَا ؟ فَقَالَتْ رَابِعَةُ : إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِذَا قَضَى اللَّهُ لَهُمْ قَضَاءً لَمْ يَتَسَخَّطُوهُ . وَكَانَ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ضَيِّقَ الْعَيْشِ جِدًّا ، فَقِيلَ لَهُ : لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْكَ ، فَأَخَذَ حَصَاةً مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا ذَهَبًا ، فَصَارَتْ تِبْرَةً فِي كَفِّهِ ، وَقَالَ : مَا خَيْرٌ فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْآخِرَةُ ، ثُمَّ قَالَ : هُوَ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ . وَرُبَّمَا دَعَا الْمُؤْمِنُ الْمُجَابُ الدَّعْوَةِ بِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ الْخِيرَةَ لَهُ فِي غَيْرِهِ ، فَلَا يُجِيبُهُ إِلَى سُؤَالِهِ ، وَيُعَوِّضُهُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ إِمَّا فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَرْفُوعِ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ يَسْأَلُنِي بَابًا مِنَ الْعِبَادَةِ ، فَأَكُفُّهُ كَيْلَا يَدْخُلَهُ الْعُجْبُ . وَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ ثَوْبَانَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مِنْ لَوْ جَاءَ أَحَدُكُمْ يَسْأَلُهُ دِينَارًا لَمْ يُعْطِهِ ، وَلَوْ سَأَلَهُ دِرْهَمًا لَمْ يُعْطِهِ ، وَلَوْ سَأَلَهُ فِلْسًا لَمْ يُعْطِهُ ، وَلَوْ سَأَلَ اللَّهُ الْجَنَّةَ لَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا ذُو طِمْرَيْنِ لَا يَؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ . وَخَرَّجَهُ غَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ مُرْسَلًا ، وَزَادَ فِيهِ : وَلَوْ سَأَلَ اللَّهَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا مَا أَعْطَاهُ تَكْرِمَةً لَهُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية