الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 2259 - ( وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ : إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا " قَالُوا : إِذًا نُكْثِرُ ، قَالَ : " اللَّهُ أَكْثَرُ " ( رَوَاهُ أَحْمَدُ ) . مرقاة المفاتيح 2259 - ( وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ " : أَيْ : مَعْصِيَةٌ قَاصِرَةٌ ( وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ ) : أَيْ : سَيِّئَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ ( إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا ) : أَيْ : بِتِلْكَ الدَّعْوَةِ ( إِحْدَى ثَلَاثٍ ) : أَيْ : مِنَ الْخِصَالِ ( إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ ) أَيْ : بِخُصُوصِهَا ، أَوْ مِنْ جِنْسِهَا فِي الدُّنْيَا فِي وَقْتٍ أَرَادَهُ إِنْ قَدَّرَ وُقُوعَهَا فِي الدُّنْيَا ( وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا ) : أَيْ : تِلْكَ الْمَطْلُوبَةَ ، أَوْ مِثْلَهَا ، أَوْ أَحْسَنَ مِنْهَا ، أَوْ ثَوَابَهَا وَبَدَّلَهَا لَهُ : أَيْ : لِلدَّاعِي فِي الْآخِرَةِ أَيْ : إِنْ لَمْ يُقَدِّرْ وُقُوعَهَا فِي الدُّنْيَا ( وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ ) : أَيْ : يَدْفَعَ ( عَنْهُ مِنَ السُّوءِ ) : أَيْ : الْبَلَاءِ النَّازِلِ أَوْ غَيْرِهِ فِي أَمْرِ دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ أَوْ بَدَنِهِ ( مِثْلَهَا ) : أَيْ : كَمِّيَّةً وَكَيْفَيَّةً إِنْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ وُقُوعَهَا فِي الدُّنْيَا ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ فِيهَا أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ ، إِمَّا الثَّوَابُ الْمُدَّخَرُ ، وَإِمَّا دَفْعُ قَدْرِهَا مِنَ السُّوءِ ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ أَنَّ مَا لَمْ يُقَدَّرْ يُدْفَعُ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلُهُ ( قَالُوا ) : أَيْ : بَعْضُ الصَّحَابَةِ ( إِذَا ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ : أَيْ : إِذَا كَانَ الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يُخَيَّبُ الدَّاعِي فِي شَيْءٍ مِنْهُ ( نُكْثِرُ ) أَيْ : مِنَ الدُّعَاءِ الْعَظِيمِ فَوَائِدُهُ . أَقُولُ : كَانَ ظَاهِرُهُ النَّصْبَ ، لَكِنْ ضُبِطَ بِالرَّفْعِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ الْمُصَحَّحَةِ الْمَقْرُوءَةِ الْمُقَابَلَةِ مِنْ نُسْخَةِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ وَغَيْرِهَا ، وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّفْعِ إِرَادَةُ مَعْنَى الْحَالِ مِنَ الْفِعْلِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ إِذًا ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ إِذِ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ : ( نُكْثِرُ ) أَيِ : الدُّعَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ : أَرَادَ حَالَ الْحَيَاةِ أَوْ جَعَلَ الِاسْتِقْبَالَ فِي مَعْنَى الْحَالِ مُبَالَغَةً فِي الِاسْتِعْجَالِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ . وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِتَحْقِيقِ الْمَرَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ ، مَا ذَكَرَهُ حَسَن حَلَبِي فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ ، أَنَّ الْحَالَ هُوَ أَجْزَاءٌ مِنْ أَوَاخِرِ الْمَاضِي ، وَأَوَائِلِ الْمُسْتَقْبَلِ ، وَتَعْيِينُ مِقْدَارِ الْحَالِ مُفَوَّضٌ إِلَى الْعَوْدِ بِحَسَبِ الْأَفْعَالِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ لَهُ مِقْدَارٌ مَخْصُوصٌ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : زَيْدٌ يَأْكُلُ وَيَمْشِي وَيَحُجُّ وَيَكْتُبُ الْقُرْآنَ ، وَيُعَدُّ كُلُّ ذَلِكَ حَالًا ، وَلَا يُشَكُّ فِي اخْتِلَافِ مَقَادِيرِ أَزْمِنَتِهَا اهـ . وَلَا يَخْفَى بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ مُبَاشِرًا لِلْفِعْلِ حَالَ التَّكَلُّمِ ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ تُوجَدُ مُبَاشَرَةُ الدُّعَاءِ فَضْلًا عَنِ الْإِكْثَارِ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُعْتَبَرَ نِيَّةُ الْفِعْلِ مَقَامَ الْفِعْلِ نَفْسِهِ . ( قَالَ ) : أَيِ : النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( اللَّهُ أَكْثَرُ ) : بِالْمُثَلَّثَةِ فِي الْأَكْثَرِ ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُوَحَّدَةِ ، فَمَعْنَاهُ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُسْتَكْثَرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيِ : اللَّهُ أَكْثَرُ إِجَابَةً مِنْ دُعَائِكُمْ ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ فَضْلُ اللَّهِ أَكْثَرُ ، أَيْ : مَا يُعْطِيهِ مِنْ فَضْلِهِ وَسِعَةِ كَرَمِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يُعْطِيكُمْ فِي مُقَابَلَةِ دُعَائِكُمْ ، أَوِ اللَّهُ أَغْلَبُ فِي الْكَثْرَةِ يَعْنِي فَلَا تُعْجِزُونَهُ فِي الِاسْتِكْثَارِ ، فَإِنَّ خَزَائِنَهُ لَا تَنْفَدُ ، وَعَطَايَاهُ لَا تَفْنَى . ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ وَافَقَنِي لِبَعْضِ الْمُوَافَقَةِ حَيْثُ قَالَ : أَيْ : اللَّهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا وَعَطَاءً مِمَّا فِي نُفُوسِكُمْ ، فَأَكْثِرُوا مَا شِئْتُمْ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يُقَابِلُ أَدْعِيَتَكُمْ مِمَّا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا وَأَجَلُّ ، ثُمَّ قَالَ : وَبِمَا قَرَّرْتُهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِقَوْلِ الشَّارِحِ : اللَّهُ أَكْثَرُ إِجَابَةً مِنْ دُعَائِكُمْ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّ إِجَابَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي بَابِهَا أَكْثَرُ وَأَبْلَغُ مِنْ دُعَائِكُمْ فِي بَابِهِ ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ : الْعَسَلُ أَحْلَى مِنَ الْخَلِّ ، وَالصَّيْفُ أَحَرُّ مِنَ الشِّتَاءِ ، وَإِنَّمَا جِيءَ بِأَكْثَرِ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مُشَاكَلَةً لِقَوْلِهِ ( نُكْثِرُ ) اهـ . فَقَوْلِي : مِمَّا فِي نُفُوسِكُمُ انْدَفَعَ بِهِ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ . قُلْتُ : فِيهِ إِيهَامَانِ لَا يُلَائِمَانِ ، الْأَوَّلُ : أَنَّ فِي نُفُوسِهِمْ عَدَمَ إِكْثَارِ اللَّهِ ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَالثَّانِي : أَنَّ الْأَكْثَرِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ ، وَالْحَالُ أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَلَا غَايَةَ ( رَوَاهُ أَحْمَدُ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية