الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الحديث الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ . حَدِيثٌ حَسَنٌ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ هَكَذَا ، وَبَعْضُهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةُ فِي تَفْسِيرِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ . فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْمُدَّعِي : هُوَ الَّذِي يُخَلَّى وَسُكُوتَهُ مِنَ الْخَصْمَيْنِ ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ : مَنْ لَا يُخْلَى وَسُكُوتَهُ مِنْهُمَا . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْمُدَّعِي مَنْ يَطْلُبُ أَمْرًا خَفِيًّا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ أَوِ الظَّاهِرِ ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ . وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةً ، وَهِيَ إِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ الْكَافِرَانِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، ثُمَّ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ الزَّوْجُ : أَسْلَمْنَا مَعًا ، فَنِكَاحُنَا بَاقٍ ، وَقَالَتِ الزَّوْجَةُ : بَلْ سَبَقَ أَحَدُنَا إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَالنِّكَاحُ مُنْفَسِخٌ ، فَإِنْ قُلْنَا : الْمُدَّعِي يُخَلَّى وَسُكُوتَهُ ، فَالْمَرْأَةُ هِيَ الْمُدَّعِي ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجِ ، لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ؛ إِذْ لَا يُخَلَّى وَسُكُوتَهُ ، وَإِنْ قُلْنَا : الْمُدَّعِي مَنْ يَدَّعِي أَمْرًا خَفِيًّا ، فَالْمُدَّعِي هُنَا هُوَ الزَّوْجُ ، إِذِ التَّقَارُنُ فِي الْإِسْلَامِ خِلَافُ الظَّاهِرِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا . وَأَمَّا الْأَمِينُ إِذَا ادَّعَى التَّلَفَ ، كَالْمُودِعِ إِذَا ادَّعَى تَلَفَ الْوَدِيعَةِ ، فَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ مُدَّعٍ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ يُخَالِفُ مَا ادَّعَاهُ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى بَيِّنَةٍ ، لِأَنَّ الْمُودِعَ ائْتَمَنَهُ ، وَالِائْتِمَانُ يَقْتَضِي قَبُولَ قَوْلِهِ . وَقِيلَ : إِنَّ الْمُدَّعِيَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ هُوَ الْمُدَّعِي ، لِيُعْطَى بِدَعْوَاهُ مَالَ قَوْمٍ أَوْ دِمَاءَهُمْ ، كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ ، فَأَمَّا الْأَمِينُ ، فَلَا يَدَّعِي لِيُعْطَى شَيْئًا ، وَقِيلَ : بَلْ هُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ إِذَا سَكَتَ ، لَمْ يُتْرَكْ ، بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ رَدِّ الْجَوَابِ ، وَالْمُودِعُ مُدَّعٍ ، لِأَنَّهُ إِذَا سَكَتَ تُرِكَ ؛ وَلَوِ ادَّعَى الْأَمِينُ رَدَّ الْأَمَانَةِ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ ، فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ أَيْضًا كَدَعْوَى التَّلَفِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ : إِنْ ثَبَتَ قَبْضُهُ لِلْأَمَانَةِ بِبَيِّنَةٍ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ بِدُونِ الْبَيِّنَةِ ، وَوَجَّهَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى دَفْعِ الْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ بِالْبَيِّنَةِ وَاجِبٌ ، فَيَكُونُ تَرْكُهُ تَفْرِيطًا ، فَيَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فِي دَفْعِ مَالِ الْيَتِيمِ إِلَيْهِ : لَا بُدَّ لَهُ مِنْ بَيِّنَةٍ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ وَاجِبًا . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي أَبَدًا ، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَبَدًا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَوَافَقَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ كَالْبُخَارِيِّ ، وَطَرَدُوا ذَلِكَ فِي كُلِّ دَعْوَى ، حَتَّى فِي الْقَسَامَةِ ، وَقَالُوا : لَا يَحْلِفُ إِلَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَرَأَوْا أَنْ لَا يُقْضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَكُونُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَرَأَوْا أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُرَدَّ عَلَى الْمُدَّعِي ، لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا فِي جَانِبِ الْمُنْكِرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . وَاسْتَدَلُّوا فِي مَسْأَلَةِ الْقَسَامَةِ بِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا ، فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَأْتُونِي بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ ، قَالُوا : مَا لَنَا بَيِّنَةٌ ، قَالَ : فَيَحْلِفُونَ قَالُوا : لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُطَلَّ دَمُهُ ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مُخْتَصَرًا وَلَمْ يُتِمَّهُ ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تُعَارِضُ رِوَايَةَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فَذَكَرَ قِصَّةَ الْقَتِيلِ ، وَقَالَ فِيهِ : فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَيَدْفَعُ بِرُمَّتِهِ ، وَهَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ الثَّابِتَةُ الْمُخَرَّجَةُ بِلَفْظِهَا بِكَمَالِهَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " . وَقَدْ ذَكَرَ الْأَئِمَّةُ الْحُفَّاظُ أَنَّ رِوَايَةَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيِّ ، فَإِنَّهُ أَجَلُّ وَأَعْلَمُ وَأَحْفَظُ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِحَدِيثِهِمْ مِنَ الْكُوفِيِّينَ . وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُخَالَفَةَ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَنَفَضَ يَدَهُ ، وَقَالَ : ذَاكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، رَوَاهُ عَلَى مَا يَقُولُ الْكُوفِيُّونَ ، وَقَالَ : أَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ الْمَدِينِينَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ سَعِيدَ بْنَ عُبَيْدٍ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ ، وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ " التَّمْيِيزِ " لَمْ يَحْفَظْهُ سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَلَى وَجْهِهِ ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَخْبَارِ فِيهَا سُؤَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمْ قَسَامَةَ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُمُ الْبَيِّنَةَ ، وَتَرَكَ سَعِيدٌ الْقَسَامَةَ ، وَتَوَاطُؤُ الْأَخْبَارِ بِخِلَافِهِ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالْغَلَطِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ : هَذِهِ رِوَايَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ ، وَرِوَايَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْهُ أَثْبَتُ ، وَهُمْ بِهِ أَقْعَدُ ، وَنَقْلُهُمْ أَصَحُّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ . قُلْتُ : وَسَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ اخْتَصَرَ قِصَّةَ الْقَسَامَةَ ، وَهِيَ مَحْفُوظَةٌ فِي الْحَدِيثِ ، فَقَدْ خَرَّجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَبَ مِنْ وَلِيِّ الْقَتِيلِ شَاهِدَيْنِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ ، فَقَالَ : وَمِنْ أَيْنَ أُصِيبُ شَاهِدَيْنِ ؟ قَالَ : فَتَحْلِفُ خَمْسِينَ قَسَامَةً قَالَ : كَيْفَ أَحْلِفُ عَلَى مَا لَمْ أَعْلَمْ ؟ قَالَ : فَتَسْتَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسِينَ قَسَامَةً فَهَذَا الْحَدِيثُ يَجْمَعُ بَيْنَ رِوَايَتَيْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا تَرَكَ بَعْضِ الْقِصَّةِ ، فَتَرَكَ سَعِيدٌ ذِكْرَ قَسَامَةِ الْمُدَّعِينَ ، وَتَرَكَ يَحْيَى ذِكْرَ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ طَلَبِ الْقَسَامَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية