الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الحديث الْحَدِيثُ الثَّانِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ، وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْإِسْلَامُ : أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا " . قَالَ : صَدَقْتَ ، قَالَ : فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ . قَالَ : " أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ، وَمَلَائِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ " . قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ ، قَالَ : " أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ " . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ ؟ . قَالَ : " مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ " . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا ؟ . قَالَ : " أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا ، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ " . ثُمَّ انْطَلَقَ ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ، ثُمَّ قَالَ لِي : " يَا عُمَرُ ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ ؟ . قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ " . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ السُّنَّةِ : هَلْ يُسَمَّى مُؤْمِنًا نَاقِصَ الْإِيمَانِ ، أَوْ يُقَالُ : لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ، لَكِنَّهُ مُسْلِمٌ ، عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ . وَأَمَّا اسْمُ الْإِسْلَامِ ، فَلَا يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضِ وَاجِبَاتِهِ ، أَوِ انْتِهَاكِ بَعْضِ مُحَرَّمَاتِهِ ، وَإِنَّمَا يُنْفَى بِالْإِتْيَانِ بِمَا يُنَافِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ نَفْيُ الْإِسْلَامِ عَمَّنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ ، كَمَا يُنْفَى الْإِيمَانُ عَمَّنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ إِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَى فِعْلِ بَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَإِطْلَاقُ النِّفَاقِ أَيْضًا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ : هَلْ يُسَمَّى مُرْتَكِبُ الْكَبَائِرِ كَافِرًا كُفْرًا أَصْغَرَ أَوْ مُنَافِقًا النِّفَاقَ الْأَصْغَرَ ، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَجَازَ إِطْلَاقَ نَفْيِ اسْمِ الْإِسْلَامِ عَنْهُ ، إِلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا تَارِكُ الزَّكَاةِ بِمُسْلِمٍ . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَرَاهُ كَافِرًا بِذَلِكَ ، خَارِجًا مِنَ الْإِسْلَامِ . وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِيمَنْ تَمَكَّنَ مِنَ الْحَجِّ ، وَلَمْ يَحُجَّ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ كُفْرَهُمْ ، وَلِهَذَا أَرَادَ أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ يَقُولُ : لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ بَعْدُ ، فَهُمْ مُسْتَمِرُّونَ عَلَى كِتَابِيَّتِهِمْ . وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ اسْمَ الْإِسْلَامِ لَا يَنْتَفِي إِلَّا بِوُجُودِ مَا يُنَافِيهِ ، وَيَخْرُجُ عَنِ الْمِلَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَاسْمُ الْإِسْلَامِ إِذَا أُطْلِقَ أَوِ اقْتَرَنَ بِهِ الْمَدْحُ ، دَخَلَ فِيهِ الْإِيمَانُ كُلُّهُ مِنَ التَّصْدِيقِ وَغَيْرِهِ ، كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ . وَخَرَّجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً ، فَغَارَتْ عَلَى قَوْمٍ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِنِّي مُسْلِمٌ ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنَ السَّرِيَّةِ فَنُمِيَ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا ، فَقَالَ الرَّجُلُ : إِنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذًا مِنَ الْقَتْلِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ أَبَى عَلَيَّ أَنْ أَقْتُلَ مُؤْمِنًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . فَلَوْلَا أَنَّ الْإِسْلَامَ الْمُطْلَقَ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِيمَانُ وَالتَّصْدِيقُ بِالْأُصُولِ الْخَمْسَةِ ، لَمْ يَصِرْ مَنْ قَالَ : أَنَا مُسْلِمٌ مُؤْمِنًا بِمُجَرَّدِ هَذَا الْقَوْلِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَلِكَةِ سَبَأٍ أَنَّهَا دَخَلَتْ فِي الْإِسْلَامِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ : قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( النَّمْلِ : 44 ) ، وَأَخْبَرَ ، عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ دَعَا بِالْمَوْتِ عَلَى الْإِسْلَامِ . وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ الْمُطْلَقَ يَدْخُلُ فِيهِ مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ مِنَ التَّصْدِيقِ . وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ؛ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَدِيُّ ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ ، قُلْتُ : وَمَا الْإِسْلَامُ ؟ قَالَ : تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، وَتُؤْمِنُ بِالْأَقْدَارِ كُلِّهَا خَيْرِهَا وَشَرِّهَا ، وَحُلْوِهَا وَمُرِّهَا فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ مِنَ الْإِسْلَامِ . ثُمَّ إِنَّ الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ خِصَالِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ نِزَاعٍ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْإِتْيَانَ بِلَفْظِهِمَا دُونَ التَّصْدِيقِ بِهِمَا ، فَعُلِمَ أَنَّ التَّصْدِيقَ بِهِمَا دَاخِلٌ فِي الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ فَسَّرَ الْإِسْلَامَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ( آلِ عِمْرَانَ : 19 ) بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّصْدِيقِ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ ، مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ . وَأَمَّا إِذَا نُفِيَ الْإِيمَانُ عَنْ أَحَدٍ ، وَأُثْبِتَ لَهُ الْإِسْلَامُ ، كَالْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُمْ رُسُوخُ الْإِيمَانِ فِي الْقَلْبِ ، وَتَثْبُتُ لَهُمُ الْمُشَارَكَةُ فِي أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ مَعَ نَوْعِ إِيمَانٍ يُصَحِّحُ لَهُمُ الْعَمَلَ ، إِذْ لَوْلَا هَذَا الْقَدْرُ مِنَ الْإِيمَانِ ، لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا نُفِيَ عَنْهُمُ الْإِيمَانُ ، لِانْتِفَاءِ ذَوْقِ حَقَائِقِهِ ، وَنَقْصِ بَعْضِ وَاجِبَاتِهِ ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّصْدِيقَ الْقَائِمَ بِالْقُلُوبِ مُتَفَاضِلٌ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، فَإِنَّ إِيمَانَ الصِّدِّيقِينَ الَّذِينَ يَتَجَلَّى الْغَيْبُ لِقُلُوبِهِمْ حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ شَهَادَةٌ ، بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ وَلَا الِارْتِيَابَ ، لَيْسَ كَإِيمَانِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ بِحَيْثُ لَوْ شُكِّكَ لَدَخَلَهُ الشَّكُّ . وَلِهَذَا جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْتَبَةَ الْإِحْسَانِ أَنْ يَعْبُدَ الْعَبْدُ رَبَّهُ كَأَنَّهُ يَرَاهُ ، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ لِعُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُهُمْ : مَا سَبَقَكُمْ أَبُو بَكْرٍ بِكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ ، وَلَكِنْ بِشَيْءٍ وَقَرَ فِي صَدْرِهِ . وَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ : هَلْ كَانَتِ الصَّحَابَةُ يَضْحَكُونَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ وَالْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ أَمْثَالُ الْجِبَالِ . فَأَيْنَ هَذَا مِمَّنِ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً أَوْ شُعَيْرَةً ؟ ! كَالَّذِينِ يَخْرُجُونَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنَ النَّارِ ، فَهَؤُلَاءِ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : لَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ لِضَعْفِهِ عِنْدَهُمْ . وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ - أَعْنِي مَسَائِلَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ - مَسَائِلُ عَظِيمَةٌ جِدًّا ، فَإِنَّ اللَّهَ عَلَّقَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ ، وَاسْتِحْقَاقَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَالِاخْتِلَافَ فِي مُسَمَّيَاتِهَا أَوَّلَ اخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَهُوَ خِلَافُ الْخَوَارِجِ لِلصَّحَابَةِ ، حَيْثُ أَخْرَجُوا عُصَاةَ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَأَدْخَلُوهُمْ فِي دَائِرَةِ الْكُفْرِ ، وَعَامَلُوهُمْ مُعَامَلَةَ الْكَفَّارِ ، وَاسْتَحَلُّوا بِذَلِكَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ ، ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَهُمْ خِلَافُ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَوْلُهُمْ بِالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ ، ثُمَّ حَدَثَ خِلَافُ الْمُرْجِئَةِ ، وَقَوْلُهُمْ : إِنَّ الْفَاسِقَ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ تَصَانِيفَ مُتَعَدِّدَةً ، وَمِمَّنْ صَنَّفَ فِي الْإِيمَانِ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ : الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ الطُّوسِيُّ . وَكَثُرَتْ فِيهِ التَّصَانِيفُ بَعْدَهُمْ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَاهُنَا نُكْتَةً جَامِعَةً لِأُصُولٍ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهَا ، وَفِيهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - كِفَايَةٌ . فَصْلٌ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَعْمَالَ تَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْإِسْلَامِ وَمُسَمَّى الْإِيمَانِ أَيْضًا ، وَذَكَرْنَا مَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ ، وَيَدْخُلُ فِي مُسَمَّاهَا أَيْضًا أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ الْبَاطِنَةِ . فَيَدْخُلُ فِي أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ إِخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ ، وَالنُّصْحُ لَهُ وَلِعِبَادِهِ ، وَسَلَامَةُ الْقَلْبِ لَهُمْ مِنَ الْغِشِّ وَالْحَسَدِ وَالْحِقْدِ ، وَتَوَابِعِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذَى . وَيَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ وَجَلُ الْقُلُوبِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَخُشُوعُهَا عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ وَكِتَابِهِ ، وَزِيَادَةُ الْإِيمَانِ بِذَلِكَ ، وَتَحْقِيقُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ ، وَخَوْفُ اللَّهِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ، وَالرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا ، وَاخْتِيَارُ تَلَفِ النُّفُوسِ بِأَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْآلَامِ عَلَى الْكُفْرِ ، وَاسْتِشْعَارُ قُرْبِ اللَّهِ مِنَ الْعَبْدِ ، وَدَوَامُ اسْتِحْضَارِهِ ، وَإِيثَارُ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى مَحَبَّةِ مَا سِوَاهُمَا ، وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِيهِ ، وَالْعَطَاءُ ، لَهُ وَالْمَنْعُ لَهُ ، وَأَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ لَهُ ، وَسَمَاحَةُ النُّفُوسِ بِالطَّاعَةِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ ، وَالِاسْتِبْشَارُ بِعَمَلِ الْحَسَنَاتِ ، وَالْفَرَحُ بِهَا ، وَالْمَسَاءَةُ بِعَمَلِ السَّيِّئَاتِ وَالْحُزْنُ عَلَيْهَا ، وَإِيثَارُ الْمُؤْمِنِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، وَكَثْرَةُ الْحَيَاءِ ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ ، وَمَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ لِإِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمُوَاسَاةُ الْمُؤْمِنِينَ ، خُصُوصًا الْجِيرَانَ ، وَمُعَاضَدَةُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمُنَاصَرَتُهُمْ ، وَالْحُزْنُ بِمَا يُحْزِنُهُمْ . وَلْنَذْكُرْ بَعْضَ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ : فَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي دُخُولِهِ فِي اسْمِ الْإِسْلَامِ ، فَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " وَ " النَّسَائِيِّ " ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بِالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، مَا الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ ؟ قَالَ : الْإِسْلَامُ قُلْتُ : وَمَا الْإِسْلَامُ ؟ قَالَ : أَنْ تُسْلِمَ قَلْبَكَ لِلَّهِ ، وَأَنْ تُوَجِّهَ وَجْهَكَ إِلَى اللَّهِ ، وَتُصَلِّي الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : قُلْتُ : وَمَا آيَةُ الْإِسْلَامِ ؟ فَقَالَ : أَنْ تَقُولَ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ، وَتَخَلَّيْتُ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَكُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ . وَفِي السُّنَنِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : فِي خُطْبَتِهِ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى : ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ : إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ ، فَأَخْبَرَ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَ الْخِصَالَ تَنْفِي الْغِلَّ ، عَنْ قَلْبِ الْمُسْلِمِ . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ . وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ، فَلَا يَظْلِمُهُ ، وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ : دَمُهُ ، وَمَالُهُ ، وَعِرْضُهُ . وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي دُخُولِهِ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ ، فَمِثْلُ قَوْلِهِ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ( الْأَنْفَالِ : 2 - 3 ) وَقَوْلِهِ : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ( الْحَدِيدِ : 16 ) . وَقَوْلِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ، وَقَوْلِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( الْمَائِدَةِ : 23 ) ، وَقَوْلِهِ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( آلِ عِمْرَانَ : 175 ) . وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا . وَالرِّضَا بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَتَضَمَّنُ الرِّضَا بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَبِالرِّضَا بِتَدْبِيرِهِ لِلْعَبْدِ وَاخْتِيَارِهِ لَهُ . وَالرِّضَا بِالْإِسْلَامِ دِينًا يَتَضَمَّنُ اخْتِيَارَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ . وَالرِّضَا بِمُحَمَّدٍ رَسُولًا يَتَضَمَّنُ الرِّضَا بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَقَبُولِ ذَلِكَ بِالتَّسْلِيمِ وَالِانْشِرَاحِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ( النِّسَاءِ : 65 ) . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ . وَفِي رِوَايَةٍ : وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ طَعْمِ الْإِيمَانِ . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ طَعْمَ الْإِيمَانِ وَحَلَاوَتَهُ . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ ، وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْإِيمَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ تَحْتَرِقَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ ، وَأَنْ تُحِبَّ غَيْرَ ذِي نَسَبٍ لَا تُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ دَخَلَ حُبُّ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِكَ ، كَمَا دَخَلَ حُبُّ الْمَاءِ لِلظَّمْآنِ فِي الْيَوْمِ الْقَائِظِ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ لِي بِأَنْ أَعْلَمَ أَنِّي مُؤْمِنٌ ؟ قَالَ : مَا مِنْ أُمَّتِي - أَوْ هَذِهِ الْأُمَّةِ - عَبْدٌ يَعْمَلُ حَسَنَةً فَيَعْلَمُ أَنَّهَا حَسَنَةً ، وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُجَازِيهِ بِهَا خَيْرًا ، وَلَا يَعْمَلُ سَيِّئَةً فَيَعْلَمُ أَنَّهَا سَيِّئَةً ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهَا ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُهَا إِلَّا هُوَ ، إِلَّا وَهُوَ مُؤْمِنٌ . وَفِي " الْمُسْنَدِ " وَغَيْرِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ . وَفِي " مُسْنَدِ بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ " عَنْ رَجُلِ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : صَرِيحُ الْإِيمَانِ إِذَا أَسَأْتَ ، أَوْ ظَلَمْتَ أَحَدًا : عَبْدَكَ أَوْ أَمَتَكَ ، أَوْ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ ، صُمْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ ، وَإِذَا أَحْسَنْتَ اسْتَبْشَرْتَ . وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ : الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ، وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالَّذِي يَأْمَنُهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، ثُمَّ الَّذِي إِذَا أَشْرَفَ عَلَى طَمَعٍ ، تَرَكَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْإِسْلَامُ ؟ قَالَ : طِيبُ الْكَلَامِ ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ . فَقُلْتُ : مَا الْإِيمَانُ ؟ قَالَ : الصَّبْرُ وَالسَّمَاحَةُ . قُلْتُ : أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ . قُلْتُ : أَيُّ الْإِيمَانِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : خُلُقٌ حَسَنٌ . وَقَدْ فَسَّرَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ الصَّبْرَ وَالسَّمَاحَةَ ، فَقَالَ هُوَ الصَّبْرُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ ، وَالسَّمَاحَةُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَفِي " التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ " عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ، وَخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَخَرَّجَهُ الْبَزَّارُ فِي " مُسْنَدِهِ " مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْغَاضِرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ ، فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الْإِيمَانِ : مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ فِي كُلِّ عَامٍ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ : فَقَالَ رَجُلٌ : وَمَا تَزْكِيَةُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ أَوَّلَ الْحَدِيثِ دُونَ آخِرِهِ . وَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ أَفْضَلَ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُ كُنْتَ . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ . وَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ . وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ( الْحُجُرَاتِ : 10 ) . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ . وَفِي رِوَايَةٍ أَيْضًا : الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ ، اشْتَكَى كُلُّهُ ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ . وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُؤْمِنُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ ، يَأْلَمُ الْمُؤْمِنُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ كَمَا يَأْلَمُ الْجَسَدُ لِمَا فِي الرَّأْسِ . وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ ، الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ ، يَكُفُّ عَنْهُ ضَيْعَتَهُ ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ . وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ ، قَالُوا : مَنْ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ! قَالَ : مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ . وَخَرَّجَ " الْحَاكِمُ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ . وَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ ، وَأَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ ، زَادَ أَحْمَدُ : وَأَنْكَحَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانَهُ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ : أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ أَفْضَلِ الْإِيمَانِ ، فَقَالَ : أَنْ تُحِبَّ لِلَّهِ وَتَبْغَضَ لِلَّهِ ، وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ ، فَقَالَ وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : وَأَنْ تَقُولَ خَيْرًا أَوْ تَصْمُتَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ كَثْرَةَ ذِكْرِ اللَّهِ مِنْ أَفْضَلِ الْإِيمَانِ . وَخَرَّجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَسْتَحِقُّ الْعَبْدُ صَرِيحَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِلَّهِ ، وَيُبْغِضَ لِلَّهِ ، فَإِذَا أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ ، فَقَدِ اسْتَحَقَّ الْوِلَايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . وَخَرَّجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ ، وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَحِبَّ فِي اللَّهِ ، وَأَبْغِضْ فِي اللَّهِ ، وَوَالِ فِي اللَّهِ ، وَعَادِ فِي اللَّهِ ، فَإِنَّمَا تُنَالُ وِلَايَةُ اللَّهِ بِذَلِكَ ، وَلَنْ يَجِدَ عَبْدٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ - وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ - حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ صَارَتْ عَامَّةُ مُؤَاخَاةِ النَّاسِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا ، وَذَلِكَ لَا يُجْدِي عَلَى أَهْلِهِ شَيْئًا . خَرَّجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية