الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 2760 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ، وَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا وَقَالَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ ، أَشْعَثَ ، أَغْبَرَ ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ : يَا رَبِّ ! يَا رَبِّ ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ؟ ! رَوَاهُ مُسْلِمٌ . مرقاة المفاتيح 2760 - ( وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ ) : أَيْ : مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ ، وَمُتَّصِفٌ بِالْكِمَالَاتِ مِنَ النُّعُوتِ ( لَا يَقْبَلُ ) : أَيْ : مِنَ الصَّدَقَاتِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ ( إِلَّا طَيَّبًا ) : أَيْ : مُنَزَّهًا عَنِ الْعُيُوبِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ فِي النِّيَّةِ . قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ : الطَّيِّبُ ضِدُّ الْخَبِيثِ ، فَإِذَا وُصِفَ بِهِ - تَعَالَى - أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ ، مُقَدَّسٌ عَنِ الْآفَاتِ ، وَإِذَا وُصِفَ بِهِ الْعَبْدُ مُطْلَقًا أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ الْمُتَعَرِّي عَنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ ، وَقَبَائِحِ الْأَعْمَالِ ، وَالْمُتَحَلِّي بِأَضْدَادِ ذَلِكَ ، وَإِذَا وُصِفَ بِهِ الْأَمْوَالُ أُرِيدَ بِهِ كَوْنُهُ حَلَالًا مِنْ خِيَارِ الْأَمْوَالِ ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنِ الْعُيُوبِ ، فَلَا يُقْبَلُ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَقَرَّبَ إِلَيْهِ إِلَّا بِمَا يُنَاسِبُهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَهُوَ خِيَارُ أَمْوَالِكُمُ الْحَلَالِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ( وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ) : " مَا " مَوْصُولَةٌ ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَكْلُ الْحَلَالِ وَتَحْسِينُ الْأَمْوَالِ ( فَقَالَ ) : ابْتِدَاءٌ بِمَا خَتَمَ بِهِ رِعَايَةً لِتَقَدُّمِ الْمُرْسَلِينَ وَتَقَدُّمُهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وُجُودًا وَرُتْبَةً ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ) : آخِرُهُ ( إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَهَذَا النِّدَاءُ خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ لَا عَلَى أَنَّهُمْ خُوطِبُوا بِذَلِكَ دُفْعَةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّهُمْ أُرْسِلُوا فِي أَزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ ، بَلْ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ خُوطِبَ بِهِ فِي زَمَانِهِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا النِّدَاءُ يَوْمَ الْمِيثَاقِ لِخُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ - تَعَالَى - لَيْسَ عِنْدَهُ صَبَاحٌ وَلَا مَسَاءٌ ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ إِبَاحَةَ الطَّيِّبَاتِ شَرْعٌ قَدِيمٌ ، وَاعْتِرَاضٌ عَلَى الرَّهْبَانِيَّةِ فِي رَفْضِهِمُ اللَّذَّاتِ ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ أَكْلَ الطَّيِّبَاتِ مُوَرِّثٌ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَهُوَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - . ( وَقَالَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا ) : الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ أَوْ لِلْوُجُوبِ ، كَمَا لَوْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ أَوْ لِلنَّدْبِ كَمُوَافَقَةِ الضَّيْفِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ ( مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) : أَيْ : حَلَالَاتِهِ أَوْ مُسْتَلَذَّاتِهِ وَتَتِمَّتِهِ : وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - خَلَقَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لِعَبِيدِهِ ، كَمَا قَالَ : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ) وَأَنَّهُ خَلَقَ عَبِيدَهُ لِمَعْرِفَةٍ وَطَاعَةٍ كَمَا قَالَ - تَعَالَى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( ثُمَّ ذَكَرَ " : أَيِ : الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( الرَّجُلَ ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرُهُ ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ لِلْمَفْعُولِيَّةِ ( يُطِيلُ السَّفَرَ ) : أَيْ : زَمَانَهُ وَيُكْثِرُ مُبَاشَرَتَهُ فِي الْعِبَادَاتِ ، كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْجِهَادِ وَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الْخَيْرَاتِ . ( أَشْعَثَ ، أَغْبَرَ ) : حَالَانِ مُتَدَاخِلَانِ ، أَوْ مُتَرَادِفَانِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : ( يَمُدُّ يَدَيْهِ ) : أَيْ مَادًّا يَدَيْهِ رَافِعًا بِهِمَا ( إِلَى السَّمَاءِ ) : لِأَنَّهَا قِبْلَةُ الدُّعَاءِ قَائِلًا مُكَرِّرًا ( يَا رَبِّ ! يَا رَبِّ ! ) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الدُّعَاءَ بِلَفْظِ الرَّبِّ مُؤَثِّرٌ فِي الْإِجَابَةِ لِإِيذَانِهِ بِالِاعْتِرَافِ بِأَنَّ وَجُودَهُ فَائِضٌ عَنْ تَرْبِيَتِهِ وَإِحْسَانِهِ وَجُودِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَلِذَا قَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ : مَنْ حَزَبَهُ أَمْرٌ فَقَالَ خَمْسَ مَرَّاتٍ : رَبَّنَا نَجَّاهُ اللَّهُ مِمَّا يَخَافُ ، وَأَعْطَاهُ مَا أَرَادَ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - حَكَى عَنْهُمْ فِي آلِ عِمْرَانَ : أَنَّهُمْ قَالُوا خَمْسًا ( ] فَاسْتَجَابَ [ لَهُمْ رَبُّهُمْ ) ( وَمَطْعَمُهُ ) : مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، أَوِ اسْمُ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ ، طَعَامُهُ ( حَرَامٌ ) : وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أَيْضًا ، وَكَذَا قَوْلُهُ ( وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِّيَ ) : بِضَمِّ الْغَيْنِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمُخَفَّفَةِ ، كَذَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ : وَقَعَتْ مُقَيَّدَةً بِالتَّشْدِيدِ ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ وَالْمَعْنَى رُبِّيَ ( بِالْحَرَامِ ) : أَيْ : مِنْ صِغَرِهِ إِلَى كِبَرِهِ . قَالَ الْأَشْرَفُ : ذُكِرَ قَوْلُهُ : " وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ " بَعْدَ قَوْلِهِ " وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ " إِمَّا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِمَّنْ كَوْنُ الْمَطْعَمُ حَرَامًا التَّغْذِيَةُ بِهِ ، وَإِمَّا تَنْبِيهًا بِهِ عَلَى اسْتِوَاءِ حَالَيْهِ ، أَعْنِي كَوْنَهُ مُنْفِقًا فِي حَالِ كِبَرِهِ وَمُنْفَقًا عَلَيْهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ فِي وُصُولِ الْحَرَامِ إِلَى بَاطِنِهِ ، فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ : " مَطْعَمُهُ حَرَامٌ " إِلَى حَالِ كِبَرِهِ وَبِقَوْلِهِ : " وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ " إِلَى حَالِ صِغَرِهِ ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى أَنْ لَا تَرْتِيبَ فِي الْوَاوِ ، وَذَهَبَ الْمُظْهِرُ إِلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، وَرَجَّحَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْوَجْهَ الْأَوَّلَ ، وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ عَدَمَ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ مُصِرًّا عَلَى تَلَبُّسِ الْحَرَامِ وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ . قَالَ الْأَشْرَفُ : " يُطِيلُ " مَحَلُّهُ نَصْبُ صِفَةٍ لِلرَّجُلِ ، لِأَنَّ جِنْسَ الْمَعْرِفَةِ بِمَنْزِلَةِ النَّكِرَةِ كَقَوْلِهِ : ( وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ) قُلْتُ : وَكَقَوْلِهِ - تَعَالَى : كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : قَوْلُهُ : ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ - يُرِيدُ الرَّاوِي - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَّبَ كَلَامَهُ بِذِكْرِ الرَّجُلِ الْمَوْصُوفِ اسْتِبْعَادًا ، أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقْبَلُ دُعَاءَ آكِلِ الْحَرَامِ لِبُغْضِهِ الْحَرَامَ ، وَبُعْدِ مُنَاسَبَتِهِ عَنْ جَنَابِهِ الْأَقْدَسِ ، فَأَوْقَعَ فِعْلَهُ عَلَى الرَّجُلِ وَنَصَبَهُ ، وَلَوْ حَكَى لَفْظَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفَعَ الرَّجُلَ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ يُطِيلُ ، وَقَوْلُهُ : أَشْعَثَ وَأَغْبَرَ حَالَانِ مُرَادِفَتَانِ مِنْ فَاعِلِ يَمُدُّ أَيْ يَمُدُّ يَدَيْهِ قَائِلًا : يَا رَبِّ ، وَقَوْلُهُ : وَمَطْعَمُهُ ، وَمَشْرَبُهُ ، وَمَلْبَسُهُ ، وَغُذِّيَ ، حَالٌ مِنْ فَاعِلِ قَائِلًا ، وَكُلُّ هَذِهِ الْحَالَاتِ دَالَّةٌ عَلَى غَايَةِ اسْتِحْقَاقِ الدَّاعِي لِلْإِجَابَةِ ، وَدَلَّتْ تِلْكَ الْخَيْبَةُ عَلَى أَنَّ الصَّارِفَ قَوِيٌّ وَالْحَاجِزَ مَانِعٌ شَدِيدٌ . اهـ . وَفِي قَوْلِهِ : وَكُلُّ هَذِهِ الْحَالَاتِ تَوَسُّعٌ لِخُرُوجِ مَطْعَمِهِ الْخَ . فَإِنَّهَا حَالَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الدَّاعِي عَدَمَ الْإِجَابَةِ كَمَا قَالَ : ( فَأَنَّى ) : أَيْ : فَكَيْفَ أَوْ فَمِنْ أَيْنَ ؟ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلِاسْتِبْعَادِ مِنْ أَنْ ( يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ؟ ) : أَيْ : لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَوْ لِأَجْلِ مَا ذُكِرَ مِنْ حَالِ الرَّجُلِ . قَالَ الْأَشْرَفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ : وَفِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ حِلَّ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ مِمَّا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إِجَابَةُ الدُّعَاءِ ، وَلِذَا قِيلَ : إِنَّ لِلدُّعَاءِ خَبًّا حِينَ أَكَلَ الْحَلَالَ وَصَدَقَ الْمَقَالَ . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى : أَرَادَ بِالرَّجُلِ الْحَاجَّ الَّذِي أَثَّرَ فِيهِ السَّفَرُ ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْجَهْدُ ، وَأَصَابَهُ الشَّعَثُ ، وَعَلَاهُ الْغَبَرَةُ فَطَفِقَ يَدْعُو اللَّهَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ ، وَعِنْدَهُ أَنَّهُمَا مِنْ مَظَانِّ الْإِجَابَةِ ، فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُ ، وَلَا يُعْبَأُ بِبُؤْسِهِ وَشَقَائِهِ لِأَنَّهُ مُلْتَبِسٌ بِالْحَرَامِ صَارِفُ النَّفَقَةِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهَا . قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : فَإِذَا كَانَ حَالُ الْحَاجِّ الَّذِي هُوَ سَبِيلُ اللَّهِ هَذَا فَمَا بَالُ غَيْرِهِ ، وَفِي مَعْنَاهُ أَمْرُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : طُوبَى لِعَبْدٍ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ ، مُغَبَّرَةٍ قَدَمَاهُ " . اهـ وَاعْلَمْ أَنَّ طِيبَ الْمَطْعَمِ لَهُ خَاصِّيَّةٌ عَظِيمَةٌ ، وَتَأْكِيدُ اسْتِعْدَادِهِ لِقَبُولِ أَنْوَارِ الْمَعْرِفَةِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ بِنَاءَ الْأَمْرِ بَعْدَ حِفْظِ السُّنَّةِ وَمُجَانَبَةِ كُلِّ صَاحِبٍ يُفْسِدُ الْوَقْتَ ، وَكُلِّ سَبَبٍ يَفْتِنُ الْقَلْبَ عَلَى صَوْنِ الْيَدِ عَنِ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةِ ، وَأَقَلُّهُ أَنْ يَحْتَرِزَ مِمَّا حَرَّمَهُ فَتْوَى الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ وَرَعُ الْعَامَّةِ ، ثُمَّ يَمْتَنِعَ عَمَّا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ احْتِمَالُ التَّحْرِيمِ ، وَإِنْ أَفْتَى الْمُفْتِي بِحِلِّهِ ، وَهُوَ وَرَعُ الصَّالِحِينَ ، ثُمَّ تَرَكَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ مَخَافَةَ مَا فِيهِ بَأْسٌ ، وَهُوَ وَرَعُ الْمُتَّقِينَ ، ثُمَّ الْحَذَرُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يُرَادُ بِتَنَاوُلِهِ الْقُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، أَوْ يَتَطَرَّقُ إِلَى بَعْضِ أَسْبَابِهِ مَعْصِيَةٌ أَوْ كَرَاهَةٌ ، وَهُوَ وَرَعُ الصِّدِّيقِينَ . هَذَا وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا يُوجَدُ الْحَلَالُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، فَلْيَكْتَفِ السَّالِكُ مِنْ غَيْرِهِ بِمَا يَحْفَظُ رَوْعًا لِئَلَّا يَمُوتَ جُوعًا قَالَ بَعْضُ الظُّرَفَاءِ : يَقُولُ لِيَ الْجَهُولُ بِغَيْرِ عِلْمٍ دَعِ الْمَالَ الْحَرَامَ وَكُنْ قَنُوعًا فَلَمَّا لَمْ أَجِدْ مَالًا حَلَالًا وَلَمْ آكُلْ حَرَامًا مِتُّ جُوعًا لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يُرَاعَى دَرَجَاتُ الْحَرَمِ وَالشُّبْهَةِ فَمَهْمَا وَجَدَ مَا يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى الْحَلَالِ لَا يَتَنَاوَلُ مِمَّا يَكُونُ أَبْعَدَ مِنْهُ ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ : الْمُضْطَرُّ إِذَا وَجَدَ غَنَمًا مَيْتًا فَلَا يَأْكُلْ مِنَ الْحِمَارِ الْمَيِّتِ ، وَإِذَا وَجَدَ الْحِمَارَ فَلَا يَتَنَاوَلُ مِنَ الْكَلْبِ ، وَإِذَا وَجَدَ الْكَلْبَ لَا يَقْرَبُ مِنَ الْخِنْزِيرِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ كَسُفَهَاءِ الْفُقَهَاءِ حَيْثُ يَقُولُونَ : الْحَلَالُ مَا حَلَّ بِنَا ، وَالْحَرَامُ مَا حَرُمَ مِنَّا . ( رَوَاهُ مُسْلِمٌ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية