الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 2222 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قُلْتُ لِعُثْمَانَ : مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي ، وَإِلَى بَرَاءَةٍ وَهِيَ مِنَ الْمَئِينِ ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ تَكْتُبُوا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ ، مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ عُثْمَانُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يَنْزِلُ علَيْهِ السُّورُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ دَعَا بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ ، فَيَقُولُ : ضَعُوا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا ، فَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ ، فَيَقُولُ : ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا ، وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا ، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا مِنْهَا ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا وَلِمَ أَكْتُبْ سَطْرَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ . مرقاة المفاتيح 2222 - ( وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قُلْتُ لِعُثْمَانَ : مَا حَمَلَكُمْ ) أَيْ : مَا الْبَاعِثُ وَالسَّبَبُ لَكُمْ ( عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ ، أَيْ : قَصَدْتُمْ ( إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي ) أَيْ : مِنَ السَّبْعِ الْمَثَانِي ، وَهِيَ السَّبْعُ الطُّوَلُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْمَثَانِي مِنَ الْقُرْآنِ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنَ الْمَئِينَ ، وَيُسَمَّى جَمِيعُ الْقُرْآنِ مَثَانِيَ ; لِاقْتِرَانِ آيَةِ الرَّحْمَةِ بِآيَةِ الْعَذَابِ ، وَتُسَمَّى الْفَاتِحَةُ مَثَانِيَ أَيْ : لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ ثُنِّيَتْ فِي النُّزُولِ ( وَإِلَى بَرَاءَةَ ) أَيْ : سُورَتِهِمَا ( وَهِيَ ) لِكَوْنِهَا مِائَةً وَثَلَاثِينَ آيَةً ( مِنَ الْمَئِينَ ) جَمْعُ الْمِائَةِ ، وَأَصْلُ الْمِائَةِ : مَائِيٌّ كَمَعِيٍّ ، وَالْهَاءُ عِوَضٌ عَنِ الْوَاوِ ، وَإِذَا جَمَعْتَ الْمِائَةَ قُلْتَ : مِئُونَ ، وَلَوْ قُلْتَ مِئَاتٍ جَازَ ( فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ تَكْتُبُوا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ ( مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ ؟ ) وَفَى نُسْخَةٍ عَلَى ذَلِكُمْ ، وَهُوَ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ، وَتَوْجِيهُ السُّؤَالِ : إِنَّ الْأَنْفَالَ لَيْسَ مِنَ السَّبْعِ الطُّوَلِ لِقَصَرِهَا عَنِ الْمَئِينَ ؛ لِأَنَّهَا سَبْعٌ وَسَبْعُونَ آيَةً ، وَلَيْسَتْ غَيْرَهَا لِعَدَمِ الْفَصْلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَرَاءَةَ ( قَالَ عُثْمَانُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ ) أَيِ : الزَّمَانُ الطَّوِيلُ وَلَا نَزَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَرُبَّمَا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ ( وَهُوَ ) أَيِ : النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْوَاوُ لِلْحَالِ ( تَنْزِلُ ) بِالتَّأْنِيثِ مَعْلُومًا ، وَبِالتَّذْكِيرِ مَجْهُولًا ( عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ) أَيْ : مِنَ الْقَصَصِ ( دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ ) أَيِ : الْوَحْيَ ، كَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَغَيْرِهِمَا ( فَيَقُولُ : ضَعُوا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا ) كَقِصَّةِ هُودٍ ، وَحِكَايَةِ يُونُسَ ( فَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَيَقُولُ : صُفُّوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا ) كَالطَّلَاقِ وَالْحَجِّ ، وَهَذَا زِيَادَةُ جَوَابٍ تَبَرَّعَ بِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْآيَاتِ تَوْقِيفِيٌّ ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ ، وَالنُّصُوصُ الْمُتَرَادِفَةُ ، وَأَمَّا تَرْتِيبُ السُّوَرِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا فِي الْإِتْقَانِ ( وَكَانَ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَتْ ) وَفَى نُسْخَةٍ نَزَلَ ( بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا ) أَيْ : فَهِيَ مَدَنِيَّةٌ أَيْضًا وَبَيْنَهُمَا النِّسْبَةُ التَّرْتِيبِيَّةُ بِالْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّةِ ، فَهَذَا أَحَدُ وُجُوهِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا ، وَكَانَ هَذَا مُسْتَنَدَ مَنْ قَالَ إِنَّهُمَا سُورَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ دَوْقٍ ، وَأَبُو يَعْلَى عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سُفْيَانَ وَابْنِ لَهِيعَةَ ، كَانُوا يَقُولُونَ : إِنَّ بَرَاءَةَ مِنَ الْأَنْفَالِ ، وَلِهَذَا لَمْ تُكْتَبِ الْبَسْمَلَةُ بَيْنَهُمَا مَعَ اشْتِبَاهِ طُرُقِهِمَا ، وَرُدَّ بِتَسْمِيَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَاسِمٍ مُسْتَقِلٍّ ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ : إِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَمْ تَكُنْ فِيهَا ; لِأَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَنْزِلْ بِهَا فِيهَا ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ تُكْتَبِ الْبَسْمَلَةُ فِي بَرَاءَةَ ; لِأَنَّهَا أَمَانٌ ، وَبَرَاءَةُ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ ، وَعَنْ مَالِكٍ : أَنَّ أَوَّلَهَا لَمَّا سَقَطَ سَقَطَتْ مَعَهُ الْبَسْمَلَةُ ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْدِلُ الْبَقَرَةَ لِطُولِهَا ، وَقِيلَ : إِنَّهَا ثَابِتَةٌ ، أَوَّلُهَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى ذَلِكَ ( وَكَانَتْ قِصَّتُهَا ) أَيِ : الْأَنْفَالِ ( شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا ) أَيْ : بَرَاءَةَ ، وَيَجُوزُ الْعَكْسُ ، وَهَذَا وَجْهٌ آخَرُ مَعْنَوِيٌّ ، وَلَعَلَّ الْمُشَابَهَةَ فِي قَضِيَّةِ الْمُقَاتَلَةِ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ : ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ ) وَنَحْوِهِ ، وَفِي نَبْذِ الْعَهْدِ بِقَوْلِهِ فِي الْأَنْفَالِ : فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ لِأَنَّ الْأَنْفَالَ بَيَّنَتْ مَا وَقَعَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ مُشْرِكِي مَكَّةَ ، وَبَرَاءَةُ بَيَّنَتْ مَا وَقَعَ لَهُ مَعَ مُنَافِقِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا مِمَّا ظَهَرَ لِي فِي أَمْرِ الِاقْتِرَانِ بَيْنَهُمَا ( فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا ) أَيِ : التَّوْبَةُ ( مِنْهَا ) أَيْ : مِنَ الْأَنْفَالِ ، أَوْ لَيْسَتْ مِنْهَا ( فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ) أَيْ : لِمَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ تَبْيِينِهِ وُجُوهَ مَا ظَهَرَ لَنَا مِنَ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا ( قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ أَكْتُبْ سَطْرَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) أَيْ : لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ ; لِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْفَصْلِ وَلَمْ تَنْزِلْ ، وَلَمْ أَكْتُبْ ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنَ الْحِكْمَةِ فِي عَدَمِ نُزُولِ الْبَسْمَلَةِ ، وَهُوَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَأَلَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَ لَمْ تَكْتُبْ ؟ قَالَ : لِأَنَّ بِسْمِ اللَّهِ أَمَانٌ وَلَيْسَ فِيهَا أَمَانٌ أُنْزِلَتْ بِالسَّيْفِ ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَكْتُبُهَا أَوَّلَ مُرَاسَلَاتِهِمْ فِي الصُّلْحِ وَالْأَمَانِ وَالْهُدْنَةِ ، فَإِذَا نَبَذُوا الْعَهْدَ وَنَقَضُوا الْأَمَانَ لَمْ يَكْتُبُوهَا ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ فَصَارَتْ عَلَامَةُ الْأَمَانِ وَعَدَمُهَا عَلَّامَةَ نَقْضِهِ ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : أَمَانٌ : وَقَوْلُهُمْ : آيَةُ رَحْمَةٍ ، وَعَدَمُهَا عَذَابٌ كَذَا ذَكَرَهُ الْجَعْبَرِيُّ ( وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : دَلَّ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى أَنَّهُمَا نُزِّلَتَا مَنْزِلَةَ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَكُمِّلَ السَّبْعُ الطُّوَلُ بِهَا ، ثُمَّ قِيلَ السَّبْعُ الطُّوَلُ هِيَ : الْبَقَرَةُ وَبَرَاءَةُ وَمَا بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ ; لَكِنْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا الْبَقَرَةُ وَالْأَعْرَافُ وَمَا بَيْنَهُمَا ، قَالَ الرَّاوِي : وَذَكَرَ السَّابِعَةَ فَنَسِيتُهَا ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْفَاتِحَةَ فَإِنَّهَا مِنَ السَّبْعِ الْمَثَانِي ، أَوْ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَنَزَلَتْ سَبْعَتُهَا مَنْزِلَةَ الْمَئِينَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَنْفَالُ بِانْفِرَادِهَا أَوْ بِانْضِمَامِ مَا بَعْدَهَا إِلَيْهَا ، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهَا يُونُسُ ، وَجَاءَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْأَنْفَالَ وَمَا بَعْدَهَا مُخْتَلَفٌ فِي كَوْنِهَا مِنَ الْمَثَانِي ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُورَةٌ ، أَوْ هُمَا سُورَةٌ ( رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ) . وَكَذَا النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَصَحَّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لَا تَقُولُوا فِي عُثْمَانَ إِلَّا خَيْرًا فَوَاللَّهِ مَا فَعَلَ الَّذِي فَعَلَ فِي الْمَصَاحِفِ إِلَّا عَنْ مَلَأٍ مِنَّا ، قَالَ : أَيْ عُثْمَانُ : فَمَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ : إِنَّ قِرَاءَتِي خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَتِكَ ، وَهَذَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا ؟ قُلْتُ : فَمَا تَرَى ، قَالَ : أَرَى أَنْ يُجْمَعَ النَّاسُ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ فَلَا يَكُونُ فُرْقَةٌ وَلَا اخْتِلَافٌ ، قُلْنَا : فَنِعْمَ مَا رَأَيْتَ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : الْفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِ أَبِي بَكْرٍ وَجَمْعِ عُثْمَانَ أَنَّ جَمْعَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ لِخَشْيَةِ أَنْ يَذْهَبَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لِذَهَابِ حَمَلَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَجَمْعُهُ فِي صَحَائِفِهِ مُرَتَّبًا لِآيَاتِ سُوَرِهِ عَلَى مَا وَقَّفَهُمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَجَمْعُ عُثْمَانَ كَانَ لَمَّا كَثُرَ الِاخْتِلَافُ فِي وُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ حِينَ قَرَءُوا بِلُغَاتِهِمْ عَلَى اتِّسَاعِ اللُّغَاتِ ; فَأَدَّى ذَلِكَ بَعْضَهُمْ إِلَى تَخْطِئَةِ بَعْضٍ ; فَخَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَ تِلْكَ الصُّحُفَ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مُرَتِّبًا لِسُوَرِهِ وَاقْتَصَرَ مِنْ سَائِرِ اللُّغَاتِ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ ، مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَسِعَ فِي قِرَاءَتِهِ بِلُغَةِ غَيْرِهِمْ رَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ ، فَرَأَى أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ انْتَهَتْ فَاقْتَصَرَعَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ ، قَلْتُ : هَذَا يُوهِمُ أَنَّهُ تَرَكَ مَا ثَبَتَ كَوْنُهُ قُرْآنًا ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ : كَانَ فِي جَمْعِ أَبِي بَكْرٍ الْمَنْسُوخَاتِ وَالْقِرَاءَاتِ الَّتِي مَا حَصَلَ فِيهَا التَّوَاتُرُ جَمْعًا كُلِّيًّا مِنْ غَيْرِ تَهْذِيبٍ وَتَرْتِيبٍ ، فَتَرَكَ عُثْمَانُ الْمَنْسُوخَاتِ ، وَأَبْقَى الْمُتَوَاتِرَاتِ ، وَحَرَّرَ رُسُومَ الْكَلِمَاتِ ، وَقَرَّرَ تَرْتِيبَ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ عَلَى وَفْقِ الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْعَرْضَاتِ الْمُطَابِقَةِ لِمَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَ نُزُولُهَا مَنَجَّمًا عَلَى حَسَبِ مَا تَقْتَضِي الْحَالَاتُ وَالْمَقَامَاتُ ، وَلِذَا قَالَ الْبَاقِلَّانِيُّ : لَمْ يَقْصِدْ عُثْمَانُ قَصْدَ أَبِي بَكْرٍ فِي نَفْسِ الْقِرَاءَةِ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ جَمْعَهُمْ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْعَامَّةِ الْمَعْرُوفَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلْغَاءَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَأَخَذَهُمْ بِمُصْحَفٍ لَا تَقْدِيمَ فِيهِ وَلَا تَأْخِيرَ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الْمُتَعَالِ بِالْوَجْهِ الْمُتَوَاتِرُ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَقَالِ ، فَمَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْئًا كَفَرَ فِي الْحَالِ ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْآيِ تَوْقِيفِيٌّ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ آخِرَ الْآيَاتِ نُزُولًا وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ فَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ أَنْ يَضَعَهَا بَيْنَ آيَتَيِ الرِّبَا وَالْمُدَايَنَةِ وَلِذَا حَرَّمَ عَكْسَ تَرْتِيبِهَا ، بِخِلَافِ تَرْتِيبِ السُّوَرِ فَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ كُرِهَتْ مُخَالَفَتُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَلِمَا وَرَدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ النِّسَاءَ قَبْلَ آلِ عِمْرَانَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، أَوْ نِسْيَانًا لِيُعْلِمَ الصُّحْبَةَ بِهِ ، مَعَ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ تَوْقِيفِيٌّ أَيْضًا وَإِنْ كَانَتْ مَصَاحِفُهُمْ مُخْتَلِفَةً فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ جَمْعِ عُثْمَانَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَتَّبَهَا عَلَى النُّزُولِ وَهُوَ مُصْحَفُ عَلِيٍّ أَوَّلُهُ اقْرَأْ ، فَالْمُدَّثِّرُ ، فَنُونٌ ، فَالْمُزَّمِّلُ ، فَتَبَّتْ ، فَالتَّكْوِيرُ ، وَهَكَذَا إِلَى آخِرِ الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَوْقِيفِيٌّ كَوْنُ الْحَوَامِيمِ رُتِّبَتْ وَلَاءً ، وَكَذَلِكَ الطَّوَاسِينُ ، وَلَمْ يُرَتِّبِ الْمُسَبِّحَاتِ وَلَاءً بَلْ فَصَلَ بَيْنَ سُوَرِهَا ، وَكَذَا اخْتِلَاطُ الْمَكِّيَّاتِ بِالْمَدَنِيَّاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية